ينتمي ميخائيل أوفتشينيكوف إلى الرعيل الأول من المعلمين الروس الذين خدموا في المؤسسات التربوية التابعة للجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية، في فلسطين. نشر سلسلة مقالات في "بيسكوفسكي غورودسكوي ليستوك" (نشرة مدينة بيسكوف)، وهي صحيفة إقليمية روسية صغيرة، بين عامي 1893 و1895. صدرت هذه الصحيفة الأدبية والسياسية والاجتماعية مرتين في الشهر، وكانت مهمتها الرئيسة تغطية أخبار المدينة ونشر الإعلانات. رأت إدارة الصحيفة أن تخصص صفحات لنشر مواد أدبية كعنصر جذب للقراء، فأتت رسائل أوفتشينيكوف في هذا السياق، حيث نُشرت مقالاته في الصحيفة لمدة عام ونصف العام. وصل العدد الإجمالي لأعداد الصحيفة التي نشرت فيها الرسائل إلى ثلاثة وعشرين وتصدّر العنوان الجامع "رسائل من فلسطين" معظم المقالات. كانت هوية الكاتب واضحة بالنسبة إلى القارئ: معلّم روسي يعمل بعيداً عن وطنه في بيئة ثقافية غريبة. والوطن بالنسبة إلى الكاتب هو مسقط رأسه أي مدينة فيليكي لوكي حيناً، أو مدينة بيسكوف حيناً آخر، إلا أنه عرّف عن نفسه بأنه معلم أرثوذكسي من رعايا الإمبراطورية الروسية.
في الاتحاد الروسي الحديث، اختفت مقالات أوفتشينيكوف. وهذا طبيعي إلى حد ما، فشأنها شأن المواد المكتوبة المنتجة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، أُهملت في الحقبة السوفياتية ولم تُطبع من جديد. وكانت سياسة النشر السوفياتية انتقائية على أساس أيديولوجي، وحذرة في التعامل مع المواد ذات الأبعاد الدينية. وهذه المواد المكتوبة اليوم، بغض النظر عن أهميتها الأنثروبولوجية والإثنوغرافية وعن كونها وثيقة حيّة صادرة عن شاهد عيان، ينحصر الاهتمام بها بعدد قليل جداً من الباحثين المتخصصين في الدراسات الشرقية من جهة، وفي ما يُسمّى بـ"فلسطين الروسية" من جهة أخرى.
"رسائل أوفتشينيكوف" ليست رسائل موجهة إلى أشخاص محددين، بل مقالات يكتبها لتنشر في الصحيفة، وعنوان "رسائل" يعود إلى أحد أنواع المقالات الذي كان مستخدماً في روسيا القيصرية، هدفه رفع الكلفة بينه وبين القارئ. وأكثر من نصف الرسائل يرتبط بالجليل: الناصرة وضواحيها، والرامة، وحيفا، وجبل طابور، وكفر قنا، ونحو خمسة عشر بالمئة بالقدس ويافا. كما أن نحو ثلثها يتعلق برحلته إلى الديار المصرية.
تضمنت هذه المقالات جملة من الملحوظات المهمّة حول الناس الذين تحدث عنهم، من عرب فلسطين، والحجاج الروس والألمان واليونانيين والإنكليز، والفلاحين المصريين. كما تتميز الرسائل بانشغال كاتبها بقضايا اجتماعية واقتصادية متنوعة، منها الزراعة وشبكات السكك الحديدية في فلسطين، والعلاقات الاجتماعية، والتعليم. يصف بشغف الطبيعة والرحلات إلى أماكن محددة مستعرضاً جانباً من تاريخها. ويذكر وقائع شيقة عن مدن الجليل وقراه والقدس ويافا والقسطنطينية وأثينا والإسكندرية والقاهرة.
أكثر من نصف رسائل أوفتشينيكوف يرتبط بالجليل: الناصرة وضواحيها، والرامة، وحيفا، وجبل طابور، وكفر قنا، ونحو خمسة عشر بالمئة بالقدس ويافا. كما أن نحو ثلثها يتعلق برحلته إلى الديار المصرية.
