إبراهيم عامر.. أسئلة الذكرى الخمسين لاستشهاد كاتب صحافي مصري في بيروت

في العدد التالي لرحيله، يوم 20 شباط/ فبراير 1976، نشر صاحب "السفير" ورئيس تحريرها، طلال سلمان مقاله الافتتاحي "على الطريق" في الصفحة الأولى تحت عنوان "إبراهيم عامر"، بتوقيع "السفير"، ناعياً أحد مؤسسيها قبل عددها الأول 26 آذار/ مارس 1974: " حين نقل إلى المستشفى ظنوه عامل طباعة، كان الحبر على أصابعه، ورائحة الكلام تفوح من ثيابه، وكانت في جيوبه أوراق قليلة عليها بعض الكلمات".
2026-02-22

كارم يحيى

صحافي من مصر


شارك
ابراهيم عامر (1922 ـ 1976) مع طلال سلمان (1938 - 2023) في مكاتب جريدة السفير في بيروت

يوم 23 شباط/ فبراير 1976، وقف نقيب الصحافيين المصريين عبد المنعم الصاوي خلال مواراة جثمان الكاتب والصحافي اليساري إبراهيم عامر ثرى بلاده، ليحمّل المسؤولية الى "من تسببوا في خروجه من مصر"، إلى بيروت وصحافتها ومخاطرها.

أصيب عامر في هجوم مسلحِين من منظمة الصاعقة الفلسطينية الموالية للنظام السوري حينها، على مكاتب جريدتي "بيروت" و"المحرر" المتقابلتين في منطقة الشياح في ضاحية بيروت، وذلك في 31 كانون الثاني/ يناير 1976، وذلك بعد حوالي عشرة شهور من اندلاع "الحرب الأهلية" في لبنان، وأيام معدودة من هدنة مراوِغة بعنوان "المبادرة السورية".

ظنوه عامل طباعة

بينما مات زميله الفلسطيني الشهيد نايف شبلاق مدير تحرير "المحرر" في التو، لفظ الكاتب والصحافي المصري أنفاسه الأخيرة في العناية المركزة بمستشفى الجامعة الأمريكية في منطقة الحمرا في 19 شباط/ فبراير من العام نفسه، متأثراً بمضاعفات استنشاق رئتيه دخان مواد محترقة في مطبعة جريدة "بيروت".

في العدد التالي لرحيله، يوم 20 شباط/ فبراير، نشر صاحب "السفير" ورئيس تحريرها، طلال سلمان مقاله الافتتاحي "على الطريق" في الصفحة الأولى تحت عنوان "إبراهيم عامر"، بتوقيع "السفير"، ناعياً أحد مؤسسيها قبل عددها الأول 26 آذار/ مارس 1974: " حين نقل إلى المستشفى ظنوه عامل طباعة، كان الحبر على أصابعه، ورائحة الكلام تفوح من ثيابه، وكانت في جيوبه أوراق قليلة عليها بعض الكلمات".

وجاءت في المقال معلومات عن الشهيد، تختصر رحلة عمر، "لم يتجاوز خامسة وخمسين عاماً، من عامل في مصنع نسيج بكفر الدوار، فمناضِلٍ نقابيّ تحول إلى الصحافة مخبراً، فمحرراً، فسكرتيراً فمديراً للتحرير، فمراسلاً ومعلقاً وباحثاً ودارساً مجتهداً".

خلال عمل بحثي، زرتُ مبنى جريدة "السفير" في شارع الحمرا أوائل 2024، وهناك علمت بأن قاعة الاجتماعات الرئيسة تحمل اسم إبراهيم عامر، ولا تزال إلى اليوم، وبعدما توقفت الصحيفة عن الصدور نهاية 2016، وفاء لذكراه وإسهامه في واحدة من أهم تجارب الصحف اللبنانية وأكثرها استعانةً بالصحافيين العرب غير اللبنانيين، يتقدمهم المصريون.

