صورة مقطعية لـ"الحشد العشائري"

تتحدث أمّ هنادي لموقع "سي أن أن عربية" عن قطعها رؤوس مقاتلي داعش وطبخها، فيما يُظهِر مقطع فيديو حملها لرأس أحد قتلى التنظيم. يأتي ذلك لحقدها على الإرهابيين ممن قتلوا أباها وزوجها وأشقّاءها، الذين كانوا يقودون الفصيل المسلّح الذي تتزعمه هي الآن جنوب الشرقاط.
2016-10-24

زاهر موسى

شاعر وإعلامي عراقي


شارك
بلدين أحمد - العراق

تتحدث أمّ هنادي لموقع "سي أن أن عربية" عن قطعها رؤوس مقاتلي داعش وطبخها، فيما يُظهِر مقطع فيديو حملها لرأس أحد قتلى التنظيم. يأتي ذلك لحقدها على الإرهابيين ممن قتلوا أباها وزوجها وأشقّاءها، الذين كانوا يقودون الفصيل المسلّح الذي تتزعمه هي الآن جنوب الشرقاط. أم هنادي ليست الأولى، فقبلها اشتهرت أمية آل جبارة التي قاتلت التنظيم بعد سقوط الموصل حتى قُتلت. أمية التي يحمل اسمَها اليوم فصيل مسلح في منطقة العلَم شرق تكريت كانت قد فقدت أباها وأخاها وعدداً من أبناء عمومتها على يد القاعدة. تبدو شراسة المعركة بين رجال القبائل السنية وبين التنظيمات الإرهابية سبباً كافياً لتصدّي عدد من النساء للقتال وقيادة الفصائل المسلحة بشكل رمزي يثير التعاطف... والتساؤل أيضاً.
عقب انسحاب القوات الأميركية من العراق في 2011، بدأت أسماء التشكيلات السنية تتوالد من حطام مشروع الصحوات، وجاءت الانقسامات المناطقية على وقع ضربات عنيفة من داعش ضد القادة القبليين انتقاماً من مجازرهم غير المدونة ضدّ القاعدة بين عامي 2006 و 2014. المئات من رجال الصحوات وعوائلهم قتلوا بطرق بشعة، بعضهم ذبح أمام عائلته، وآخرون عرضت رؤوسهم المقطوعة في الشوارع ترهيباً وإذلالاً. وكلّ ذلك جرى في ظلّ لا مبالاة حكومية وتشنج سياسي أفضى في النهاية إلى ظهور داعش.
في الأنبار، وتحت مطرقة داعش وتراجع دور الجيش العراقي، وفي ظلّ كساد غير مسبوق وانقطاع لسبل العيش، نشأت فصائل عديدة. ثلاثون ألف مقاتل بحسب هيئة الحشد، لم تتحمّل الحكومة المركزية مسؤولية عشرين ألفاً منهم، بل تكفّلت برواتب عشرة آلاف فقط. في صلاح الدين اعترفت الحكومة بألفين وخمسمئة مقاتل عشائري من فصائل عديدة فيما ينتظر ما يقارب الأربعة آلاف اعترافاً مماثلاً. في الموصل يعتقد المسؤولون أنّ خمسة عشر ألف مقاتل سيكونون في الخطوط الأولى حينما يبدأ القتال.
تأتي هذه الأرقام في سياقات متعدّدة أغلبها سياسي، مثل مشروع "الحرس الوطني" الذي ولد ميتاً، ومصطلح "الحشد العشائري" الفضفاض والملتبس. أمّا السياقات الاجتماعية والاقتصادية فغائبة. الرمادي التي دُمّر ثلثاها وهجرها ربع مليون إنسان، يرفض قادة فصائل مسلحة محلية عودة بعض المتهمين بالولاء لداعش إليها، ويهددون بقتلهم. والأمر يتكرر في الفلوجة وهيت وكبيسة. هذا هو حال الأنبار: ثمانية وأربعون معملاً صناعياً حكومياً توقف عن العمل وتضررت بنياتها وتعرضت للنهب، فيما أغلقت المنافذ الحدودية مع الأردن وسوريا.
نائب رئيس مجلس محافظة صلاح الدين، وفي لقاء تلفزيوني، تحدّث عن قناعته بأنّ عودة الأقرباء من الدرجة الأولى لأي فرد انتمى إلى داعش أمر مرفوض. كان كلامه هذا رداً على شكوى مواطن متزوج بسيدة عراقية ينتمي أخوها للتنظيم الإرهابي، وهو ممنوع من العودة إلى بيته. مصفى بيجي دُمّر ونُهب إلى درجة أن وزارة النفط اقترحت عرضه للبيع وإنشاء مصفى جديد بالقرب منه.
جنوب غرب الموصل يتزعم عضو في مجلس النواب العراقي فصيلاً مسلحاً يتجاوز عدد مقاتليه الألف. النائب يتحدث عن تحالف في فصيل "النوادر" بين عشيرة شُمَّر العربية وبين مقاتلين إيزيديين. عشرات القرى بين الموصل والحدود السورية هي مناطق عيشهم الصعب. وبالإضافة إلى مدى حنقهم ورغبتهم بالانتقام، يجمع الإيزيديون وعشيرة شمّر في هذا الفصيل على أنهم عاشوا على هامش مركز الموصل سياسياً واجتماعياً لسنوات طويلة. ويتكرر الأمر بالنسبة للجانب الشرقي من الموصل، حيث فصيلا "السبعاويين" و "اللهيب".
