ماذا بعد أن رضع الصغار حليب "تحيا مصر"!

لماذا اختفت الألبان ثم ظهرت فجأة؟ وهل العيب كان في نظام التوزيع الآلي التي لم تستطع تلك الأم ومثيلاتها التعامل معه، أم هو في مَن اتّخذ قراراً بتنفيذه ولم يفكر في مرور الأيام على أطفال لا يملكون ما يسدّ رمقهم؟ ثم كان السؤال الأهم: إذا كانت الشركة هي التي ستوزعه أو الجيش أو أي جهة في البلد، فلماذا قاموا برفع الدعم؟
2016-09-28

منى سليم

صحافية من مصر


شارك
سارة شما - سوريا

تحمل طفليها التوأم في شهرهما السادس وتستعدّ لأول مرة فى حياتها للمشاركة في احتجاج. تتزاحم أفكار الخوف على أولادها، فقد تهجم قوات الأمن، وقد تلهب رؤوسهم أشعة الشمس.. لكنّ الخوف الرئيسي يبقى أن تنفد علبة اللبن غير المدعمة التي حصل عليها والدهم من الصيدلية بسعر مرتفع: 60 جنيهاً.
بالأخير تذهب لتنضم لأخريات تهتفن ضد اختفاء الألبان الصناعية وارتفاع أسعارها في السوق الخاص، واضعاً 162 ألف أسرة في أزمة عاصفة، وهو عدد الأسر التي لديها أطفال رضع مستحقون الألبان الصناعية المدعمة، ويمثلون 6 في المئة من المواليد في مصر سنوياً.

من أين بدأت القصة؟

شركة القطاع العام العتيقة المسؤولة عن استيراد تلك الألبان طوال 30 عاماً أكدت مراراً أن الألبان متوفرة، وأنّها قامت باستيراد الكميات المطلوبة كالمعتاد وتوريدها لوزارة الصحة بالسعر المطلوب. ومن المعروف أن الشركة تستورد العلبة بسعر 25 جنيهاً وتوردها للدولة ممثلة بوزارة الصحة بسعر 26 جنيهاً، فتعيد الأخيرة صرفها للمستحقين بأسعار مدعمة تتراوح ما بين 3 و17 جنيهاً حسب سن الطفل. فأين ذهبت؟ لا أحد يعرف! أمّا وزارة الصحة فقالت إنّها اضطرّت لاستخدام نظام صرف الكتروني لمواجهة اختفاء الألبان وتسريبها للسوق السوداء عبر مافيا، وذلك بمواجهة شكاوى الأهالي بأن النظام الإلكتروني الجديد هو السبب الحقيقي للأزمة.
ولم تقتصر اتهامات وزير الصحة على الإشارة لوجود فساد في التوزيع، ولكنه ذهب بعيداً فوصف تلك السيدة صاحبت التوأمين وغيرها من المحتجين بالعمالة لجهات معينة، وقال "مندسون لصالح جهات معينة لإثارة البلبلة".
استمرت الأزمة ليدخل فجأة على خطها ومن دون مقدمات "الجيش المصري"، ويخرج بتصريحات عن تدخله لتوزيع الألبان بسعر 30 جنيه للعلبة وذلك عبر حافلات ضخمة مكتوب عليها شعار "تحيا مصر".

الحقيقة غير الناصعة

لا أحد يفهم. هكذا هو التعبير الثابت على وجوه الجميع بمنافذ التوزيع بوزارة الصحة "وحدات الأمومة والطفولة".. وهو ما انتهى بالاعتداء بالضرب من بعض الأسر على الأطباء بسبب الاعتراض على تقليل حصتهم من اللبن وزيادة سعرها.
حذّرت نقابة الأطباء من استمرار هذا التخبّط الذي يدفع الطبيب ثمنه بوضعه بمواجهة المواطنين لتنفيذ قرارات لا علاقة له بها.
لم تهتمّ والدة "أحمد وحسين" كثيراً، فعلبة اللبن فئة الـ 60 جنيهاً أوشكت على النفاد. ذهبت في اليوم الثاني عقب المظاهرة الاحتجاجية إلى وحدة الأمومة والطفولة التي تتبع لها لصرف مستحقاتها لهذا الشهر من ألبان الأطفال، فقيل لها إنّها المرة الأخيرة التي ستحصل عليه بسعر مدعّم، وبداية من الشهر المقبل فسوف تعود لصرفه من الصيدليات، ولكن بسعر جديد وهو 30 جنيهاً.
لماذا اختفت الألبان ثم ظهرت فجأة؟ وهل العيب كان في نظام التوزيع الآلي التي لم تستطع تلك الأم ومثيلاتها التعامل معه، أم هو في مَن اتّخذ قراراً بتنفيذه ولم يفكر في مرور الأيام على أطفال لا يملكون ما يسدّ رمقهم؟ ثم كان السؤال الأهم: إذا كانت الشركة هي التي ستوزعه أو الجيش أو أي جهة في البلد، فلماذا قاموا برفع الدعم؟ وهل يمكن الحصول عليه بسعر 30 جنيهاً بعد ذلك؟

