قرية سودانية تضيء شمعة الأمل

توجت قرية ود بلال (166 كيلومتر جنوب الخرطوم) جهد عقد من الزمن: فبعدما أنشأت شركة للاستثمار والتنمية الريفية، حملة أسهمها هم كل أهل القرية، مكنتها مشروعاتها من توفير شروط حياة لائقة لكل السكان
2017-01-19

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
الصادق عجينة - السودان

مؤخراً، دفعت الأزمات السياسية والاقتصادية التي يعاني منها السودان إلى دعوات للعصيان المدني لمواجهة خطل السياسات الحكومية التي ألقت بثقلها على حياة الناس. إلا أن قرية صغيرة في أواسط السودان تضيء شمعة تفاؤل من أنه يمكن مواجهة الواقع الصعب بالإمكانيات الذاتية. وأن ذلك ممكن عبر التكاتف، لاستغلال الموارد البشرية والطبيعية في القرية، لتحقيق نتائج ملموسة، وبالاستناد إلى رؤية واضحة تضع الانسان نصب أعينها.
مطلع هذا العام توج جهد عقد من الزمان بذلته قرية ود بلال التي تقع جنوب الخرطوم بحوالي 166 كيلومتراً، والتي أنشأت "شركة ود بلال للاستثمار والتنمية الريفية" التي يحمل أسهمها كل سكان القرية. نجحت القرية في أن تصبح الأولى في السودان التي توفر تغطية صحية شاملة عبر تحمل الاشتراكات الشهرية لكل ساكنيها من خلال أسرهم البالغ عددها 270 أسرة، إضافة إلى 15 أسرة أخرى لنازحين من خارج القرية. والتأمين السنوي لكلّ أسرة هو 360 جنيها. كما تقدم الشركة مبلغ 500 جنيه دعما شهرياً الى أفقر مئة أسرة، وتجري المشاورات لزيادة هذا المبلغ مع ارتفاع عائدات الشركة من مشروعاتها في تسمين الماشية والدجاج وبعض الخدمات مثل محطة الوقود وغيرها.

الأسبوع الماضي شكّل منعطفاً في مسيرة القرية التي زارها نائب رئيس الجمهورية مفتتحاً توسعة مشروع تسمين الماشية الذي وصلت طاقته الى ثلاثة آلاف عجل، وأعلن عن دعمه للمشروع والالتزام بمضاعفة الحظائر لتتسع لستة آلاف عجل، وتقديم تسهيلات لشراء الخلاطات التي تقوم بأعداد العلف للعجول والتبرع بجرارين كبيرين لسحب خلاطات العلف، وان رئاسة الجمهورية سترعى هذا المشروع ليكون نموذجاً يمكن تعميمه في مختلف أنحاء السودان.

 

 

 

ودعا نائب الرئيس الشركة للنظر في إقامة مشروع لإنتاج الألبان، والبدء بخمسمئة بقرة، وتوزيع إنتاجها في المدن المجاورة وعاصمة الولاية، لأنه ليس مقبولاً اللجوء إلى لبن البودرة المستورد بينما في الإمكان الحصول على الحليب الطازج محلياً.

 

حجر الأساس

 

مشروع التسمين هذا يعتبر حجر الأساس لتنمية القرية، وهو بدأ شراكة مع بنك الخرطوم الذي وفر التمويل في صيغة مبتكرة اقترحتها الشركة وحصلت على جائرة "الخدمات المصرفية المبنية على أسس أخلاقية" من وكالة رويترز الإخبارية وبنك أبو ظبي الإسلامي. وهذه الشراكة متناقصة إذ ستتراجع حصة بنك الحرطوم لصالح حملة الاسهم من أهل القرية الذين ستتصاعد حصتهم حتى يتملكوا المشروع بالكامل.

