من "الحق في العلاج" إلى ''سوق المرض''.. كيف تتشكّل الخصخصة الصامتة للصحة في المغرب؟

لا تُختزل القضية في أزمة قطاع، بل في تحوُّل صامت داخل العقد الاجتماعي نفسه. أيِّ دولة هذه التي تُعلن الحق في العلاج، بينما تترك السوق يحدد سرعة الوصول إليه؟ وأي معنى يبقى لمفهوم "الدولة الاجتماعية" حين يصبح المرض نفسه مساحة تُفاوض فيها الأسر بين الحق والقدرة؟
2026-01-29

خولة اجعيفري

صحافية من المغرب


شارك
اكتظاظ ونقص في الإمكانيات في أحد المستشفيات العمومية في المغرب

لم يعد المرض في المغرب واقعة بيولوجية طارئة بقدر ما صار مساراً اجتماعياً طويلاً، تُقاس مراحله بالقدرة على التحمّل، وبما إذا كان الجسد قادراً على الانتظار. في المستشفيات العمومية، حيث تتكدس الأجساد في قاعات المستعجلات، وتطول آجال المواعيد، يواجه المرضى الألم مقترناً بزمن مفتوح على التأجيل، وعدم اليقين، والبحث القلـِق عن بدائل. وفي هذا الفراغ بين الحاجة الطبية والاستجابة العمومية، يتشكّل خيار يبدو في ظاهره فردياً، لكنّه في جوهره مفروض، هو اللجوء إلى القطاع الخاص.

لا يحدث هذا التحول عبر إعلان سياسي صريح، ولا عبر تجاوز مباشِر للمرافق العمومية، بل من خلال مسار بطيء ومتراكم يمكن تسميته بـ"الخصخصة الصامتة" للصحة، وهي خصخصة تُمارَس يومياً عبر تآكل العرض العمومي وضغط الموارد البشرية وطول الانتظار، مقابل توسّع متواصل للعرض الخاص، الذي يتحوّل تدريجياً من بديل اختياري إلى مزوِّد شبه إلزامي للرعاية.

الاختلال

تكشف المعطيات المتاحة عن اختلال بنيوي في تمويل الصحة وتقديم خدماتها. فخلال السنوات الأخيرة، بات الإنفاق الخاص يتجاوز الإنفاق العمومي، فيما ما تزال الأسر تتحمّل جزءاً كبيراً من كلفة العلاج مباشَرة من جيوبها، في بلد يُفترض أن يضمن فيه الدستور الحق في الصحة. يُترجَم هذا الاختلال في الأرقام كما في التجربة اليومية للمواطنين. فالفحص الذي يتأخر أشهراً في المستشفى العمومي يمكن إنجازه في أيام داخل عيادة خاصة مقابل كلفة لا يقدِْر عليها الجميع. وهنا لا يكون المال وسيلة لتحسين الراحة، بل أداة لاختصار الزمن، وربما لإنقاذ الحياة.

في الوقت نفسه تتسع الهوة داخل المنظومة نفسها. فالمستشفى العمومي، المثْقَل بنقص الأطر الطبية والتمريضية والتجهيزات، يفقد تدريجياً قدرته على الاحتفاظ بموارده البشرية في ظلّ هجرة متواصلة للأطباء والممرضين نحو القطاع الخاص أو خارج البلاد. فمع كلّ مغادرة، يزداد الضغط على من تبقى وتزداد هشاشة الخدمة، في حلقة تُغذّي ذاتها. من هنا، فضعف العمومي يدفع المرضى إلى الخاص، وتنامي الخاص يُقدَّم كدليل إضافي على "عجز" العمومي.

السؤال الأهم من "حجم الكعكة" هو "من يدفع ثمنها"؟ إذ إنّ ما يقارب 58 في المئة من مجموع الإنفاق الصحي يتمّ عبر القطاع الخاص، بينما لا تتجاوز حصّة الإنفاق العمومي حوالي 42 في المئة. 