دعاوى قضائية.. وتصريحات رسمية

حسب التصريحات الرسمية للمتحدث العسكري للقوات المسلحة فقد وصلت أولى شحنات ألبان الأطفال إلى ميناء الدخيلة بالإسكندرية بعد أن تعاقد جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة على توريد شحنة الألبان، بالتعاون مع إحدى أكبر الشركات الفرنسية، استعداداً لطرحها بالسوق المحلّي من خلال الصيدليات ومنافذ البيع المعتمدة التابعة لوزارة الصحة بمختلف محافظات الجمهورية، حيث تم اتّخاذ الترتيبات المتعلقة كافة بسرعة استلام وتفريغ الشحنة الأولى وتحضير أسطول من عربات النقل المجهّزة لحفظ وتداول العبوات بالتنسيق مع شركات التوزيع المختلفة. وسيتم وضع ملصقات ولوحات إرشادية للمواطنين لتوضيح أسعار بيع العبوات للمواطنين تحمل شعار "تحيا مصر"!
أما "الشركة المصرية للأدوية" ـ شركة القطاع العام الوحيدة التي تحقق أرباحاً في مجال الأودية ـ فقد صمت مسؤولوها تماماً عن التحدث واكتفوا ببيان أعلن انتهاء علاقتهم بالألبان الصناعية المدعمة.
وبقت تصريحات سابقة لهم تسبح في الفراغ وتطرح تساؤلات حول حقيقة الأزمة: مَن افتعلها وأين ذهب مخزون الشركة السابق من الألبان.
فقبل أيام قليلة من اندلاع المظاهرات، قال العضو المنتدب للشركة إنّها تقوم بطرح ما يقرب من 3400 عبوة لبن يومياً كحد أدنى لسد النقص الذي يواجهه المواطنون ويتم الصرف من خلال مكاتب الشكاوى وصيدليات الطوارئ التابعة للشركة وإنّه لا خوف مطلقاً من حدوث أزمة ألبان، خاصة مع كون الشركة تتمتع بمخزون يكفيها لمدة ثلاثة أشهر مقبلة.
في ضوء هذا التخبّط والغموض تحرّكت دعاوى قضائية حقوقية ضد الحكومة المصرية تطالب بعدم استغلال الأزمة (سواء أكانت حقيقية أم مفتعلة) لرفع الدعم عن لبن الأطفال.
وجاء في نص الدعوى التي حرّكها الحقوقي محمد عبد العزيز أمام مجلس الدولة (جهة قضائية عليا بالبلاد) أن وزارة الصحة تحدّد احتياجاتها السنوية من لبن الأطفال المدعوم ويتمّ استيراده بمناقصة سنوية عبر الشركة المصرية، وقد بلغ حجم التعامل بمناقصة 2014 – 2015 بما يعادل نصف مليار جنيه لحوالي 24 مليون علبة. وبناء عليه تطلب الدعوى وقف تنفيذ القرار الصادر ببيع علبة لبن الأطفال بـ 30 جنيهاً.

حين يواجه الصغير الكبار

بالتأكيد هناك سطور أخرى بهذه القضية لم يتم الكشف عنها بعد. إلّا أنّ العنوان الأوضح حتى الآن هو أنّ مخططات الكبار قد طالت أجساد الصغار، ما بين شبهات حول فساد يشوب منظومة توزيع الألبان المدعمة، وهو ما يمكن تصديقه في ظل دولة تشغل مركزاً عالمياً متقدم في حجم الفساد الإداري، وبين شبهات أخرى حول توجّه عام وفق إملاءات صندوق النقد الدولي لمنح قروض ميسرة للحكومة المصرية بهدف الرفع الكامل للدعم الموجّه للمواطنين في الخدمات المختلفة.

مقالات من مصر

السيسي يخترع في السياسة والاقتصاد

البناء هجين، وهو ليس بالتأكيد قطاعاً عاماً، ولا تحركه مصلحة السكان بل الربحية الرأسمالية القصوى التي تتوفر هنا بشكل قسري، بالمصادرة والاحتكار. وهذا تناقض عجيب غريب، إذ يتم توليد الحالة...

نقابة الصحافيين المصرية: الرواية

منى سليم 2019-07-03

نقيب الصحافيين – المعارض السياسي السابق المعروف - يعلن انه ضد "مدرسة الإدانة"، ثم حين يتفاوض يكتفي بالاعتراف بالصحافيين "النقابيين" فقط، بل ويغفل بعضهم، ويرتضي بإحالتهم جميعاً لقائمة الجنائيين! وقد...

للكاتب نفسه

نقابة الصحافيين المصرية: الرواية

منى سليم 2019-07-03

نقيب الصحافيين – المعارض السياسي السابق المعروف - يعلن انه ضد "مدرسة الإدانة"، ثم حين يتفاوض يكتفي بالاعتراف بالصحافيين "النقابيين" فقط، بل ويغفل بعضهم، ويرتضي بإحالتهم جميعاً لقائمة الجنائيين! وقد...