نساء يرتضين بدور "النسوان" في العراق

احتفى إعلام أحزاب الإسلام السياسي في العراق بمراسلة رافقت العمليات العسكرية التي خاضتها القوات الأمنية وفصائل الحشد الشعبي ضدّ تنظيم "داعش" الذي سيطر على ثلث مساحة البلاد في حزيران / يونيو عام 2014.
2016-09-08

عمر الجفال

كاتب صحافي من العراق


شارك
رشوان عبد الباقي - سوريا
احتفى إعلام أحزاب الإسلام السياسي في العراق بمراسلة رافقت العمليات العسكرية التي خاضتها القوات الأمنية وفصائل الحشد الشعبي ضدّ تنظيم "داعش" الذي سيطر على ثلث مساحة البلاد في حزيران / يونيو عام 2014. هلّلت تلك بـ"الحدث"، وأثنت على شجاعة المرأة المراسِلة، ووقوفها إلى جانب الرجال في جميع المصاعب، فضلاً عن نقلها الحقيقة. غير أن هذه القصص سرعان ما ثبت زيفها، إذ صوّرت المُراسلة نفسها وهي تطلق النار في الفراغ، وبعدها نُشرت صور لها وهي تحمل الأسلحة وتجرّبها.. وهو ما يعني عدم معرفتها بأصول العمل الصحافي التي تملي على المراسل الترفّع عن مثل هذه الخطوات الاستعراضية، خصوصاً في تغطية أحداث سياسية وعسكرية تتطلب قدراً عالياً من المصداقية. والأنكى من كلّ ذلك، اتّضح أن "المراسِلة" لم تقمْ بكتابة أيِّ مقال ولم تسجّل أيِّ تقرير تلفزيوني عن أيّامها في الحرب، ليس لكسلٍ أو لتضييق عليها، وإنما لأنّها لم تعمل يوماً في أيِّ وسيلة إعلامية! وأما وجودها في الجبهة فليس إلا ديكوراً لتكملة مشهد العدالة والمساواة بين الرجل والمرأة في العراق، الذي تحاول أحزاب السلطة تصديره إلى الرأي العام الدولي.
ليست حادثة المرأة "المراسِلة" كمؤدية لدور تعبويّ بجديد، إذ كان النظام السابق قد ابتدع دور المرأة الـ "ماجدة" كشخصية لا تقل أهمية عن أية عنصر تعبوي ذكوري. وإنْ كانت النساء العراقيات قد قمن بدور اجتماعي وسياسي حيوي وحاسم فعلاً، عبر إمساكهن بعجلة الحياة خارج الجبهة، اقتصاداً وفي الشأن اليومي، وفي ظروف بالغة الصعوبة (أيام الحرب مع إيران كما أيام الحصار، أي لعقدين أو أزيد)، ولولاهن لكان الواقع أكثر سواداً وكارثية مما حدث، إلا أن العقلية السائدة لم تمجّد هذا الجانب الخطير، بل ألبست بعض النساء زياً عسكرياً من دون أن يكون لهنَّ أي دور في جبهات القتال، وجعلتهن تتغنّين بفحولة العسكر، أو أبرزتهن كمتبرّعات بمالهنَّ وببنيهنَّ للوطن وحروبه. وقد تتساوى النسوة مع الرجال بكونهن شخصيات تؤدي أدواراً، كلٌ وفق ما يمليه نوعه الاجتماعي.
بيد أن المرأة تبقى منزوعة التأثير في أيِّ مجال تُزجُّ فيه، حيث تُرسم لهن خطوط تحرّكهن مُسبّقاً، ويتحوّلنَّ إلى ببغاوات يكرّرن الخطاب الذكوري الذي يُصدّره الرجال الفاعلون في السلطة أو المقرّبون منها، من رجال الدين أو شيوخ العشائر، وهو خطاب، بطبيعة الحال، يحطُّ من شأن المرأة، ويجعلها في مرتبة أدنى من الرجل.

المرأة في السياسة

ويمكن يومياً، على الشاشات العراقيّة المزدحمة، تلمُس الخطاب النكوصي للمرأة السياسيّة بشكل خاص، حيث تظلّ تؤكد بوعي أو من دونه على ثانويّتها، وتصدِّر الرجل على أنّه الأوعى والأكثر دهاء وذكاء والأحقّ منها بالمناصب. فلا تتوانَى بعض النساء الناشطات في المجال العام عن التشبّه بالنساء المقموعات اللواتي لا يمتلكن غير البكاء للتعبير عن الحيف الذي لحق بهنّ، في وقت تتبوأن مناصباً مؤثرة.. في الانتخابات البرلمانية للعام 2014، حصلت النائبة عن محافظة بابل حنان الفتلاوي على نحو مئة ألف صوت، ما أهّلها لدخول البيت التشريعي من دون اللجوء إلى "الكوتا" التي أقرّها قانون الانتخاب العراقي بعد غزو العراق عام 2003، والتي تضمن 25 في المئة من المقاعد البرلمانية للنساء. هلّلت الصحافة بهذا الفوز العابر للـ "الكوتا"، وعدّته حركات نسوية فاتحة قوية للنائبة للدفاع عن النساء وحقوقهن المنتهَكة. بيد أن الفتلاوي سرعان ما استحْلت دور المرأة كتابعة، وساهمت في تصدير هذا الوضع على أنه من عاديات العمل السياسي. فالنائبة لم تتوانَ عن نقل خلافاتها السياسيّة داخل قبّة البرلمان إلى المجالس العشائريّة، لتعود بذلك وتحتمي بالمنظومة القبلية وشيخ العشيرة، رغم أنّها تنتمي إلى السلطة التشريعية الأعلى في البلاد. وهي لم تبدُ راضية عن صيغة تحكّم العشيرة بزواج المرأة فحسب، وإنما بدت أكثر رضاً بمنهج العشيرة بتحويل المرأة إلى "شيء" يُمنَح.. الفتلاوي شرحت الخلاف المتكرّر بينها وأحّد النواب بالقول إنّه أراد يوماً الزواج من أختها غير أن عائلتها رفضته! وبسخريّة قالت "لو نمتلك امرأة الآن لأعطيناها له وخلصنا"، وسوى الفتلاوي، هناك عالية نصيف التي تفتخر بأنّها مرّرت موازنة عام 2013 بـ "الحذاء" بعد أن ضربت زميلاً لها به، وهناك أيضاً أخريات استعملن الضرب بالأيدي فيما بينهن بسبب خلاف على تمرير قانون، أو استجواب وزير أو عزله.