وتتخطى مقالات أوفتشينيكوف وصف الأحداث التي جرت معه والأشخاص الذين قابلهم، إلى محاولاته الخوض في التحليل الاقتصادي-الاجتماعي، مما يرفع من قيمة نصوصه. ومن ذلك التحليل الزراعي والمناخي الدقيق، حيث يصف بدقة تأثير تأخر الأمطار على دورة الزراعة والرعي. ويدرج ملحوظات عن معاناة الماشية بسبب نقص العشب، وضعف الثيران المستخدمة في الحراثة، ما يقوده إلى محاولة فهم هشاشة الاقتصاد الزراعي في فلسطين العثمانية، الذي يعتمد كلياً على مواسم الأمطار. ويقارن بسهولة بين الحراثة في فلسطين وشمال روسيا، ما يكشف عن معرفته بالزراعة في وطنه.
كما يخوض الكاتب في النقد الاجتماعي-الاقتصادي بجرأة، متناولاً أوضاع الفلاح الفلسطيني، الذي يبقى فقيراً معدماً بغض النظر عن المحصول، بسبب الديون والمحتكرين وملتزمي الضرائب، كاشفاً عن فهمٍ عميق لآليات الاستغلال في النظام الاقتصادي العثماني. ويقوده ذلك، بشكل غير مباشر، إلى نقد الأوضاع في بلاده، عند ذكره أزمة القمح الروسية (1891-1892) والمجاعة، وتدهور الأسعار.
ننتقي مقالين من مقالات أوفتشينيكوف، تكمن أهميتهما في أنهما لصيقين بالمهمّة التي أداها في بلادنا وهي التعليم. نشر المقال الأول في العدد 35 من "نشرة مدينة بيسكوف" تحت عنوان "رسائل من فلسطين – الرسالة الثامنة"، ووقع بـ "م. أفوتشيننيكوف. الناصرة، 4 آذار/ مارس 1894".
****
البنون بين المنزل والشارع والمدرسة
أيها القارئ، هل تحب الأطفال؟ أعتقد أنك تحبهم، ولذلك سأحدثك في هذه الرسالة عن الأطفال العرب. هذه المخلوقات الصغيرة تستحق أن نتحدث عنها. فاستمع.
إن ما يدهش أي مسافر يزور مدينة فلسطينية، هو العدد الكبير من الأطفال العرب في الشارع، خاصة عند المساء، عندما تقفل جميع المدارس أبوابها. العرق السامي بشكل عام خصب بالأطفال، والشارع بالنسبة للطفل العربي هو البيئة التي يتربى فيها، ويصبح فيما بعد سيّدها. الشارع يجذب الأطفال بشكل كبير، ولأجله يتغيب التلاميذ عن المدرسة وعن أداء المهمات الأخرى الموكلة إليهم. يمكن تسمية جميع الأطفال، وخاصة الصبيان من دون استثناء، بـ "أولاد الشارع". بمجرد أن يبدأ الصبي الصغير في تحريك رجليه بنفسه، يزحف إلى الشارع وحده مع قطعة خبز. ولا تمنع الأمهات، اللواتي يحببن الصبيان بشدة ويدللنهم، من ذلك. هنا تبدأ المعرفة. يراقب الصبيّ الصغير باهتمام ما يفعله الكبار وينصت إلى أقوالهم، ويبدأ في تقليدهم. لدى الصبي الصغير أصدقاء بالطبع، لكن أعداءَه أكثر بكثير. الكبار يبحثون عن طريقة لقرص أذنه، ويختارونه موضوعاً لنكاتهم والكلاب تطمع في خبزه. يجب عليه أن يدافع عن نفسه. يقلّد الآخرين، يراهم الصغير، وبدون تفكير طويل، يلتقط حجراً ويرميه نحو المعتدي سواء أكان المعتدي كلباً أم إنساناً. يتعلم الصغير هذه الطريقة المبكرة في الدفاع عن النفس وتعلمه الشجاعة، وينتقل غالباً من موقف دفاعي إلى هجومي، ويبدأ الطفل الأكثر جرأة في مطالبة الآخرين بطاعته، والخضوع لنزواته، وإلا فالجزاء سريع، إذ سيرميهم بالحجر نفسه، أو بأي شيء يقع تحت يده.
