استراتيجية "العوام" لإدارة العراق

تحمل مفردة "عيب" في القاموس العراقي المحكي معنىً يتجاوز مجرّد النهي عن فعل سيئ إلى التدليل على ارتكاب فعل شنيع ومخزٍ، فيُقال هذا كلام أو فِعلٌ عيب في حال كان الفعل فظيعا لدرجة لا يُمكن تصديقها. لذلك كله لم يجد العراقيّ في الآونة الأخيرة أبلغ من الـ "عيب" في وصفه للواقع السياسي الذي يعيشه بلده
2016-08-05

عمر الجفال

كاتب صحافي من العراق


شارك
أياد القاضي - العراق

تحمل مفردة "عيب" في القاموس العراقي المحكي معنىً يتجاوز مجرّد النهي عن فعل سيئ إلى التدليل على ارتكاب فعل شنيع ومخزٍ، فيُقال هذا كلام أو فِعلٌ عيب في حال كان الفعل فظيعا لدرجة لا يُمكن تصديقها. لذلك كله لم يجد العراقيّ في الآونة الأخيرة أبلغ من الـ "عيب" في وصفه للواقع السياسي الذي يعيشه بلده، ليس في إشارة للفساد الذي يقود سكّان البلاد إلى المَقاتل فحسب ــ والفساد هو عنوانٌ عريضٌ للأمراض السياسية المتشعبة في العراق ــ بل أيضاً في استنكاره لتبعية بلده إلى الخارج، وهو الذي هدّمه الاحتلال وإرثه الموبوء. فهم السياسة بعمقها وبقشرتها، والإحاطة بأمورها، هو أحد لوازم يوميات العراقيّ في بلده اليوم، وإن يكن رأيه بعيداً عن صنع القرار فذلك لا يعني عدم تشكيله لرؤية قد تكون مُنقذاً لبلد يغرق في فوضاه.

القرار المفروض

هكذا لا يستوطن الوهم لدى أيّ عراقي منذ 2011 بأن العراق بات سيد ذاته بعدما انسحبت منه قوات الاحتلال، فيؤشِّر المجتمع العراقي اليوم، دون أيِّ ارتباك، إلى خريطة تبعيّة الأحزاب إلى هذه الدولة الإقليمية أو تلك القوّة العالمية، وبإمكانه أيضاً أن يشرَح خطوط العلاقة التي تربط الطرفين، وما الذي فعلته دولة ما لصالح حزب ما، وكيف مدّت بعض الأحزاب دولاً بالمال من خلال صفقات مع المؤسسات الرسمية الحكوميّة، وكيف رُدّ المال إليها سلاحاً، أو كيف حصل العكس، بمدّ دولة لتيّار سياسي بالمال لخوض انتخابات أو لتمرير قانون. لدى العراقي وعيٌ كاملٌ بكلِّ ما يجري ويُحاك، ويبدو أن هذا الأمر رفع الحرج عن نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق، في الإجهار بأنها لم تكن قوّة سياسيّة محليّة تلك التي حالت دون بلوغه الولاية الثالثة في المنصب الذي اشتهاه لأربع سنوات أخرى بعد أن سيطر عليه لثمانٍ سابقة، وإنما رفضٌ إقليمي ودولي.

هكذا لم يبدُ على المالكي الخجل أبداً في اللقاء الذي بُث على شاشة محليّة واستمرّ لساعة يتحدّث عن الوطنية والحرص على البلاد وضرورة الديمقراطية والحفاظ على العملية السياسيّة، فضلاً عن الاستقلال الذي انتزعه من الولايات المتحدة الأميركية. لم يبدُ خجلاً من إعلان أن قوى خارجيّة هي التي أبعدته عن منصبه، ولم يشتكِ أبداً من هذا التدخّل بقدر شكواه من أن أطرافاً عراقيّة تحاول "عرقلة" العمليّة السياسيّة. وإذا ما كان المالكي المعروف بعنجهيّته قد قال هذا الأمر متأخراً، فإن ساسة آخرين مثل إياد علاوي أو أحمد الجلبي وغيرهم كانوا قد أعلنوا مراراً، ومبكراً، عن تعاونهم مع مخابرات دوليّة، إضافة إلى شكاواهم من ترك الإدارة الاميركية لهم عراة من الدعم بعد أن وجدوا جهات أخرى في البلاد أقرب إلى تنفيذ أجنداتها منهم، وهو الذي أدّى، بطبيعة الحال، إلى عدم حصولهم على مناصب عليا في الحكومات المتعاقبة على حكم البلاد.