قال لي أحمد طلال سلمان، المدير العام لجريدة السفير سابقاً وابن مؤسسها: "عند التأسيس، كان لدينا في السفير ما بين 30 و40 في المئة من الصحافيين من غير اللبنانيين، أما المصريون فكان لهم إسهام كبير منذ التأسيس، لعلاقات الوالد السابقة عندما كان يتردد على القاهرة".

شهيد الثورة الفلسطينية

المقارنة بين وداع بيروت والقاهرة، استناداً إلى تغطيات عدد من الصحف والمجلات اللبنانية كـ"السفير"، و"المحرر"، و"البلاغ"، وبين صحف مصرية كـ"الأهرام"، و"الجمهورية"، تفيد بأن عامر حظي باهتمام أكبر من زملاء بيروت، وبوداع وموكب جنائزي وإعلان عن تكريم في نقابة الصحافة بلبنان، لم تمنحه إياه مصر.

لا شوارع القاهرة وصحفها - إلا بعض مقالات نادرة - ولا نقابة صحافييها، منحت عامر ما يستحق بعد مسيرة مهنية استمرت 20 عاماً، مع أن بعض هذه الصحف تناقلت أصداء بيانات المقاومة والحركة الوطنية في بيروت التي منحته أوصاف: "شهيد الثورة الفلسطينية"، وفق قرار رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات، و"شهيد الصحافة العربية"، كما أطلقت عليه صحف في بيروت وغيرها من العواصم العربية.

خلال عمل بحثي، زرتُ مبنى جريدة "السفير" في شارع الحمرا أوائل 2024، وهناك علمت بأن قاعة الاجتماعات الرئيسة تحمل اسم إبراهيم عامر، ولا تزال إلى اليوم، وبعدما توقفت الصحيفة عن الصدور نهاية 2016، وفاء لذكراه وإسهامه في واحدة من أهم تجارب الصحف اللبنانية وأكثرها استعانةً بالصحافيين العرب غير اللبنانيين، يتقدمهم المصريون.

بيروت المرحِّبة حد الغواية بالمثقفين والكتاب والصحافيين العرب حينها، جراء "أكبر هامش حرية وأحدث مطابع الصحف والكتب" وحركة تدفقات الأموال من خارجها إليها، كان لها وجه آخر، يجعل من مغادرة كاتب وصحافي كإبراهيم عامر بلده إليها والاستمرار فيها بعد اندلاع الحرب الأهلية في نيسان/ أبريل 1975، مغامرة، بل ومقامرة بالحياة.

رحلة عامر مع صحف بيروت استغرقت أقل من أربع سنوات، تنقل خلالها من "بيروت المساء" و"المحرر" و "السفير" إلى "بيروت"، وجميعها صحف تقف إلى جانب الحركة الوطنية اللبنانية المتحالفة مع الثورة الفلسطينية، وفي زمن الاستقطاب الحاد والصراع بالكلمة والسلاح مع معسكر اليمين الانعزالي.

وجاءت النهاية في مطابع جريدة "بيروت"، التي كان منذ أيام معدودة قبل استشهاده قد بدأ العمل لإطلاقها، إذ كان "يختار دائماً العمل في تأسيس الجرائد والمجلات"، كما وصفه الأمين العام لاتحاد الصحافيين العرب، كامل زهيري، في مقالة فخر ورثاء، نشرتها "السفير" في شهر استشهاد عامر.

وجه آخر لصحافة بيروت

لكن بيروت المرحِّبة حد الغواية بالمثقفين والكتاب والصحافيين العرب حينها، جراء "أكبر هامش حرية وأحدث مطابع الصحف والكتب" وحركة تدفقات الأموال من خارجها إليها، كان لها وجه آخر، يجعل من مغادرة كاتب وصحافي كإبراهيم عامر بلده إليها والاستمرار فيها بعد اندلاع الحرب الأهلية في نيسان/ أبريل 1975، مغامرة، بل ومقامرة بالحياة.