ما أدهشني على نحو خاص، هو شكوى الأمهات بأنهن لا يستطعن السيطرة على أطفالهن الصبيان الذين تتراوح أعمارهم بين الرابعة والخامسة، وأن الأخيرين يرمونهنّ بأحذيتهم. لا أعلم، ربما الحب القوي، الحيواني البحت تجاه الصغير، لا يسمح للأم بمعاقبة الصبي المشاكس، لكن ما ينتج عن ذلك هو إفساده بالكامل، وهذا مؤكد. الأب، ربّ العائلة، وحده مصدر الرعب، وهو الذي يعاقب الأولاد على الفوضى، لكنه نادراً ما يرى أطفاله. وهكذا، في ذلك الوقت القصير الذي يأتي فيه الأطفال إلى المنزل لأخذ الخبز، يدخلون في صراع مع الأم، ثم يهربون مرة أخرى إلى الشارع. هناك فضاء متسع، وشتى أنواع الألعاب. تتشكل مجموعات الصبيان، تتعادى وتتشاجر بعنف فيما بينها... إذا صادف حشد من الأولاد سائحاً مثيراً للاهتمام يرافقونه باحتفال.
يمكن الاستنتاج أن الرغبة في التعليم المتوسط قليلة. لكن جميع المسلمين يسعون إلى تعلم قراءة القرآن والكتابة. في كل قرية يجب على الشيخ (إمام المسجد) تعليم الأطفال القراءة وحفظ القرآن. تُنظم العملية التعليمية في المسجد أحياناً، وغالباً ببساطة تحت ظل شجرة ما، وهي عبارة عن تلقين بأصوات عالية.
عندما تتجول في ليلة مقمرة يمكنك أن ترى منظراً مثيراً للاهتمام: ترى حشداً كبيراً من الصبيان بقيادة زعيمهم، يجولون في أزقة المدينة وتصدح حناجرهم بأغانٍ. يبدأ المغني الأول ويجيبه الباقون. وإذا ما كانت الليلة مظلمة، فإن الأولاد يصنعون مشاعل من خرَق منقوعة في الكاز (الكيروسين). يبدو موكب المشاعل أكثر غرابة، ويغدو المشهد أكثر بدائية. تُقام مثل هذه الجولات في المدينة للمتعة فقط. لكنني لاحظت أنها غالباً ما تكون في الخريف، عندما يحلّ موسم الأمطار، أو في الربيع، قبل موجة الأمطار الثانية. أحدهم فسّر لي هذه الجولات بأن الأولاد يسيرون ويغنّون ويطلبون المطر من الله.
في المؤسسات التعليمية
بالنسبة للتعليم، في الظاهر، تبدو الظروف سيئة في تركيا لأن الحكومة لا تهتم تقريباً بمدارس للمسيحيين. لكن الظروف ليست سيئة إلى هذا الحد عن قرب، فلدى المسيحيين مدارسهم الخاصة، التي يديرها رجال الدين اليونانيون. وفي الآونة الأخيرة، وقع العديد من المسيحيين الأرثوذكس تحت إغراءات العطايا التي يقدمها الكاثوليك والبروتستانت، عندما نسجت الكاثوليكية والبروتستانتية عشيهما في فلسطين الأرثوذكسية الأصيلة، فظهرت المدرسة الأوروبية، التي تركت المدارس اليونانية بعيداً خلفها وتفوقت على المدارس المسلمة "الكتاتيب". عندها، ظهرت "الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية" لمساعدة السكان الأرثوذكس، الذين أثرت دعاية اللاتين والبروتستانت بهم بشكل رئيس. أنشأت الجمعية مدارسها لأطفال الأرثوذكس في المقام الأول، على الرغم من أنها لا تتردد في قبول الأطفال من ديانات أخرى. اليوم، عمل الجمعية جديد نسبياً، فقد دخل العقد الثاني فقط، لكن المدارس، بحمد الله، تزدهر.