في هذا السياق، لا تعود الخصخصة مجرد خيار اقتصادي أو تقنية تدبيرية، بل تتحول إلى واقع اجتماعي يعيد تعريف معنى المرض ذاته، فالتشخيص المبكر والعلاج في الوقت المناسب والوقاية من المضاعَفات كلها عناصر باتت مرتبطة بشكل متزايد بالموقع الاجتماعي والقدرة المادية. هكذا، يصبح المرض تجربة طبقية بامتياز، لا يتساوى فيها الجميع أمام الألم، ولا أمام فرص الشفاء.

من هشاشة العمومي إلى تغوّل السوق

الخصخصة في المغرب ليست قراراً سياسياً مُعلَناً، ولا هي تحوّل فُجائي حاد، بل تشكّلت ببطء كطبقة تتراكم فوق طبقة، إلى أن تعيد بناء المعنى نفسه - معنى المرض، ومعنى الحق في العلاج، ومعنى حضور الدولة في حياة مواطنيها، حين يكون الجسد هشّاً ويحتاج إلى حماية. فخلف خطاب يُعلِن توسيع الحماية الاجتماعية وتعميم التغطية الصحية، يتشكّل واقع آخر أكثر تعقيداً، وهو واقع تُجبَر فيه الأسر تدريجياً على تحمّل أكلاف العلاج، إمّا عبر الدفع المباشر أو عبر الدفع بوسيلة أخرى قد تكون أكثر قسوة: الانتظار.

تكشف بنية التمويل الصحي أول خيط من خيوط هذا التحوّل. فالإنفاق الصحي في المغرب خلال السنوات الأخيرة تراوح بين 5.5 و6 في المئة من الناتج الداخلي الخام، وهو رقم لا يبدو كارثياً في ذاته، لكنّه يظلّ دون مستويات الإنفاق الصحي في الأنظمة التي نجحت فعلاً في بناء منظومات قادرة على تعميم العلاج وتقديم خدمات ذات جودة.

غير أن السؤال الأهم من "حجم الكعكة" هو "من يدفع ثمنها"؟ إذ إنّ ما يقارب 58 في المئة من مجموع الإنفاق الصحي يتمّ عبر القطاع الخاص، بينما لا تتجاوز حصّة الإنفاق العمومي حوالي 42 في المئة. هذا يعني أن السوق، وليس الدولة، بات الفاعل الأقوى في تمويل قطاع الصحة، وهذا بحدّ ذاته إعلانٌ صامت عن انتقال مركز الثقل من منظومة الحقّ إلى منظومة القدرة.

في قلب هذه المعادلة توجد الأسر. صحيح أن المغرب وسَّع التغطية الصحية، وأن نسب المستفيدين اليوم تقارب 85–90 في المئة من السكان نظرياً، إلا أن هذا لم يُترجَم إلى حماية مالية حقيقية. فما تزال الأسر تدفع مباشرة من جيوبها حوالي 38 في المئة من مجموع كلفة الصحة، وهي نسبة مرتفعة جداً مقارنة بما تعتبره منظمة الصحة العالمية حداً مقبولاً للحماية (حوالي 25 في المئة). بمعنى آخر، يبقى المرض، حتى وإنْ ضمنَ إطار "مُؤمَّن"، عبئاً مالياً ثقيلاً على الأسر، بينما تتآكل فكرة "الحق في العلاج"، إذ تُترك العائلات وحدها في مواجهة الفاتورة.

بات السوق، وليس الدولة، الفاعل الأقوى في تمويل قطاع الصحة، وهذا بحدّ ذاته إعلانٌ صامت عن انتقال مركز الثقل من منظومة الحقّ إلى منظومة القدرة.

الخصخصة لم تكن "قراراً" اختارته الدولة يوماً، بل "مساراً" يتقدم دونَ أن يتمّ الإعلان عنه. بلا خطاب، لكنها أكثر تأثيراً من أي خطاب، لأنها تُمارَس يومياً عبر نقص التمويل العمومي، وارتفاع العبء المالي على الأسر، وهشاشة الموارد البشرية، وتحوّل الزمن الصحي إلى سلعة تُشترى.  

لكن الفاتورة ليست مالية دائماً. أحياناً، يدفع المرضى وعائلاتهم بالوقت. هنا يظهر وجه آخر للخصخصة الصامتة، ويتحول العلاج إلى مفاوضة مع الزمن، لا مع الطبّ فقط. فمواعيد الفحوصات تمتد لأشهر، والعمليات ''غير المستعجلة'' تُؤجَّل إلى أن يصبح استعجالها ضرورياً بفعل التأخير ذاته، والمتابعة الطبية للأمراض المزمنة تتعثر بسبب نقص الأطباء والممرضين.