فخلال سنوات الحرب الأهلية الخمس عشرة، راح حوالي 29 صحافياً على الأقل ضحية الاغتيالات والتفجيرات والعدوان على دور الصحف، ومن بينهم نقيب الصحافة اللبنانية رياض طه،

وذلك وفق إحصاء أورده الصحافي اللبناني صقر يوسف صقر، في كتابه "قصة الصحافة في لبنان".

ضبط نفس حديدي

بمراجعة سرديات الصحف اللبنانية عن الهجوم على مكاتب "بيروت" و"المحرر"، يلفت النظر كون الصحف المحسوبة حينها على اليمين، أو لنقل بعبارة أوسع أنها خارج اليسار/ الحركة الوطنية/ الثورة الفلسطينية، أغزر معلوماتياً في تجسيد بشاعة الهجوم، وتعليقاً للجرس في رقبة منظمة "الصاعقة"، كما هي حال صحيفة الأنوار، إذ نشرت بياناً بعنوان "المجزرة" لمجلس نقابة المحررين برئاسة ملحم كرم.

شمل البيان تفاصيل مرَوعة من قبيل مشاركة 22 سيارة "لاندوفر" تحمل نحو مئة مسلح، واستخدام القذائف الصاروخية ومتفجرات "تي إن تي" والمازوت ومادة سامة لإحراق المطابع.

أما صحف الحركة الوطنية اللبنانية والثورة الفلسطينية، فقد تبنت في الأغلب وصف المهاجمين بأنهم "عناصر غير منضبطة من الصاعقة"، جرياً على المصطلحات التي اعتمدتها بيانات مكونات الحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها واجتماعاتها الطارئة المشتركة. وحمّلت هذه "العناصر غير المنضبطة" وحدها المسؤولية عن "الحادث"، مع إنكار خلفية صراع البعثين السوري والعراقي، وحيث كانت الصحيفتان المستهدفتان محسوبتين على الأخير، وإن أكدت المصادر المختلفة أن عامر لم يكن بعثياً.

إلا أن عدم الانتماء اليساري المصري لبعث العراق، لا يدفع عن الصحيفتين المستهدفتين الهوى والتمويل العراقي. ولذا اعتبرت بغداد عامر وزميله شبلاق، شهداء تلتزم بصرف معاش شهري لأسرتيهما، وأوفدت طبيباً إلى مستشفى الجامعة الأمريكية، ليساعد في محاولة إنقاذ الكاتب الصحافي المصري.

في مقال في الصفحة الأولى من "السفير" في اليوم التالي لعملية التفجير، وتحت عنوان "مع الكلمة ضد الرصاص"، كتب بلال الحسن ما يفيد أن اعتبارات سياسية حالت دون التصعيد ضد الفصيل الذي ينتمي إليه القتلة مرتكبو جريمة الاعتداء على "المحرر" و"بيروت"، وأيضاً من يدعم هذا الفصيل، أي سوريا.

كرر الدعوة إلى "ضبط النفس" مرتين، وأضاف إليها وصف "الحديدي". كتب: "إننا نخاف على وحدة الموقف الفلسطيني أن تنقلب إلى صراع داخلي مرير"، وتمنى "للمبادرة السورية أن تنجح نجاحاً كاملاً معيدة لبنان إلى أمنه واستقراره".

ولعل أولوية ما هو سياسي جبهوي، وفي مواجهة اليمين الانعزالي المدعوم أمريكياً وصهيونياً، ومن حكام في الخليج، وخطر الفوضى ومزيد من الدماء على لبنان والمنطقة، تفسّر كيف لم يتطرّق المقال إلى التمسك بمحاسبة الجناة، ومنظمتهم ومن يدعمهم.

لكن الإفلات من معاقبة استهداف الصحف وقتل الصحافيين والمثقفين المبدعين ظل من سمات الحال اللبنانية الصحافية، قبل عامر وشبلاق وبعدهما.