 

بدأت هذه التجربة من أسفل وتمكنت بمثابرتها عبر عقد من الزمن، واجهت فيه مختلف العقبات، ومن بينها إجراءات حكومية بيروقراطية، من الصمود وتحقيق قدر من النجاح غير القابل للتجاهل

 

نصيب القرية من الجائزة عبارة عن 50 ألف دولار، كانت الفكرة الأولية تخصيصها للإسهام في بناء مدرسة ثانوية نموذجية. لكن تبلور اتجاه رأى أنّه من الأفضل تعزيز الوضع الاقتصادي للقرية، وبالتالي استثمار المبلغ في شكل أسهم لصالح الشركة التي ستديرها لتحقيق أرباح عليها واستغلالها فيما بعد في بناء المدرسة. فبعد تجربة المرحلة الأولى من مشروع تسمين العجول بطاقة ألف عجل، اتّضح أنّ التكلفة الأساسية عالية ويمكن توسيع طاقة الحظائر إلى ثلاثة آلاف بدون إضافة تكلفة رأسمالية كبيرة. ولهذا تقرر المضي قدما في مشروع التوسعة واستغلال مبلغ الخمسين ألف دولار فيه.  
المشروع فتح الباب أمام أنشطة أخرى، إمّا خاصة بالكامل لأبناء القرية أو بشراكة مع شركة ود بلال. فمثلا هناك مشروع حظائر للدجاج اللاحم والبيّاض مفتوحة ومغلقة مملوكة ملكية خاصة كلياً أو جزئياً، ومسلخ تملك الشركة الأسهم الكبيرة فيه، ويقدم خدماته للقرى المجاورة كذلك، ويوفر الدجاج للمستهلكين بصورة صحّيّة مع وجود ثلاجة وعربة توزيع. وكانت أولى خطوات الشركة شراء الأراضي غير المملوكة وتصل مساحتها إلى 67 فدانا، وأوّل خطوة استثمارية اتخذت هي إقامة محطّة وقود لتوفير البنزين وغاز الطبخ ليكون في متناول أهل القرية بدلاً من الذهاب إلى المدن المجاورة للحصول على الإمدادات اللازمة.
وعلى هذه الأراضي التي تملكتها الشركة، بدأ بناء حظائر تسمين العجول التي طرحت في عطاء فازت به شركة تتبع أحد أبناء القرية، وقام بتنفيذ المشروع بكلفة أقلّ كثيراً من منافسيه الآخرين. وعند هذا بدأ التفكير جدياً في الانتقال إلى مرحلة نوعية وتصدير اللّحوم مذبوحة بدلا من تصدير الحيوانات حية، مما يعود بدخل إضافي ويفتح الباب أمام صناعات أو خدمات جديدة كاستغلال جلود العجول. وبدأت بعض الاتصالات لفتح أسواق خارجية في بلدان مثل ماليزيا وتركيا ومصر تحتاج الى هذا النوع من اللحوم. أحد عناصر هذا التوجه الجديد توفير ثلاجة ضخمة. وبالفعل تم الاتّفاق على إحضار ثلّاجة بإمكانيّة تبريد تصل إلى 400 درجة لصالح المسلخ، يتوقع أن تصل الشهر المقبل.

 

مشاورات شعبية

 

ظل نشاط الشركة معتمداً إلى حدٍّ كبير على المبادرات التي يقوم بها أهل القرية في مختلف المجالات وبدون الحصول على أجر غالبا، كما أنّها تعتمد أسلوب المشاورات المفتوحة عقب صلاة الجمعة مع أهل القرية واستغلال المسجد الذي تمت توسعته وتجديده، وطرح بعض القضايا في تلك اللقاءات عبر مختلف اللجان التي تتولى الشؤون التعليمية والصحية والاستثمارية، ثم يتولى مجلس الإدارة فيما بعد اتّخاذ القرارات اللازمة كما حدث مع فكرة تأجيل مشروع المدرسة واستثمار مبلغ الخمسين ألف دولار للحصول على مزيد من العائدات. على أن الفكرة هي تطوير صيغة هذه المشاورات الشعبية المفتوحة  بصورة مؤسسية ليكون هناك اجتماع شهري في شكل جمعية عمومية يتم خلالها عرض ما تم انجازه خلال الشهر المنصرم ومناقشة ما هو مطروح للعمل في الشهر المقبل، وسيقوم أحد أبناء القرية بالاشراف على هذا الجانب التنظيمي، الأمر الذي يؤسس لقاعدة من الشفافية والمساءلة والمشاركة في اتخاذ القرارات على المستوى الشعبي.  