إقصاء التنوّع

كانت محاولة نظام صدّام حسين تعريب القوميّات العديدة في العراق على أساس أنّه قومي عربي وحزبه يفرض إرساء هذا المفهوم والهوية، بالقوّة على القوميّات الأخرى، واحدا من الأساليب المدمّرة التي أعملت في صلب المجتمع العراقي المتنوع ودمرت صبغته الثرية هذه. إلّا أن المالكي، وآخرين، الذين اعتبروا أنفسهم مغايرين للنظام البائد، أعلنوا أن العراق في صراع مع المحور العربي السّني. ألغى المالكي، والحال هذه، أديانا وطوائف كما ألغى صدّام قوميات. فالمَحاور التي تقوم على طائفةٍ أو دين، لا يُمكن لها أبداً أن تكون محاور عادلة لبلدٍ متعدّد، ولا يمكن لها أن تؤسس إلا لنزاعات تقود إلى الخراب. ولم يستمرّ الأمر طويلاً بعد الحديث عن المحاور ذات الصبغة الطائفيّة، ليعلن المالكي مجدداً أن "المحاصصة الطائفية" دمّرت البلاد، وأن الأوان قد آن لتشكّل كتلة سياسيّة عابرة للطوائف!
وفي الواقع، لا يبدو المالكي شاذّاً أبداً عن قاعدة العمل السياسي المتّبعة في العراق، بكلّ تناقضاتها وكذبها. إذ أنّ أطرافاً سياسيّة أخرى لا تجد غضاضة من إعلان دفاعها ووقوفها إلى جانب المحور الآخر: العربي السّني. هكذا، تتعارك المحاور الإقليمية في بطن العمليّة السياسية. كل طرفٍ يحاول جرَّ البلاد إلى المحور الذي يمنحه صكّ البقاء منافِساً في العمل السياسي. والأحزاب والتيارات السياسيّة العراقيّة، في غالبها، تستقوي بهذه المحاور، وهناك قلة قليلة ناجية من هذا العراك. وإزاء هذا الأمر، لا يمكن رسم سياسة واضحة لتحرّك العراق الرسمي. وقد توضح نظرة إلى سنوات قليلة ماضية فكرة التبعيّة لقرار الخارج، لاسيما عندما كان بطلا هذه الحكاية يمسكان بالسلطات العليا في البلاد: البرلمان برئاسة أسامة النجيفي المقرّب من السعودية وتركيا وقطر، والمالكي المقرّب من إيران ومحور دولها.
آنذاك، في الأيّام التي كانت تتلو الانتخابات البرلمانيّة، وإبان تشكّل الحكومة العراقية، تبدأ الكتل السياسية بترتيب طوابير طرْق أبواب السفارات والسفر إلى الدول المجاورة، فيما تظل هواتفها على خطٍّ مباشر مع مستشاري البيت الأبيض. والكارثة في هذا أنّ الجميع في العراق يعلم بتحرّكاتهم، فالساسة يستقوون بالخارج، حتّى أخذ بعض الكتبة بتتفيه القرار المحلي وربط البلاد بالقرار الخارجي، مروّجين على أنَّ هذا هو الحل الأمثل للحصول على دعم دولي مستمر للنظام السياسي. بل إنّ بعض الكتبة يطالب جهاراً بقواعد عسكرية أجنبية في البلاد لتحافظ على الأمن والنظام وترتيب البيت الداخلي من.. التدخّلات الخارجية!