عشيرة الجبور ـ السنية في غالبها ـ عاشت صعوداً وانتكاساً في زمن صدام. هذه العشيرة المليونية، حاول ضباط ذوو رتب رفيعة من أبنائها الانقلاب على الحكم مرتين في مطلع التسعينيات، ولأنّهم يستوطنون الساحلين الأيسر والأيمن لنهر دجلة في محافظتي صلاح الدين والموصل، فقد شكّلوا قوة بشرية واقتصادية لها تأثير عسكري وأمني في الصراع مع الإرهاب. خمسة فصائل مسلحة تتشكل في قوامها من الجبور المتحالفين مع الحشد الشعبي، ساهمت في معارك تحرير الضلوعية والعلم والدور وتكريت والشرقاط. واليوم يمثل سليم الجبوري رئيس مجلس النواب وأحمد الجبوري محافظ صلاح الدين وعشرات المسؤولين المدنيين والعسكريين من العشيرة ذروة نجاحاتها في تسيّد مراكز المدن التي رفضتهم في أزمان سابقة باعتبارهم ريفيين وغير متحضرين.
في الحقيقة لم تكن الفلوجة لتسقط بيد التنظيم الإرهابي مطلع عام 2014 لولا الصراع بين قطبي عشيرة البوعيسى المختلفين على سياسة رئيس الوزراء نوري المالكي حيال السنة في العراق. رافع العيساوي وزير المالية السابق وعيفان العيفان النائب في مجلس النواب تبادلا الاتهامات طويلا. بعد محاولة اغتيال العيساوي بيومين تمّ اغتيال العيفان، ليتّضح الشرخ الكبير بين تنظيم "حماس العراق" والفصائل المسلحة القبائلية.
في الانتهاكات التي رافقت معركة تحرير الفلّوجة، قبل أشهر، كان الحديث عن الثأر مستمراً وبلا انقطاع. محيط الفلوجة الغاضب الذي تسكنه عشيرة البو عيسى كان قد تعرض لهجمات مروّعة من قبل داعش ومن تعاون معه من أهالي الفلوجة. وعلى الرغم من أنّ ذلك لم يخرج للعلن إلا أنّ الجميع كان يعلم أنّ الانتقام والثأر العشائري كانا هما الجانب الأكبر من الانتهاكات التي طالت المدنيين الهاربين من الفلوجة.
في مدينة هيت وبصعوبة بالغة، تتم الحيلولة منذ أشهر دون وصول مسلحي البونمر إلى من يعتقدون أنهم نفّذوا بهم المجزرة المروعة قبل عام. ورغم أنّ مدينتي هيت وحديثة من نسيج اجتماعي واحد، المسافة بينهما مليئة بذاكرة الدم والثأر. لجأ البونمر إلى حديثة هرباً من اجتياح داعش ومن سانده، وشاركوا مع عشيرة الجغايفة بالحفاظ على سد مدينة حديثة الذي يوفر الكهرباء للمنطقة سالماً، وهو ما أبقى المدينة صامدة على مدى عامين من القتال المرير.
في الأنبار، كبرى محافظات العراق، يجري العمل أمنياً بنظام القوائم الإلكترونية التي تحتوي على أسماء مقاتلي داعش العراقيين ومن ساندهم. ليس معروفاً من يتحكم بالتدقيق الأمني لهذه القوائم، والمرجّح أن مسلحي العشائر لن يتركوا فرصة تصفية الحسابات تمرّ دون استعمال قوائم الأسماء هذه.
صحيح أنّ الغالب على الفصائل المسلحة السنية اليوم هو الانتماء القبلي، وصحيح أيضاً أنّ هذا الانتماء يوفر للمقاتل الذي أنتجته البطالة فرصة العيش في ظل سلاحه بعيداً من مخيمات النزوح، لكنّ تغيراً ملحوظاً يطرأ بين الحين والآخر على المقاتلين والجماعات الدينية العميقة التي تتحكم في إراداتهم. "حماس العراق" المقرب من الحزب الإسلامي لا يزال يحكم محافظة الأنبار عبر أحد أفراده السابقين، والأمر يتكرر في مراكز المدن السنية الكبرى، حيث لا زالت جماعات مثل "الجيش الإسلامي" و "جيش الطريقة النقشبندية" تمتلك وجوداً لم يطفُ إلى السطح حتى اللحظة.

مقالات من العراق

الصيف في البصرة.. خراب ممتد وتظاهرات

ليث ناطق 2019-07-28

في البصرة 18 موقعاً ملوثاً إشعاعياً لم تُعالج حتى الآن، وفيها أيضاً مليار و300 مليون متر مربع غير مطهر من المخلفات الحربية. عدا تردي الأوضاع الصحية والتعليمية والأمنية وعدا البطالة....

للكاتب نفسه