وفي الجهة الأخرى من المنظومة، يعرض القطاع الخاص الخدمة نفسها في أيام بدل أشهر، لكن بثمن قد يتجاوز دخل أسرة بأكملها. هكذا يُصبح الزمن نفسه سلعة مَن يملك المال، يشتري وقت انتظار أقصر، وفرصة نجاةٍ أكبر. أمّا مَن لا يملك المال، فينتظر، ومع الانتظار تزداد احتمالات المضاعفات.

ويفاقم النقص في الموارد البشرية هذا المسار، فالمغرب يتوفر على معدل لا يتجاوز 7-8 أطباء لكل 10 آلاف نسمة، بينما تُوصي المعايير الصحية العالمية بما يقارب 15-20 طبيباً للفئة نفسها.

ويُقدَّر الخصاص (العجز أو النقص) الإجمالي في الأطر الصحية بأكثر من 30 ألف إطار، بين أطباء وممرضين وتقنيين. لا تبقى هذه الأرقام حبيسة التقارير، بل تتحوّل إلى ضغط يومي داخل المستشفيات العمومية، من خلال أقسام مكتظة، وتعبٍ مهني مزمن، وإحساس لدى جزء من الأطباء بأنهم يمارسون الطبّ على الرغم من النظام لا بفضله.

لهذا، لا تكون مغادرة الأطباء إلى القطاع الخاص أو الهجرة إلى الخارج قراراً فردياً معزولاً، بل حلقة داخل سلسلة. فمع خروج كلّ طبيب، يَضعف القطاع العمومي ويقوى الخاص، وتتعمّق صورة مفادها أن "العلاج الجيد" يوجد حيث توجد القدرة على الدفع.

تُترجم الخريطة الصحية هذا التحوّل بوضوح. ففي المدن الكبرى يتوسّع القطاع الخاص بوتيرة سريعة، بأكثر من 450 مصحّة ومؤسسة خاصة، مقابل حوالي 160 إلى 180 مستشفى عمومياً فقط.

هذا التفاوت العددي لا يعني أن الدولة غير موجودة، لكنّه يعني أنها لم تعد صاحبة اليد العليا، ولا المرجع الوحيد. مع هذا الاختلال، تتشكل أيضاً لامساواة ترابية (لامساواة مناطقية أو جهوية)، عبر مدن تتوفّر على مصحّات ومراكز تشخيص متقدمة وهوامش واسعة تعيش على إيقاع نقص الأطباء، وانعدام بعض التخصصات، وصعوبات الوصول إلى خدمات متقدمة.

ليست الفاتورة مالية دائماً. أحياناً، يدفع المرضى وعائلاتهم بالوقت. هنا يظهر وجه آخر للخصخصة الصامتة، ويتحول العلاج إلى مفاوضة مع الزمن، لا مع الطبّ فقط، فمواعيد الفحوصات تمتد لأشهر، العمليات ''غير المستعجلة'' تُؤجّل إلى أن يصبح استعجالها ضرورياً بفعل التأخير ذاته، والمتابعة الطبية للأمراض المزمنة تتعثر بسبب نقص الأطباء والممرضين. 

حين تُقرَأ كلّ هذه العناصر معاً، يمكن استنتاج أن الخصخصة لم تكن "قراراً" اختارته الدولة يوماً، بل "مساراً" يتقدم دونَ أن يتمّ الإعلان عنه. بلا خطاب، لكنها أكثر تأثيراً من أي خطاب، لأنها تُمارَس يومياً عبر نقص التمويل العمومي، وارتفاع العبء المالي على الأسر، وهشاشة الموارد البشرية، وتحوّل الزمن الصحي إلى سلعة تُشترى.

لا ينتج عن ذلك نظام صحي مزدوج فقط، بل مجتمع غير متكافئ صحّياً، إذ ليست كلّ الأجساد متساوية أمام العلاج، ولا كل الأمراض تُعالَج بالمنطق نفسه، ولا كل المواطنين يملكون القدرة نفسها على مواجهة الألم.