لكن أولاً، سأتحدث عن المدرسة المسلمة، التي تقف على أدنى درجة من متطلبات التربية الحديثة. تركيا لديها مدارسها المتوسطة وحتى العليا، التي تطورت خاصة في عهد السلطان الحالي عبد الحميد، راعي العلم. حتى في الناصرة المحروسة من الله، منذ عام، وبالأموال التي تبرع بها جلالة السلطان، افتتحت مدرسة ثانوية في مبنى جميل، بُني خصيصاً لهذا الغرض. لكن لا يمكن القول إن هذه الثانوية تزدهر، إذ يبدو أن فيها حالياً 10 تلاميذ فقط. من هذا يمكنك أن تستنتج أن الرغبة في التعليم المتوسط قليلة. لكن جميع المسلمين يسعون إلى تعلم قراءة القرآن والكتابة. في كل قرية يجب على الشيخ (إمام المسجد) تعليم الأطفال القراءة وحفظ القرآن. تُنظم العملية التعليمية في المسجد أحياناً، وغالباً ببساطة تحت ظل شجرة ما، وهي عبارة عن تلقين بأصوات عالية.

سأرسم لك صورة لمدرسة مسلمة شاهدتها. كان الأمر على أنقاض السامرة القديمة، حيث تقع الآن قرية سبسطية الصغيرة. في سبسطية يوجد قبر يحيى المعمدان، وكان الصليبيون قد بنوا كنيسة فوق القبر تحولت أنقاضها الآن إلى مسجد مسلم. أثناء تفحص الأنقاض، جذبت اهتمامي مدرسة تقع في رواق المسجد. كان المعلم جالساً على الأرض، واضعاً رجليه تحته، وأمامه طاولة منخفضة ذات محبرة (امتياز للرجل العالِم). بجانب المعلم، كوب شراب يحتسيه بانتظام، وأداة التعليم الضرورية، أي العصا. لم تكن عصا بالمعنى الحرفي للكلمة بل ملعقة خشبية طويلة اليد. حول المعلم، على مسافات مختلفة منه، تجلس مجموعة من الأطفال، يكررون ما حفظوا من القرآن باجتهاد، وكلّ منهم يحاول أن يصرخ أعلى من الآخر. إذا لاحظ المعلم أن الضجيج خفت في مجموعة ما، يصرخ عليهم بنفسه، وتبدأ أصوات الأطفال من جديد بالاستظهار، مع تأرجح الجسم للأمام والخلف (قيل لي إنّ هذا يفعله قارؤو القرآن لمحاكاة المسافرين إلى مكة، الذين يتمايلون رغماً عنهم فوق الجمال). حدث أن المعلم طلب مثول أحد الأولاد المشاكسين أمامه ليعاقبه، فاقترب المجرم الصغير من معلّمه بوجه شوهه الخوف، وركع أمامه وهو يعرض راحتي كفيه أمامه كي يضربهما بالملعقة الخشبية. بعد تلقيه عدة ضربات على يديه، أدار الصبي ظهره لمعذبه وتلقى المزيد من الضربات على رجليه. وإذا ما أعلن أحد التلاميذ أنه حفظ درسه، يدعوه المعلم إليه ليسمّع، ثم يعطيه درساً جديداً. هكذا، يجب حفظ القرآن كله، وهو كتاب ضخم لا أعرف عدد صفحاته. تتمثل حكمة المدرسة بدراسة القرآن. لكن تعلم القرآن ليس بالأمر السهل أبداً، وليس من المستغرب أن يُقام احتفال كبير للبطل الذي أدرك هذه الحكمة وحفظ القرآن. يركب الصبي صهوة حصان، ويرافقه جميع تلاميذ المدرسة وأقاربه وهم يرددون الأغاني على وقع قرع الطبول وإطلاق النار، ويسير الجميع هكذا عبر المدينة كلها إلى المسجد.
مدارس الروم
أما بالنسبة للمدارس المسيحية، ففي الماضي كان جميع السكان المسيحيين أرثوذكسيين، وكان اليونانيون (الروم) هم المتنورون الرئيسيون في البلاد، لكن اليونانيين الآسيويين [ربما يقصد الروم الأرثوذكسيين في المشرق[1]] ليسوا كاليونانيين القدماء، الذين كان تعليم الشباب لديهم عالياً لدرجة أننا حتى الآن مستعدون أن ننحني له إجلالاً. المدرسة اليونانية في شكلها الحالي لا تبتعد كثيراً عن مدرستنا الروسية قبل عدة عقود. إليك كيف وصف شاب في التاسعة عشرة من عمره، ينهي دراسته في مدرستنا الداخلية هذا العام، مدرسته السابقة.
