"ظاهرة" نزع الحجاب في مصر

هي "التاء المربوطة"، وتاريخ ما تم فرضه عليها من وصاية باسم الدين والعرف والسائد بما يتعلق بكافة أمورها، بدايةً من ملبسها وحتى أفكارها.. لقرار زواجها وانفصالها وحتى اختيار مكان الدفن بعد الموت
2016-12-21

منى سليم

صحافية من مصر


شارك
ليلى الشوّا - فلسطين

"إنا نتضرع إليكم باسم الشرف الوطني والحرمة الدينية أن تتركوا تلك البقية الباقية من نساء الأمة آمنات مطمئنات في بيوتهن، ولا تزعجوهن بأحلامكم وآمالكم، فكل جرح من جروح الأمة له دواء إلا الشرف". كلمات جاءت على لسان الكاتب المصري المعروف "مصطفى لطفي المنفلوطي" في مجموعته القصصية "العبرات" بقصة اختار لها اسم "الحجاب". لم تكن قصة بقدر ما هي خطبة لاذعة يوجهها لـ "قاسم أمين"، رائد حركة تحرير المرأة في مصر في أوائل عشرينيات القرن الماضي. والسطور السابقة هي بعضٌ مما نال "قاسم" بسبب ندائه بخلع المرأة المصرية للبرقع عن وجهها، والتحرر بالعلم وعدم القبول بالحياة من خلف "حجاب".
عقود مرت. هل تغيرت الصورة كثيراً؟ هل أصبح ما دفعه قاسم وغيره من نساء ورجال في سبيل حق الدفاع عن أفكار مختلفة وجريئة أمراً مثمناً؟ غالباً الإجابة هي بـ "لا". لم يتحرك المجتمع بعيداً إلا خطوات قليلة متذبذبة، فما زالت كلمة "حجاب" حاضرة للدفع إلى الكثير من الجدل والاختلاف داخل المجتمع المصري، وما زال الثمن الذي تدفعه الفتاة التي تقرر أن تسير عكس التيار دفاعاً عن حقها الشخصي في اختيار هيئتها هو من أشد الأثمان وطأة، بينما على الجانب الآخر ينازع المجتمع بشراسة شديدة من أجل الحفاظ على ما يراه صحيحاً عادلاً ومستقراً.

 

"ظاهرة" خلع الحجاب

 

يشير الكثيرون إلى أنّ هناك ظاهرة آخذة في الاتساع بالحياة المصرية هذه الأيام، وهي إقبال كثير من الفتيات بشكل فردي على "خلع الحجاب"، وهو ما يحدث بالفعل من دون التوقف للتدقيق المطلوب بكلمة "ظاهرة". وكما هو معتاد مع كل موجة تغيير، تخرج النظريات العامة الخطابية سريعاً محاوِلةً تفسير ما ترى، أكثر مما تتوقف لسماع أصحاب الشأن، بل وقد تذهب لتطويع ما ترى بناء على الاتجاهات السياسية المتصارعة. لذا فليس غريباً أن تسمع أنّ ما يحدث هو لوثة فكرية نتيجة الخلل الذي يعيشه المجتمع المصري بعد نزع حكم جماعة الإخوان المسلمين منه،ً مما خلق حالة هلع من "التدين"، أو ادعاء سطحي بوجود توجه سياسي رسمي لتجديد الخطاب الديني.. وغيرها من الآراء العامة المعلبة.
بعيداً عن كل ذلك وعن الحرب الضروس المفتوحة على شاشات الفضائيات، كانت وسائل التواصل الاجتماعي هي المتنفس الحقيقي. وعبر الفضاء الواقع خارج السيطرة التقليدية للمجتمع، وجدت الكثير من الفتيات مساحة للتعبير عن أسباب اتخاذها قرار "خلع الحجاب" أو العودة لارتدائه في بعض الحالات.
مسائل هامة طرحها النقاش عبر تلك الصفحات، مثل: "لماذا يضطرني المجتمع لشرح أسباب خلعي للحجاب على الرغم من أن أحداً لم يسألني يوماً لماذا وضعتِه فوق رأسك؟"، "أنا أضع صورتي على صفحتي الشخصية من دون حجاب، لأعلن أني اخترت تغييراً أراه هاماً في حياتي.. لم أستهدف سماع كلمات المباركة ولا أقبل بالتأكيد كلمات التجريح والإهانة"، "اتخذت قراري لأنني أصبحت على قناعة كاملة أني لا أؤدي واجبا دينيا بوضعي غطاء للرأس فوق شعري"، "خلعت الحجاب اليوم وقد أعود لارتدائه.. اختصاراً: أنا حرة"، "يحزنني حزن أهلي لخلعي الحجاب، لكن ما يحزنني أكثر هو ارتضاؤهم إجباري عليه".