أيّ مريضٍ له فرصة التشخيص المبكر، وأيّ مريض يُكتشف مرضه متأخراً؟ من يقطع المسافة بين البيت والعيادة في دقائق، ومَن يحتاج إلى السفر ساعات؟ من يملك الحماية المالية ليطرق باب القطاع الخاص، ومن يواجه احتمال الانزلاق إلى الفقر لمجرّد إصابة صحية طويلة الأمد؟

بهذا المعنى، لا تُختزل القضية في أزمة قطاع، بل في تحوُّل صامت داخل العقد الاجتماعي نفسه. أيِّ دولة هذه التي تُعلن الحق في العلاج، بينما تترك السوق يحدد سرعة الوصول إليه؟ وأي معنى يبقى لمفهوم "الدولة الاجتماعية" حين يصبح المرض نفسه مساحة تُفَاوض فيها الأسر بين الحق والقدرة؟

اللامساواة الصحية… حين يمرّ الجسد عبر مصفاة الطبقة والمجال

إذا كانت أرقام التمويل والموارد البشرية تُظهِر أن المنظومة الصحية تميل شيئاً فشيئاً نحو السوق، فإن الطريقة التي يُقسَّم بها المرض على الأجساد تُظهر الوجه الأكثر قسوة لهذا الميل واللامساواة الصحية.

فالمسألة لم تعدْ تتعلق فقط بسؤال: هل يوجد مستشفى، أو لا يوجد؟ بل بسؤال أكثر تركيباً: أيّ مريضٍ له فرصة التشخيص المبكر، وأيّ مريض يُكتَشف مرضه متأخراً؟ من يقطع المسافة بين البيت والعيادة في دقائق، ومَن يحتاج إلى السفر ساعات؟ من يملك الحماية المالية ليطرق باب القطاع الخاص، ومن يواجه احتمال الانزلاق إلى الفقر لمجرّد إصابة صحية طويلة الأمد؟

حدث التوسيع الكبير للتغطية الصحية في سياق لم يكن فيه الاستثمار في البنية العمومية بالوتيرة نفسها، فتوسّعت الحقوق على الورق بشكل سريع، بينما ظلّت القدرة الفعلية على تقديم الخدمة تتطور ببطء شديد.

في خلفية هذا التحوّل، تقف رؤية محدَّدة لدور الدولة، دولة "منظِّم" أكثر منها دولة "مزوِّد مباشر"، تُفضّل إدارة المنظومة بصفتها نصاً قانونياً وهيكلاً إدارياً ومخططاً للحوكمة، بدل العمل على تحويل القطاع العمومي إلى ركيزة قوية يمكن الاعتماد عليها كخدمة عامة أساسية. 

في المدن الكبرى، حيث يتجاور المستشفى العمومي والمصحّة الخاصة في أحياء واحدة، يبدو المشهد متناقضاً، لكنّه منسجم مع منطق السوق في الجهة الأولى: ممرات مكتظة، أطباء يُديرون عشرات الملفات في اليوم الواحد، أسَر تبحث عن سرير أو عن موعد في أقرب فرصة. في الجهة الثانية: بنايات حديثة، مواعيد مضبوطة، غرف أقل اكتظاظاً، وأوقات انتظار أقصر.

لا يتعلق الفرق هنا فقط بمستوى التجهيز أو عدد الأطباء، بل بطبيعة العقد غير المكتوب بين المريض والمؤسسة في العمومي. يدفع المواطن مسبقاً جزءاً من حقّه عبر الضرائب، لكنّه يتلقى خدمة مشروطة بالندرة. في الخاص، يَدفع ثمناً مباشراً مقابل الخدمة، لكن شرط الولوج هو القدرة المالية، لا الحاجة الطبية. وهكذا، تصبح المدينة نفسها مقسومة إلى فضاء لمن يستطيع الدفع، وفضاء لمن ينتظر دوره في طابور طويل.

على هامش هذه المدن، وفي المناطق القروية والنائية، تتخذ اللامساواة شكلاً آخر، أكثر صمتاً. هناك، لا يكون الخيار بين مستشفى عمومي مكتظ ومصحة خاصة قريبة، بل بين مستوصف محدود التجهيز وبين رحلات طويلة نحو أقرب مركز حَضري يتوفر على طبيب مختصّ، أو على خدمة استشفائية أساسية.