خلال بحثي، ألقيت السؤال على نقيب الصحافة اللبنانية فأجاب: " تمت محاكمة قاتل كامل مروة 1965 وجرى سجنه، وربما هذه هي الحالة الوحيدة التي لم يتمّ فيها الإفلات من العقاب".

أليس في هذا أيضاً نوع من تدمير الذات؟ تماماً كما هو مفعول القمع والاعتقال والاضطهاد، الذي استهدف إبراهيم عامر وكثيراً من المثقفين المصريين بين 1958 و1964 داخل الوطن، وإن كانوا أكثر حظاً من الشهيد شهدي عطية الشافعي، الذي اختار الكاتب صلاح عيسى عنواناً لسيرته مقتولاً تحت التعذيب في معتقل الواحات 1960، هو: "الموت في تشريفة الحليف الوطني"، في إشارة إلى الرئيس عبد الناصر.

سلطة تقتلك بقفازات زملائك

لكن ما الذي دفع عامر وعدداً من زملائه المصريين في الأصل إلى المخاطرة بالحياة في بيروت؟

بالطبع هناك دوافع فكرية سياسية لهؤلاء اليساريين المصريين وراء الالتحاق ببيروت الثورة الفلسطينية وحلفائها الوطنيين والقوميين والتقدميين. كما لا يمكن نسيان مفعول القمع بالقهر والحكم "بالموت المهني" ضد الصحافيين والكتاب والمثقفين المبدعين في بلدانهم، ولمن لا ينصاع للسلطة داخل المؤسسة الصحافية والثقافية وخارجها، وصولاً إلى الحاكم مطلق أو واسع السلطات المقدس، ولا ينخرط في بناء أهرامات "عبادة الفرد".

فقد كان بإمكان عامر وصحافيين مصريين، كالفنان حلمي التوني أحد فرسان تأسيس صحيفة "السفير" بدوره، العودة إلى أعمالهم في مصر، وذلك بعدما أصدر السادات قبل حرب أكتوبر بقليل عفواً يعيد الصحافيين المطرودين إلى عضوية الاتحاد الاشتراكي، فالنقابة، فممارسة المهنة، فأماكنهم في الصحف، ولكن...

في مقال في الصفحة الأولى من "السفير" في اليوم التالي لعملية التفجير، وتحت عنوان "مع الكلمة ضد الرصاص"، كتب بلال الحسن ما يفيد أن اعتبارات سياسية حالت دون التصعيد ضد الفصيل الذي ينتمي إليه القتلة مرتكبو جريمة الاعتداء على "المحرر" و"بيروت"، وأيضاً من يدعم هذا الفصيل، أي سوريا.

لكن ما الذي دفع عامر وعدداً من زملائه المصريين في الأصل إلى المخاطرة بالحياة في بيروت؟ بالطبع هناك دوافع فكرية سياسية لهؤلاء اليساريين المصريين وراء الالتحاق ببيروت الثورة الفلسطينية وحلفائها الوطنيين والقوميين والتقدميين. كما لا يمكن نسيان مفعول القمع بالقهر والحكم "بالموت المهني" ضد الصحافيين والكتاب والمثقفين المبدعين في بلدانهم.

في عموده "الدنيا هيك" بالصفحة الأخيرة من عدد صحيفة "المحرر" الصادر في 21 شباط/ فبراير 1976، وتحت عنوان "الأشجار تموت واقفة"، يشير الكاتب والناقد المصري غالي شكري إلى زيارة وزير الإعلام المصري إلى بيروت في أيار/ مايو 1975: "قالها عامر بصراحة كاملة للدكتور أبو المجد حين اجتمع مع الصحافيين المصريين: ليس بيني وبين مصر ما يمنعني من العودة، لست سياسياً يتعاطى الصحافة، بل أنا صحافي أولاً وأخيراً. ومن هذه الزاوية لا أستطيع أن أعمل من خلال صالح جودت ورعاية مصطفى وعلي أمين، وفي عهد إبراهيم الورداني".