يقول: "مدرستنا كانت عبارة عن غرفة صغيرة مظلمة، تتسرب المياه إليها بلا رحمة في الشتاء. لم تكن فيها طاولات دراسية، ولا أي وسائل تعليمية على الإطلاق. المعلم قليل المعرفة، يعرف القراءة والكتابة بشكل متواضع فقط، بالإضافة إلى ذلك كان فقيراً. كانت رواتب المطرانية اليونانية، التي كانت تدير المدرسة، تصل بشكل غير منتظم. لذا كان على كل تلميذ يقصد المدرسة أن يحمل معه للمعلم رغيف خبز، وإلا فكانت أم المعلم تطرده من المدرسة. والمعلم يدرّسنا، بطريقة الهجاء القديمة وعندما يتمكن عدد من التلاميذ أخيراً من القراءة (ليس الجميع بالطبع)، يبدؤون في قراءة الكتب المدرسية. التعليم لم يكن مشتركاً، بل لكل تلميذ درسه الخاص، الذي كان عليه أن يحفظه عن ظهر قلب ثم يستظهره للمعلم. وكان هناك نوع من المنافسة: من يتفوق على من. للتحفيز، كان المعلم يحمل في يده عصا طويلة، يمكنه وهو جالس في مكانه، أن يصل بها إلى كل تلميذ ليضربه بها. الضجيج الناتج من التلقين كان لا يُحتمل. وكان يزداد كلّما أتى مفتش أو أتانا زوّار.
يقول أحد الطلّاب: "المدرسة اليونانية على حالها حتى اليوم تقريباً، تعتمد على التلقين وعلى العصا للعقاب. يهرب التلاميذ من مثل هذه المدرسة، ويضعون في أعينهم، على سبيل المثال، اللبن الرائب، متمارِضين كيلا يُرسلهم ذووهم إلى المدرسة".
عدد المدارس التي يديرها الأوروبيون مدهش بالفعل. ناهيك عن مراكز مثل بيروت، افتتحت فيها كليّتان أميركية ولاتينية (يقصد أوفتشينيكوف الكلية السورية البروتستانتية أي الجامعة أميركية في بيروت حالياً، والكلية اليسوعية أي جامعة القديس يوسف حالياً)، والقدس مع العديد من المدارس المهنية..
المدرسة اليونانية على حالها حتى اليوم تقريباً، تعتمد على التلقين وعلى العصا للعقاب. يهرب التلاميذ من مثل هذه المدرسة، ويضعون في أعينهم، على سبيل المثال، اللبن الرائب، متمارِضين كيلا يُرسلهم ذووهم إلى المدرسة. مدة الدراسة نحو عشر سنوات، وهي عذاب بكلّ ما تحمله هذه الكلمة من معنى. إذا أخذنا في الاعتبار أن الأطفال يُحضرون إلى المدرسة في سن الرابعة، فإن جذر التعليم مُرٌّ حقاً، وثماره ليست حلوة أبداً. في مدة عشر سنوات في روسيا يمكن للتلميذ الحصول على تعليم متوسط. أما هنا، فيتعلّمون القراءة والكتابة فقط... ولكن، مع ذلك نقول الحمد لله على كلّ حال، فالمدرسة اليونانية قامت بعملها، إذ إنّ نسبة المتعلمين في فلسطين أكبر بكثير منها في روسيا".