يتكرر المشهد في مئات القرى حيث طريق ترابية، سيارة نقل جماعي أو إسعاف محلي يعاني هو نفسه من قلّة الموارد، نساء حوامل يُنقلن في ظروف صعبة نحو مستشفى إقليمي يبعد عشرات الكيلومترات، مرضى مزمنون يقطعون المسافة نفسها بانتظام لمجرد الحصول على دواء أو فحص دوري... هنا، تتحول الجغرافيا إلى عامل صحّي حاسم، لا يقل وزناً عن الطبقة الاجتماعية. فالمسافة نفسها تصبح جزءاً من عوامل المرض.

وتبدو هذه الفوارق أكثر حدة عندما يتعلق الأمر بـ"الأمراض المزمنة"، كالسكري، ارتفاع الضغط، أمراض القلب، والسرطان… هذه الأمراض لا تعالّج في زيارة واحدة، بل في مسارٍ طويل يتطلب متابعةً دوريّة، تحاليل، أدوية مستمرة، وربما مواعيد مع مختصّين، أو تنقلاً إلى مراكز استشفائية جامعية.

في هذا المسار، يجد جزءٌ من المرضى، خصوصاً في الطبقات الوسطى وما دونها، أنفسهم بين خيارين: الاستمرار في العمومي مع قبول بطء المتابعة، أو تقسيم المسار بين عمومي وخاص، بما يعنيه ذلك من تكاليف إضافية. كثيراً ما ينتهي الأمر بطريقة هجينة، فيقوم المريض بعمل تحليلات في مختبر خاص لتفادي الانتظار، ويتابع الاستشاراة في العمومي، لأنها مجانية أو أقل كلفة، ويشتري دواء من الصيدلية بمال الأسرة، لأن المخزون العمومي نفدَ أو تأخّر وصوله. بهذه الطريقة الهجينة القسرية، تتآكل فكرة وجود منظومة واحدة متماسكة، وتتشكل بدلاً منها شبكة فردية من الحلول المؤقتة.

هنا بالضبط يظهر كيف أنّ "الحق في العلاج" لم يعد ضمانة جماعية، بل أصبح مجموعاً حسابياً بين ما يستطيع النظام توفيره وما يستطيع الفرد تعويضه من جيبه. فالمواطن صاحب الدخل المحدود الذي يمرض في مدينة كبيرة، ليس في الوضع نفسه الذي يعيشه مواطِن آخر من الطبقة الميسورة في المدينة ذاتها، على الرغم مشاركة الاثنين في الانتماء إلى النظام الصحي نفسه على الورق.

كذلك المواطِن الذي يسكن قرية بعيدة عن المراكز الحضرية، ليس في وضع من يقيم قرب مستشفى جامعي، حتى وإن كانا يتمتعان من حيث المبدأ بالتغطية الصحية ذاتها. بهذا المعنى، فاللامساواة لا تُخلَق خارج المنظومة، بل هي وليدة طريقة عمل المنظومة في الواقع، من توزيع الموارد، ومن شكل الاستثمار، ومن ترتيب الأولويات.

إلى جانب الطبقة والمجال، هناك بعد ثالث غالباً ما يبقى في الظلّ، وهو اللامساواة في القدرة على التفاوض مع المنظومة، إذ ليس كلّ المرضى قادرين على فهم المسارات الإدارية، أو على متابعة ملفاتهم، أو على طرق أبواب الجمعيات والوساطات. أمّا الأسَر الأكثر تعليماً، والأقرب إلى الفضاءات الإدارية، والأقدر على استعمال أدوات الشكوى والاحتجاج، فتملك فرصة أكبر لتسريع مسار العلاج، أو على الأقل لتفادي بعض العقبات، بينما تجد الأسر الأقل تعليماً، والأكثر هشاشة، نفسها أمام نظام معقّد لا تملك مفاتيحه.

تضيف المعرفة إلى المال بُعداً جديدا للامساواة: مَن يعرف كيف يتحدّث مع الطبيب، كيف يطالب بحقه، كيف يقرأ ورقة التحاليل، وكيف يملأ استمارة الضمان الاجتماعي، لا يعيش المرض بالطريقة نفسها التي يعيشها من يفتقر إلى هذه الأدوات.