 

هي "التاء المربوطة"، وتاريخ ما تم فرضه عليها من وصاية باسم الدين والعرف والسائد بما يتعلق بكافة أمورها، بدايةً من ملبسها وحتى أفكارها.. لقرار زواجها وانفصالها وحتى اختيار مكان الدفن بعد الموت

 

قررت أخريات تطوير منطقهن عبر كتابة المقالات والظهور في قنوات إعلامية محددة ومحدودة، وكان المشترك الأغلب في تلك الممارسات أن أياً منهن لم تقل أنها تعبر عن اتجاه أو تدعو غيرها لحذو حذوها. السمة الأكثر وضوحاً وحضوراً هي الإصرار على الاعتزاز بكل ما هو شخصي في هذه التجربة، بدايةً من اتخاذ القرار إلى شرحه والثبات عليه أو العدول عنه.
"قبل سنين خلعت طفولتي المنكسرة ووضعت مكانها حجاباً يغطى عورتي المضفرة، أتذكر يومها ابتسامة أمي ذات الوجه الأبيض الدائري الصبوح، التي اعتدتُ عند مطالعة صورها القديمة عندما كانت في العشرينيات من عمرها، أن أنبهر بذوقها وملابسها وشعرها المسدول برفق وألق فوق كتفيها الجميلين. لن أنكر أن الصبية ذات الأربعة عشر ربيعاً وافقت بإرادة كاملة على التخلي عن أن تمتلك في يوم من الأيام صورة كتلك الصور، لكن هذه الإرادة كانت مشوبة بخيال منتهَك من التقديس الذي حوّل العادات إلى عبادات". هكذا ذهبت إحدى الشابات في مقال ذاتي بعنوان "لهذه الأسباب قررتُ خلع الحجاب"، مقال لاقى انتشاراً واسعاً لأهميته ومصداقيته. وقد يخرج للنور بالأيام القادمة مقالات أخرى تحكي الكثير، سواء عن القرار نفسه أو تحمل عناوين أخرى تدور الفلك ذاته، مثل "لهذه الأسباب أخشى خلع الحجاب" أو "لهذه الأسباب أتمسك بالحجاب"..
الإجابة الضاغطة على أطراف تلك التجارب، تتبدى ملامح قاسية متكررة، أهمها بالتأكيد الضغوط الأسرية إلى حد الاعتداء بالضرب أو منع النزول من المنزل أو الطرد منه. ملمح آخر يتعلق برد الفعل الذكوري الذي يذهب بعضه لرفض الارتباط بالفتاة التي خلعت حجابها، أو ذاك الذي يًشجع باستماتة، ويتشدق بمعاني تحرر.. لا يعنيها، ولكنه يقبلها فقط للتمتع بنتائجها طالما لم تصل إلى بيته، أمّا الملمح الثالث فهو رد الفعل النسائي على ممارسات نساء أخريات، فنجد المتوجسات، والمتمنيات في صمت، والمهاجمات بشراسة.. والغريب أن بعضهن غير محجبات، ولكنهن ترفضن بشدة أن تخلع إحداهن الحجاب وأن تروِّج بأنه ليس فرضاً دينياً. بعض المفكرين والباحثين بأمور الشريعة والدين يحاولون الاشتباك مع القصة، لكن على الحدود البعيدة فيقفون في مساحة بين تأكيد فرضه وعدمه، دون تقديم طرح محكم واضح، بينما سارعت مؤسسة الأزهر بإصدار فتوى واضحة تؤكد أن "الحجاب" ـ في إشارة لتغطية الرأس وارتداء ما لا يشف ولا يصِف ـ هو أمر وجوبي وجزء من هيئة "الإسلام" لا "المسلمة" فقط، والعدول عنه "إثم" كبير. أما ما لم تلتفت المؤسسة الرسمية لأهمية التطرق له، بينما هو الأكثر تعبيراً عن الأزمة التي تتحدث عنها أغلب الفتيات، فهو سؤال: وهل يحق للأهل إجبار الفتاة على الإتيان بما لا تريد باسم الفريضة الشرعية؟