هيف كهرمان - العراق

المرأة العاملة

صدر العام الماضي تقرير عن الجهاز المركزي للإحصاء يتناول "واقع النوع الاجتماعي في وزارات ومؤسسات الدولة"، وهو يخصّ حركة التوظيف والعلاوات داخل دوائر الدولة. وبالرغم من أن التقرير يمتدح في مقدمته واقع تطوّر المرأة في سوق العمل، إلا أن المديح سرعان ما يتلاشي مع الأرقام التي سجّلها، فمجموع ما تمّ توظيفه من العراقيين في مؤسسات الحكومة في عام 2015 بلغ نحو 16 ألف عراقياً من كلا الجنسين، ونسبة النساء منها بلغت 30.3 في المئة. وإذا كانت نسبة التوظيف بهذا الشكل، فإن المناصب القيادية داخل مؤسسات الدولة التي تتسلمها المرأة لا تتعدى حدود 16.6 في المئة، مقابل تسلّم الرجال 83.4 من تلك المناصب. كما ينسحب هذا الوضع إلى الدورات الداخلية والخارجية التي يتلقّاها موظفو المؤسسات لتطوير أداء عملهم. فنسبة النساء المشاركات بهذه الدورات يقدّر بنحو 28.8 في المئة، أما نسبة النساء الحاصلات على الزمالات الدراسية فهي 33.5 في المئة. وتعتقد وزارة التخطيط أنّ هذه النسب لا تساعد على تمكين المرأة من تطوير أدواتها وتسّلمها المناصب العليا، إلا أنّها في الوقت ذاته تشير إلى أنه بالرغم من قلّة النساء العاملات، فإنّ نسب حصولهن على كُتب الشكر والتقدير على أداء أعمالهن تبدو مرتفعة حيث بلغت 36.0 في المئة من جميع كتب الشكر التقدير في عام 2015.

"الكوتا" المسفوكة

والحال، فإن الفتلاوي وزميلاتها اللواتي يحتللن 83 مقعداً في البرلمان العراقي من أصل 235 مقعداً، لم يكتفين بالدور الثانوي في العمل السياسي العراقي كنساء، وبتحويلهن إلى أدوات لإضفاء شرعيّة دولية على النظام السياسي وتصييره نظاماً يمنح الحقوق للمرأة ويساويها مع الرجال، وإنما أيضاً ارتضين بمستقبل قاتم للنساء في العمل السياسي داخل الأحزاب، إذ لم يَرد في أيِّ من بنود قانون الأحزاب الذي صوّت عليه البرلمان في آب / أغسطس من العام الماضي أي بند يخصّ النساء، وعلى الرغم من شكوى بعض النائبات من تهميشهن داخل الأحزاب، إلا أنّهن لم يضفن فقرة للقانون تلزم الأحزاب السياسية بتخصيص أدوار للمرأة في تكوين الأحزاب أو في قيادتها.
وإزاء هذا الأمر، لا يبدو أن النساء داخل قبّة البرلمان يكترثن بمعنى نظام "الكوتا" كمحاولة لإخراجهن من مفهوم "النسوان" الذي وُضِعَنَّ فيه من قبل المجتمع والفتاوى الدينية المتشدّدة، إلى نظام الندّية الذي يؤمِّن لهن وللنساء خارج قبّة البرلمان أن يكنَّ فاعلات، وأن يمارسن أدواراً مستقبليّة يتحدّين من خلالها الأعراف والتقاليد الاجتماعية التي تحطُّ من شأنهن.

 

مقالات من العراق

"أرقام العراق"... بلا تعليق (*)

نهلة الشهال | 2018-08-03

العراق نُهْبةٌ، يغرف منها الخاصة ويموت الآخرون، كل الآخرين، وهم 90 في المئة من شعبه - من كل المناطق والطوائف والملل والنحل - من الجوع والمرض والقنوط.

الـ"هوسة" العراقية تلازم الثورات

2018-07-19

"يُهوِّس" العراقيون في أحداثهم الكبرى، معلنين موقفهم الجماعي منها. الهوسات سجلٌ لتاريخ العراق. وهي شعر شعبي موزون مقفى، ومهتوف بايقاع محدد، فيكاد يكون مُغنّى، ويبقى محفوظاً في ذاكرة الناس جيلاً...

للكاتب نفسه

النمو السكاني في العراق: شباب وهشاشة

عمر الجفال | 2016-08-30

كيف سينجو العراقيون من بؤسٍ ينتظرهم في السنوات أو العقود المقبلة؟ البؤس قائم اليوم على أيّة حال. فوسط الوفرة الماليّة التي حقّقها ويحقّقها النفط، تصف الأمم المتحدة الأمن الغذائي في...