تصبح الخصخصة الصامتة إعادة هندسة غير معلَنة لمسار المرض داخل المجتمع، فالأجساد لا تمرّ بالطريقة نفسها عبر النظام الصحي. في الطريق إلى العلاج، تَرسم الطبقة والمجال والمعرفة خرائط مختلفة تماماً.

الدولة بين خطاب الحماية الاجتماعية وواقع الانسحاب الهادئ

على المستوى الرسمي، المملكة المغربية تتحدث منذ سنوات عن ورشة وطنية ضخمة للحماية الاجتماعية، وعن توسيع التغطية الصحية لتشمل أغلب المواطنين تقريباً، وعن إصلاح للمنظومة يضع "العدالة الصحية" في قلب الأجندة العمومية. من هذا المنظور، تبدو الصورة واضحة ومطمئِنة، فهناك إرادة سياسية، وهناك قوانين تُعدّل، وأنظمة تُدمج، وفئات جديدة تُستوعب في شبكة الضمان الصحي.

لكن ما يحدث داخل المنظومة لا يُقرأ فقط من خطابات الإصلاح، بل من شكل هذا الإصلاح نفسه - كيف بُني؟ وبأي فلسفة؟ وعلى حساب ماذا؟ فالتوسيع الكبير للتغطية الصحية، خصوصاً بعد تحويل فئات واسعة من نظام المساعدة الطبية "راميد" إلى تغطية تأمينية، حدث في سياق لم يكن فيه الاستثمار في البنية العمومية بالوتيرة نفسها، فتوسّعت الحقوق على الورق بشكل سريع، بينما ظلّت القدرة الفعلية على تقديم الخدمة تتطور ببطء شديد.

هكذا ظهر خلل جديد، ليس في مبدأ الحق نفسه، بل في وسائل ضمانه، وأصبحت الدولة تقول لمواطنيها إنهم "مُغطّون صحياً"، في حين أنّ المنظومة التي يُفترض أن تستقبلهم لم تُعزَّز بالقدر الكافي في عدد الأطباء وتجهيز المستشفيات وإعادة تأهيل وحدات قديمة أو بناء أخرى قادرة على امتصاص الضغط.

بهذا المعنى، لم يكن توسع التغطية الصحية بلا ثمن. لقد دُفع الثمن بطريقة غير مباشرة، في اتجاه تحميل العبء للتنظيم بدل الخدمة، وأصبح الهدف المعلَن هو تعميم الاستفادة على مستوى القانون، بينما تُترك مسألة الكفاءة العملية لآليات "التكيّف"، عبر تأجيل المواعيد، تحويل المرضى بين المؤسسات، إرسالهم نحو القطاع الخاص حين تتعثر الخدمة في العمومي، أو ببساطة تحميل الأسرة عبء البحث عن حلّ. وبهذا الشكل، يتحوّل الإصلاح نفسه إلى قناة تغذِّي الخصخصة، كلما اتسعت دائرة المستفيدين دون توسيع موازٍ للعرض العمومي، ازداد الضغط، وكلما ازداد الضغط، تَمدّد الخاص ليملأ الفراغ.

في خلفية هذا التحوّل، تقف رؤية محدَّدة لدور الدولة، دولة "منظِّم" أكثر منها دولة "مزوِّد مباشر"، تُفضّل إدارة المنظومة بصفتها نصاً قانونياً وهيكلاً إدارياً ومخططاً للحوكمة، بدل العمل على تحويل القطاع العمومي إلى ركيزة قوية يمكن الاعتماد عليها كخدمة عامة أساسية. لا تُطرح الخصخصة هنا كشعار، بل كمنطق تدبيري، حين يُقدَّم القطاع الخاص على أنه "شريك" و"مكمِّل" و"مساحة ضرورية للتخفيف عن العمومي"، فإن هذا التكامل لا يتحقّق على قاعدة قوة الطرفين، بل غالباً على قاعدة ضعف أحدهما وتوسّع الآخر.