 

ليلى الشوّا - فلسطين

 

سؤال يتكون من كلمات قليلة، ولكنه بالفعل يفتح الباب لمئات الأوجاع والقصص المتشعبة، وجميعها تدور حول دائرة واحدة هي "التاء المربوطة"، وتاريخ ما تم فرضه عليها من وصاية باسم الدين والعرف والسائد بما يتعلق بكافة أمورها، بدايةً من ملبسها وحتى أفكارها.. لقرار زواجها وانفصالها وحتى اختيار مكان الدفن بعد الموت.
في القاهرة، واجهت بعضهن بتوقيت واحد هذا التحكم، وقررن اتخاذ قرار يتعلق بـ "خلع الحجاب"، والتعبير عن قرارهن الشخصي. ما زالت الأسئلة مطروحة عن أسباب التوقيت وتفسيره، وعما إذا كان سيترتب عن ذلك حركة مجتمعية ذات خطاب واضح أم لا. الأمر لم تتضح ملامحه بعد، لكن ما المؤكد هو أن هناك بعض الفتيات قررن المواجهة من أجل انتزاع حق الاختيار.
في نهاية قصته، رسم "المنفلوطى" صورة تراجيدية لا تمت لواقع حياة "قاسم أمين" ـ الذي لم يذكر اسمه صراحة ـ بصلة، وهي أنّه جمعته الصدفة به بعد قطيعة سنوات، فألح عليه الذهاب معه إلى مخفر الشرطة، وهناك فوجئ بالفجيعة، فقد تم القبض على زوجته التي "حررها" في وضع غير لائق مع صديقه الذي "سمح له بالاختلاط بها"، فنازع نزعه الأخير وهو يسأل الله أن يغفر له ذنبه، لأنّه هو من هيأ لهما الفرصة بعد أن رفع "الحجاب" الذي كان يفصلهما.
صورة مأساوية تلفيقية لم تحدث إلاّ في خيال الكاتب الغيور، لكنها تعبِّر بالتأكيد عن حجم المعاناة التي يلاقيها كل من يفكر بالخروج عن المألوف، وحجم ما يضطر لدفعه كثمن للدفاع عن أفكاره واختياراته.

مقالات من مصر

رأسي أسفل الأريكة".. ندبة اعتداء جنسي

منى سليم 2020-09-01

توالت الشهادات المجهّلة، تنشرها مدوِّنات أو صحافيون وصحافيات توثقوا قدر المستطاع مما استمعوا إليه من روايات. لم يعد هنالك شك في جدية الاتهامات، لكن بقيت الصدمة تحكي عن الكم المسكوت...

للكاتب نفسه

رأسي أسفل الأريكة".. ندبة اعتداء جنسي

منى سليم 2020-09-01

توالت الشهادات المجهّلة، تنشرها مدوِّنات أو صحافيون وصحافيات توثقوا قدر المستطاع مما استمعوا إليه من روايات. لم يعد هنالك شك في جدية الاتهامات، لكن بقيت الصدمة تحكي عن الكم المسكوت...

على قيد الأمل: مشروعٌ أو قمر

منى سليم 2020-06-25

تحية إلى حسام مؤنس وزياد العليمي في محبسهما، بعد مرور عام بالتمام على اعتقالهما في 25 حزيران/يونيه 2019، ب"تهمة" تأسيس "تحالف الأمل الانتخابي". وقد أصبحت الزنازين مساكن سجينات وسجناء الرأي...