الإرساليات
في الوقت الحاضر، تتنازل المدرسة المسيحية اليونانية وتترك مكانها للمدرسة الأوروبية. عدد المدارس التي يديرها الأوروبيون مدهش بالفعل. ناهيك عن مراكز مثل بيروت، افتتحت فيها كليّتان أميركية ولاتينية [الكلية السورية البروتستانتية أي الجامعة أميركية في بيروت حالياً، والكلية اليسوعية أي جامعة القديس يوسف حالياً]، والقدس مع العديد من المدارس المهنية. حتى في الناصرة، لا أستطيع أن أحصي عدد المدارس المسيحية. توجد في هذه البلدة الصغيرة ثلاث مؤسسات داخلية: مدرستنا الداخلية التابعة للجمعية الفلسطينية للذكور، والمدرسة الداخلية البروتستانتية الإنكليزية للإناث، والمدرسة الداخلية الكاثوليكية للإناث لدى ما يسمى بـ"أخوات الناصرة". من المدارس الابتدائية للذكور يمكن الإشارة إلى المدرسة الابتدائية للجمعية الفلسطينية، ومدرسة دير الفرنسيسكان اللاتيني، ومدرسة اليسوعيين، ومدرستين أو ثلاث مدارس بروتستانتية.
المدارس الابتدائية للإناث أكثر، ويمكنني إحصاء مدرسة للجمعية الفلسطينية، والمدرسة الداخلية الإنكليزية، ومدرسة أخوات الناصرة، والعديد من المدارس البروتستانتية الصغيرة، المنتشرة في جميع أنحاء المدينة، حتى لا تضطر الصغيرات للسير لمسافات طويلة. العدد مثير للإعجاب، حتى إذا شككنا في جودة هذه المدارس. ماذا نقول عن الجودة؟ أعرف شيئاً واحداً فقط، أن المدارس الروسية لديها أهداف إنسانية، ومنها مساعدة الإخوة الأصغر [يقصد الأرثوذكس خارج روسيا] ودعم الأرثوذكسية المتدهورة. أما بالنسبة للمدارس الأخرى، فإنها تخدم كأداة للدعاية الكاثوليكية والبروتستانتية المتنوعة. وبالتالي تحاول بكل الطرق جذب التلاميذ إليها، وتعمل وفقًا لشعار: "الغاية تبرر الوسيلة". العدد الكبير من المدارس مع قلة السكان أمرٌ سيء أيضاً، فهو يعلم الأطفال وأهلهم عدم تقدير المدرسة، فإذا لم تعجبهم مدرسة، يذهبون إلى أخرى. مثل هذا التنقل يضرّ بنجاح العملية التعليمية. وفي النهاية، إنْ كان على العرب أن يشكروا الأوروبيين على شيء، ففي المقام الأول ينبغي شكرهم على المدارس.
عن تربية البنات، سأحدثكم في الرسالة المقبلة.
****
أوفتشينيكوف ورسالته
لا يُخفي أوفتشينيكوف أنه "جندي" يقاتل على عدة جبهات منها الجبهة التربوية، نصرة لمشروعه الروسي الذي يراه الأكثر إنسانية وخدمة للسكان المحليين، في مواجهة منافسة غربية (بروتستانتية وكاثوليكية) شرسة. بطبيعة الحال، هو ليس مجرد مراقب، بل يرى نفسه مناضلاً تربوياً يقدم رسالته كوثيقة تصوّر بأمانة أحوال التربية والتعليم في فلسطين العثمانية. يقدم عبرها تحليلاً طبقياً لأنماط التنشئة (الشارع مقابل المدرسة)، ونقداً مقارناً للنماذج التعليمية (الإسلامي، اليوناني الأرثوذكسي التقليدي، الأوروبي الحديث)، ورصداً للصراع على النفوذ بين القوى الأوروبية عبر المدارس.