لماذا لا يستطيع القطاع العمومي الاحتفاظ بكفاءاته الصحية؟ وما معنى الإصلاح إذا كانت إحدى نتائجه "العادية" هي فقدان رأسماله البشري؟

يتقاطع هذا مع سياسة أخرى لا تُناقَش عمومياً بما يكفي، وهي الشراكات بين القطاعين العام والخاص في الصحة، فهي تُقدَّم عادة بوصفها آلية حديثة لمواجهة محدودية الميزانية وتسريع الاستثمار، وتُدخِل منطقاً آخر إلى المنظومة، هو منطق الكلفة والعائد. كما أنّ المشكلة ليست في الشراكة في حدّ ذاتها، بل في غياب نقاش اجتماعي صريح حول حدودها وحول السؤال الأساسي: إلى أي مدى يمكن أن تتوسع دون أن تتحول إلى باب إضافي لتقدُّم السوق على حساب الوظيفة العمومية للصحة؟ حين تُسنَد خدمات أساسية أو أجزاء من المسار العلاجي إلى فاعلين خاصّين، يتحوّل جزء من "الحق" إلى "عقد"، وتتحوّل علاقة المريض بالدولة إلى علاقة غير مباشرة، تُدار عبر وسيط تحكمه قواعد القدرة الاقتصادية بقدر ما تحكمه القواعد الصحية.

ثم هناك عنصر آخر، غالباً ما يُستحضر رقمياً فقط، لكنّه في الواقع سياسي بامتياز، هو نزيف الكفاءات الصحية. حين يغادر الأطباء والممرضون المستشفى العمومي سواء نحو الخارج أو نحو القطاع الخاص الداخلي، فإنهم يتركون سؤالاً سياسياً معلّقاً: لماذا لا يستطيع القطاع العمومي الاحتفاظ بهم؟ وما معنى الإصلاح إذا كانت إحدى نتائجه "العادية" هي فقدان رأسماله البشري؟ بدل أن يكون هذا السؤال في قلب النقاش العام، يُختزل غالبا في لغة تقنية - أجور، تحفيزات، موارد بشرية... لكنّ الحقيقة أعمق. إنها مسألة ثقة مهنية في المنظومة نفسها، في قدرتها على خلق شروط عمل تجعل من ممارسة الطب داخل العمومي خياراً مهنياً ذا معنى، لا مجرد مرحلة مؤقتة قبل الرحيل.

في نهاية الأمر، تكشف طريقة اتخاذ القرار الصحي في المغرب عن شيء أبعد من مسألة كفاءة أو سوء تدبير. إنها تكشف عن فلسفة ضمنية لإدارة المجتمع عبر الحدّ الأدنى الممكن، أي منح الحق قانونياً، دون ضمان فعلي لممارسته، وتقديم خطاب اجتماعي قوي، دون توفُّر الأدوات التي تجعله واقعاً متكافئاً. في هذا الوضع، يتقدّم السوق لا لأنه انتُخِب سياسياً، بل لأنه يصبح عملياً الجهة القادرة على امتصاص ما لا يستطيع العمومي تحمّله.

بهذا المعنى، لا يمكن اختزال الخصخصة الصامتة في نتيجتها فقط، أي دفع المواطنين نحو القطاع الخاص، بل ينبغي فهمها كمنظومة كاملة من القرارات ومن الخطابات، ومن الصمت أيضاً. إنها ليست خواء الدولة، بل إعادة تعريفٍ صامتة لوظيفتها، من كفيلة بحقّ الصحة إلى منظِّم لمجال تُترك فيه الرعاية لتتشكّل وفق إمكانيات الأفراد.

مقالات من المغرب

سيون أسيدون.. "الجسر بين العوالِم"

2025-11-13

إن كان موت سيون أسيدون غامضاً، فلأنّ حياته كانت شديدة الوضوح. ما من نعي أو رثاء تناول حياته من رفاق النضال، شباباً وشيباً، إلا وكان شهادةً في رجلٍ "مُلهِم". تتكرر...

للكاتب/ة

انفلات التضخم والغلاء في المغرب..

أجمعت المسيرات الاحتجاجية على أن الحكومة الحالية التي يرأسها رجل الأعمال الأغنى بالبلاد بعد الملك، تغض الطرف عن لوبيات الاحتكار، وتتلكأ في معالجة ارتفاع أسعار المحروقات، خاصة وأن حلول شهر...