تراكم التبعيّات.. والوعي

صحيح أنّ العراق لم يكن يمتلك قراره السياسي في تاريخه الحديث إلّا بقدر ضئيل، مثلما حصل في ثورة 14 تمّوز / يوليو عام 1958 حين أسس عبد الكريم قاسم الجمهورية الأولى بانقلابه على الملكيّة المفروضة بإرادة بريطانية، وصحيح أنّ من انقلب على قاسم من رفاق الأمس حاولوا انتزاع شرعيّة بقائهم من الأنظمة الإقليمية، ليأتي بعدها صدّام حسين ويظلّ يشتري بقاءه متربّعاً على عرش البلاد بالحروب وصفقات الأسلحة حتّى أواخر التسعينات قبل أن يصاب بالجنون تماماً ويُعزل من قبل واشنطن التي كانت حليفته في حربه ضدّ إيران.. صحيح أن كلَّ هذا يحمل تاريخاً متنوع الأشكال من التبعيّة إلى الخارج، وهو ما لم ينظر إليه ساسة البلاد الجدّد بتفحّص، إلّا أنّ تراكم هذا المسار، والأنظمة المفروضة من الأعلى على المجتمع العراقي، أخذت تنتج في عراق اليوم وعيّاً مختلفاً في الشّارع الذي يحتج كل أسبوع. وهو ما يدفع الكثير من العراقيين إلى إعلان استراتيجيات تنجّي البلاد من مهالك الرضوخ للآخر: "إحنا والمحاور.. خلينا نسد باب بيتنا على روحنا ونسوي تبادل تجاري وعلاقات دبلوماسية مع دول الجوار والعالم، ونحفظ هيبتنا بدون لا تبعية لهم ولا رضوخ لأحّد"، هكذا يشرِّع الناس البسطاء أجندة عمل سياسي لقيام عراقٍ معافى، بعد أن ملَّوا من صراع المحاور وأخذوا يعرفون تماماً ما جناه على البلاد. وهذا الخطاب أيضاً يمكن أن يتلمّسه المرء لدى عراقيين آخرين يطالبون بالركون إلى سياسةٍ محلية واعية تتصرف وفق مقتضى مصلحة العراقيين، بعيداً عن الصراع مع دول الجوار أو التبعيّة إلى القوى العالميّة، ولاسيما الولايات المتّحدة الأمريكية. سياسة تقوم على احترام القرار الداخلي.
في ظل كل هذا تبدو حلول "العوام" (على ما يحب بعض الساسة والمثقفين تسمية الناس البسطاء)، أكثر نجاعة من كلّ أفعال الأحزاب والكتل السياسيّة، خاصّة وأن العراق تجاوره بلدان تطمع بريعه وسوقه، فضلاً عن أرضه التي كانت محتلّة من قبل امبراطوريتين هما الفارسيّة والعثمانية، علاوة على السعودية التي غزت مراقده المقدّسة في وقت من الأوقات. وجميع هذه الدول لا تخفي طمعها بمعاودة كرة أفعالها لو أتيحت لها الفرصة مجدداً، لكن أي درك من "العيب" بلغه العراق ليصبح سكّانه خائفين إلى هذه الدرجة من اقتطاع أرضهم، أو تمرير تصدير مشكلات دول الجوار إليه؟ وأيّ "عيب" ترتكبه الأحزاب السياسية العراقية حتّى وصلت مرحلة صمّ الآذان حين تنادي تظاهراتٌ بكفِّ يد دول الجوار والقوى الكبرى عن التدخّل في شؤونهم بينما تركض هي للاعتذار؟ لـ "العوام" أيضاً وجهة نظرهم، وهي وجهة نظر منطقية وسليمة حتّى وإن كان ليس فيها الكثير من ألاعيب السياسة: إعادة العراق لأصحابه.. هؤلاء الذين يعرفون مصلحة البلاد أكثر من الساسة الذين يحقّرونهم.

مقالات من العراق

العراق: جنازة "حرية التعبير"

ليث ناطق 2019-03-13

هناك اتجاه لإقرار قانون "جرائم المعلوماتية" الذي يلاحق مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك تعميمات للمؤسسات الى موظفيها بمنع "المساس بالرموز الوطنية والدينية".. هكذا على الاطلاق، وفي الوقت نفسه لا يُقَر...

للكاتب نفسه

نساء يرتضين بدور "النسوان" في العراق

عمر الجفال 2016-09-08

احتفى إعلام أحزاب الإسلام السياسي في العراق بمراسلة رافقت العمليات العسكرية التي خاضتها القوات الأمنية وفصائل الحشد الشعبي ضدّ تنظيم "داعش" الذي سيطر على ثلث مساحة البلاد في حزيران /...