خارج إطار إسقاطاته الاستشراقية التابعة لمدرسة الاستشراق القيصرية المتأثرة بالمدرسة الغربية، وكذلك خارج إطار مهمته في نصرة المشروع الإمبراطوري الروسي الذي لم يُكتب له النجاح في بلادنا، تكشف الرسالة عن جوانب إثنولوجية تربوية وعن عمق ملاحظة الكاتب وتحليله في موضوع تنشئة الطفل والتعليم في المجتمع الفلسطيني العثماني. ومما يسجّل له ملامسته علم اجتماع الطفولة عند وصفه "أولاد الشارع"، وهو تحليل أنثروبولوجي مبكر، حيث يلاحظ أن الشارع هو "الفضاء الاجتماعي الأساسي للتنشئة"، ففيه يتعلم الطفل الدفاع عن نفسه، ويبني التحالفات والعداوات، وينغمس في الصراعات المحلية مبكراً. كما تكشف ملاحظته عن عدم طاعة الأطفال الذكور للأمهات في سنّ مبكرة عن فجوة في التربية، وغياب السلطة الأبوية الفعالة، مما يخلق، من وجهة نظره، "فساداً كاملاً". كما يُسجَّل له وصفه مواكب الأطفال في الليالي المقمرة أو بالمشاعل استسقاءً للمطر، الذي يأتي ضمن الممارسات الشعبية الدينية التي يكون أبطالها الأطفال، وتُستخدم لخدمة احتياجات مجتمعية (الاستسقاء).
يرى أوفتشينيكوف نفسه مناضلاً تربوياً، يقدّم رسالته كوثيقة تصوّر بأمانة أحوال التربية والتعليم في فلسطين العثمانية. يقدم عبرها تحليلاً طبقياً لأنماط التنشئة، ونقداً مقارناً للنماذج التعليمية، ورصداً للصراع على النفوذ بين القوى الأوروبية عبر المدارس.
أهمّ ما في كتاباته هو تحليله للمشهد التعليمي في الناصرة كساحة حرب استعمارية ثقافية. يُعدّد أوفتشينيكوف المدارس المختلفة، ثم يكيل اتهامه للمدارس الغربية بأنها "أداة دعاية" تعمل وفق مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، ويكشف عن المنافسة الشرسة على عقول السكان المحليين وأرواحهم.
في ميدانه الشخصي، يُظهر أوفتشينيكوف نفسه في أفضل حالاته كـ"مُصلح تربوي" ينتقد المدرسة المسلمة (الكتّاب) بقسوة بناء على مشاهداتها في قرية سبسطية في الديار النابلسية، وينتقد العقاب الجسدي (الضرب بالملعقة الخشبية)، ويصوّر الاحتفال بحفظ الصبيّ للقرآن كاملاً (الغاية النهائية من التعلم)، ولعلّه شاهد ذلك في الناصرة. يعتبر هذه المدرسة نظاماً متخلّفاً وغير فعال، على النقيض من النموذج الأوروبي - الروسي الذي يؤمن به. ويكتفي بذكر المدرسة الحميدية في الناصرة، ولا يطلّ على نظيرتيها في القدس أو نابلس مثلاً. كما يكتفي بشهادة أحد طلاب معهد الناصرة للإطلالة على أحوال المدرسة اليونانية الأرثوذكسية، التي ليست أفضل حالاً من مدرسة المسجد. لكنّه يعترف بأن "نسبة المتعلمين في فلسطين أكبر بكثير منها في روسيا" ما يُظهر أن لديه "وعياً متناقضاً"، أي الاعتراف بمشكلة روسيا الداخلية على الرغم من دفاعه المستميت عن مشروعها الخارجي.
يبقى أن الأهم هو تحليله للمشهد التعليمي في الناصرة كساحة حرب استعمارية ثقافية. فهو يعدد المدارس المختلفة، ثم يكيل اتهامه للمدارس الغربية بأنها "أداة دعاية" تعمل وفق مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، ويكشف عن المنافسة الشرسة على عقول السكان المحليين وأرواحهم. ثم يقدّم مدارس جمعيته كبديل "إنساني" ونزيه، هدفه "مساعدة الإخوة الأصغر" وبالتالي الحؤول دون تحويلهم إلى تابعين للغرب. أي بتعبير آخر، هي حرب بالوكالة عبر التعليم. لكنه في المحصلة، وعلى الرغم من تحيزه الواضح لصالح مشروعه، فإن إيمانه بقوة التعليم كأداة للتحضر وتقديره أن العرب "سيشكرون الأوروبيين على المدارس"، يُظهر إيماناً تنويرياً بالتقدم عبر العلم كقيمة عالمية، وهذا يتجاوز المنافسة الطائفية إلى حدٍّ ما.
- الإضافات بين [قوسين معقوفين] هي ملاحظات من الكاتب. ↑