 

تقرر تطوير صيغة هذه المشاورات الشعبية المفتوحة  بصورة مؤسسية ليكون هناك اجتماع شهري لجمعية عمومية يتم خلالها عرض ما تم انجازه خلال الشهر المنصرم ومناقشة ما هو مطروح للعمل في الشهر المقبل..

 

النقطة الأساسية في تجربة قرية ود بلال أنها نتاج رؤية انطلقت من أبناء القرية أنفسهم الموجودين في القرية أو خارجها، أو حتى خارج السودان، وظلّوا على تواصل فيما بينهم، مستفيدين من الخبرات المتراكمة لأبنائها  في كيفية استغلال الموارد الطبيعية الموجودة في القرية لصالحها وصالح المناطق المجاورة.
فمشروع المدرسة النموذجية مثلاً يقوم على استعادة فكرة المدارس المتكاملة التي يعيش فيها الطالب كلّ يومه فتوفر له الرعاية الصحية والغذائية إلى جانب الاشراف التعليمي والرياضي والثقافي. والفكرة أن تخصص مقاعد الدراسة لأبناء القرية والأوائل من أبناء ولاية "الجزيرة" التي توجد فيها ود بلال، وذلك بأمل تحقيق مستوى أكاديمي عالٍ يفتح فرصاً أخرى مستقبلاً عبر نافذة المعرفة.
النقطة الثانية أنّ هذه التجربة بدأت من أسفل وتمكنت بمثابرتها عبر عقد من الزمن، واجهت فيه مختلف العقبات، ومن بينها إجراءات حكومية بيروقراطية، من الصمود وتحقيق قدر من النجاح غير القابل للتجاهل ما جذب إليها رئاسة الجمهورية نفسها.
دخل السودان، عبر تاريخه المستمر لواحدٍ وستين عاماً كدولة مستقلة، في مختلف التجارب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكنّ كلّ تلك التجارب ظلت فوقية تفرضها الحكومات، بدون قدرة على التواصل والاستمرار لفترة طويلة، وكانت محصلة نتائجها متواضعة إن لم تكن بائسة بما يتعلق بتوفير الخدمات الأساسية وبعض المشروعات التنمويّة لصالح المواطنين، مع كلفة عالية ومردود ضعيف.
وهذا ما يعيد طرح وضعيّة أجهزة الدولة على المحكّ. وإذا كان من الأفضل أن تركّز على حفظ الأمن ووضع السياسات العامة، والتسهيل أمام المجتمع عبر أفراده ومؤسساته وهيئاته المختلفة ليتولّى مسائل توفير الخدمات والمشروعات التنموية وإدارة شؤونه الحياتية.

مقالات من السودان

السودان: هل تهدد "الجيوش المتعددة" الفترة الانتقالية؟

يواجه السودان تحديات متنوعة ومخاطر كبيرة تحيط بالفترة الانتقالية التي فرضتها الثورة العارمة، بعدما اطاحت بالبشير وعقدت تسوية مع العسكر، قوامها تقاسم السلطة والتمهيد لمدنية الحكم ولاجراء انتخابات عامة خلال...

للكاتب نفسه

"خذلان" أمريكي لثورة السودان

تفحص لأسباب "تجاهل" واشنطن للسودان الجديد الذي نجحت ثورته الشعبية السلمية في فرض المرحلة الانتقالية بعد الاطاحة بالبشير، وهي التسوية السياسية التي توصلت لها مع تكتل العسكريين المتبقي من النظام...