والأسماء ــ التي ينسب المقال إلى عامر ذكرها ــ تنتمي إلى اليمين العائد بقوة إلى الصحافة والثقافة في مصر بعد حرب 1973، والشاعر والصحافي جودت، ممن أمسكوا بالسلطة داخل المؤسسة الصحافية والثقافية بمصر السبعينيات، وصحف: "المصور"، و"دار الهلال" تحديداً، حيث كان مقر عمل الشهيد.

فهل أراد عامر، ومن بعده شكري، لفت الانتباه إلى قسوة قتل السلطة الصحافي مهنياً ومعنوياً وتجويعه وإذلاله باستخدام قفازات الزملاء؟ ألا يزال هذا الأسلوب معتمَداً في مجتمعاتنا العربية إلى اليوم، ومن بينها مصر؟ أينما تهيمن السلطة على معظم المجال الثقافي والصحافي، يحدث تدميرٌ ذاتيٌّ بحرمان المجتمع من الكفاءات والطاقات.

تحولات معتقل المحاريق بالصحراء

في دراسة بالإنجليزية أمدني بها الصديق عالم الاجتماع الياباني إيجي ناجاساوا - وله إسهامات بحثية منذ الثمانينيات عن مثقفي مصر وشيوعييها، من جيل عامر الذي ينتمي إلى الحلقة الثانية من الحركة الشيوعية المصرية، الممتدة من نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين إلى حل المنظمات في 1964 والانخراط في الاتحاد الاشتراكي - نبّه إلى ريادة عامر في استلهام نظرية نمط الإنتاج الآسيوي والاستبداد الشرقي والمجتمعات النهرية المركزية وتطبيقها على مصر وتاريخها، وذلك في كتابه " الأرض والفلاح: المسألة الزراعية في مصر" الصادر في القاهرة 1958.

ينقل ناجاساوا في دراسته هذه "رسائل من الصحراء: ذكريات مصطفى طِيبة" ما سمعه من اليساريين المصريين إبراهيم فتحي، وكتبه خليل كلفت من أن كتاب عامر "كان يُمثِّل نظرة تاريخية متفردة خارج بقية الأدبيات الماركسية في العالم العربي، وأيضاً التاريخ الاجتماعي لمصر".

باستثناء تحريره "موسوعة الهلال الاشتراكية"، الصادرة عن دار الصحيفة من القاهرة 1970، يلاحظ بمناسبة خمسينية استشهاده كونه توقف عن نشر كتب مؤلفة تتضمن تطوير إسهاماته النظرية والبحثية بعد خروجه من المعتقل 1964، ولم أعثر بمكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت إلا على كتاب وحيد صدر بعنوان " صراع الحيتان الكبيرة على الجزيرة الصغيرة: قبرص فلسطين أخرى؟ "، فلماذا؟

الملف رقم 237

في كانون الأول 1953، قبلت نقابة الصحافيين المصريين قيد وعضوية إبراهيم عامر، أي عشية الالتحاق بجريدة ثورة الضباط الأحرار، "الجمهورية"، مباشرة.

وعندما راجعتُ ملفه في أرشيف النقابة المصرية، رقم 237، لاحظتُ ما خطه بيده بقلم حبر أسود عند التقدم بطلب الالتحاق بها، تعريفاً بسنوات عمل صحافي قبل تسع سنوات، بدأها في جريدة "السياسة" بين عامي 1944 و1948 مترجماً في قسم الأخبار الخارجية، ثم في جريدة "المصري" إلى حين التقدم إلى النقابة.

ألحّت مقارنات مع صحافيين مصريين شباب لجأوا إلى بيروت بعد صيف 2013، معظمهم أمضى سنوات في المحابس، والمحظوظ من بينهم ملاحَق - ولو بالمنع من النشر والحصار والاختناق و"الموت المهني" والتجويع، وبأشباح الخوف من الأسوأ في الشوارع وداخل البيوت، وعند الدخول والخروج من مطار القاهرة.

إجادة عامر للإنجليزية والفرنسية، بينما توقفت مسيرته الدراسية بعد الحصول على البكالوريا/ الثانوية العامة، كما يشير ملفه في نقابة الصحافيين، تكشف عن جلَد وقدرات استثنائية على التعلم ذاتيّاً. وفي هذا قال الفنان حلمي التوني، عندما زرته في مستشفى يعالَج بها في القاهرة آذار/ مارس 2024 قبل وفاته، إن عامر أخبره يوماً كيف كان يحفظ قواميس اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ويُدمن الاستماع إلى الإذاعات باللغتين الإنجليزية والفرنسية. كما كتب عامر بخط يده في ملف النقابة: "من أكتوبر 1948 ـ أغسطس 1950: مراسل جريدة "المصري" في الهند وجنوب آسيا ـ معيَّن بإذاعة الهند العربية في نيودلهي ـ محرر بمجلة "ثقافة الهند" في دلهي". ومن جانبه أشار ناجاساوا في دراسته نقلاً عما استمع إليه من إبراهيم فتحي، أن فكرة نمط الإنتاج الآسيوي ربما وصلت إلى عامر عندما عمل في الهند.

بيروت غير ما كانت

خلال زيارتين إلى لبنان بين 2023 و2026، تتبعت سيرة الشهيد إبراهيم عامر وصحافيين مصريين آخرين، جاءوا للعمل في صحف بيروت خلال الحرب الأهلية وما قبلها بسنوات.

ألحت مقارنات مع صحافيين مصريين شباب لجأوا إلى بيروت بعد صيف 2013، معظمهم أمضى سنوات في المحابس، والمحظوظ من بينهم ملاحَق - ولو بالمنع من النشر والحصار والاختناق و"الموت المهني" والتجويع، وبأشباح الخوف من الأسوأ في الشوارع وداخل البيوت، وعند الدخول والخروج من مطار القاهرة.

لذا أفترض أن اختلاف أحوال بيروت وصحافتها بعد الغزو والشراء البترودولاري الخليجي، وبالأخص السعودي، للكيانات والنخب، وكذا ظهور إيران آيات الله منذ 1979 كقطب منافس مناوئ لآل سعود في لبنان والمنطقة، وانفراد إسلاميي حزب الله بالمقاومة، جعل من بيروت بالنسبة إلى شباب الصحافة المصرية القرن الحادي والعشرين مجرد "صالة ترانزيت"، إلى حين قبول اللجوء إلى دول أوروبية وكندا.

إذاً ألم تعد بيروت اليوم ما كانت بين الستينيات ونهاية الحرب الأهلية 1990، فكيف هي مع صحافيي مصر الهاربين من جحيم بعد صيف 2013؟ ولو كانوا من غير الإسلاميين ونقّاداً للإخوان، أو مستقلين بلا انتماء فكري أو سياسي محدد.

***

تأملات جالت في فكري، وأنا أتحرك في شوارع بيروت في آذار/ مارس 2024، حتى بلغت وجهتي، حي الشياح، واهتديت بصعوبة إلى ما اعتقدت أنه المربَّع الذي كانت تقع فيه مكاتب جريدتي "بيروت" و"المحرر" 1976، وشهد إصابة إبراهيم عامر المميتة. سألتُ غير شخص من سكان الحي وأصحاب المحلات، وبخاصة من كبار السن، لكن لم أعثر على أي أثر لهما، أو بالأدق تلقيتُ معلومات متضاربة، ممن قالوا إنهم يعرفون ويتذكرون، و"كأن من كثرة ما مرّ ويمر بنا، أصبحنا بلا ذاكرة".

مقالات من مصر

السيدة التي استنطقت الجينات

كانت سامية التمتامي أول سيدة عربية تتخصص فى الجينات البشرية وقراءة الكروموسومات، فتفك شفراتها، وتنتقل بعدها من مرحلة التشخيص إلى إرساء مراحل الوقاية والعلاج في المنطقة العربية. وكان قرار العودة...