جيل في سورية يختفي

لطالما تهكم السوريون على بعضٍ من الجيل المولود في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بإطلاق لقب "جيل الطنطات" عليه. الجيل الذي كان يصعب تمييز ملابس وقصات شعر ذكوره عن صباياه، هو اليوم في طور الاختفاء من سورية. عاش هذا الجيل عقد القرن الحالي الأول في فضاء حرية نسبي. فمع تخفيف القيود الأمنية والانغماس في اقتصاد السوق، بدأ فرز طبقي أدى تدريجياً لتفكك الطبقة الوسطى بنسبة
2015-12-24

كمال شاهين

كاتب من سوريا


شارك

لطالما تهكم السوريون على بعضٍ من الجيل المولود في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بإطلاق لقب "جيل الطنطات" عليه. الجيل الذي كان يصعب تمييز ملابس وقصات شعر ذكوره عن صباياه، هو اليوم في طور الاختفاء من سورية.
عاش هذا الجيل عقد القرن الحالي الأول في فضاء حرية نسبي. فمع تخفيف القيود الأمنية والانغماس في اقتصاد السوق، بدأ فرز طبقي أدى تدريجياً لتفكك الطبقة الوسطى بنسبة كبيرة. إلا أن البقية الباقية منها دخلت فضاء المجتمع ممتصة كل تأثيرات الحداثة الواصلة على وقع العولمة التي لم يكن آخرها طوفان وسائل التواصل الاجتماعي. في تلك الأيام، تم تخفيض سن الخدمة الإلزامية إلى العام ونصف بدل العامين، كما تم إلغاء التدريب العسكري من الجامعات، وانسحبت من المدارس مظاهر العسكرة، وألحق ذلك بإقرار نمط تعليمي جديد.. وبات الطريق الليبرالي الاقتصادي مؤثراً فعلاً على عقلية الجيل الجديد في مفاصل كثيرة، بما فيها السياسي.
على أن هذه الصورة إذ تصْدق على جزء كبير من أبناء المدن، فهي لا تصْدق كثيراً على الريف السوري الذي تحول إلى مزيد من الهامشية في غياب الخطط التنموية الحقيقية لمساحات واسعة من البلاد والانغماس الحكومي في اقتصاد الخدمات (36 في المئة)، وهو ما اتضح لاحقاً في ثورة أبناء الريف على المراكز الاقتصادية الكبرى، ومحاولة تدميرها كجزء بارز من الثأر من "المدن" (وهي الجدلية التي تحدث عنها "حنا بطاطو" في كتابه الأخير "فلاحو سورية").
لعل هذا الفرز الطبقي ينطبق على الموقف من الحراك السوري، أياً كان الموقف اللاحق منه. ولعل من سوء حظ هذا الجيل الذي يشكل الشريحة الأكبر في المجتمع ونسبته تكاد تتجاوز الثلثين، أن "الحرب" وقعت في وقت كان فيه الشغل الشاغل لغالبيته هو تأمين فرصة عمل تليق بخبرات كثيرة تراكمت في السوق دون أن تجد عملاً لا في القطاع العام ولا الخاص، في ظل فساد عمومي مستشر ترك أكثر من 70 في المئة من هذه الشريحة دون عمل. ومع تسليح الحراك، فإن فأس الحرب وقعت أول ما وقعت في رأسه، وكان الضحية الأبرز لها.
ينتمي هذا الجيل إلى منظومة تعليمية حديثة التخرج من الجامعات في غالبيته، ونسبة كبيرة منه حملت شهادات علمية عالية، من مهندسين وأطباء وخريجي كليات جامعية متنوعة. انفجر الوضع أثناء وجودهم في خدمة العلم فتم الاحتفاظ بنسبة كبيرة منهم حتى اليوم. كما أن نسبة مشابهة تعليمياً التحقت بالقوى المسلحة، التي تضم أشخاصاً ذوي سوية تعلمية أقل، إلا أنها كجيل تنتمي للشريحة السابقة..
النسبة الكبرى من وفيات الحرب حدثت في قلب هذا الجيل، فقد بلغ عدد ضحاياه أكثر من 100 ألف من الذكور في منطقة "الساحل" وحده. ويمكن الجزم أن نسبة موازية إن لم تكن أكبر قد سقطت في مناطق أخرى، في كل المدن السورية، مع التأكيد على أن غالب هؤلاء ينتمي للطبقات الأفقر، فنظرة واحدة على أي حي شعبي من أحياء الهامشيات في المدن أو القرى يوضح هذه الصورة جلياً.
يتضح التغير الهرمي في اختفاء تقريبي لهذا الجيل وعلى امتداد قرى وبلدات كثيرة تمتد لمعظم أنحاء سورية. بعض هذه القرى والبلدات فرغت تماماً من شبابها الذين دخلوا غمار الحرب، موالاةً أو معارضة. أماكن أخرى أخذ شبابها دروب الهجرة الكثيرة مغامرين بكل ما يملكون هم وأهاليهم للبقاء على قيد الحياة. ولم يقتصر الأمر على مناطق ذات صبغة طائفية محددة كما كان الحال قبل العام 2011، حيث تركزت أغلب الهجرات في المناطق المسيحية (مثلاً وادي النصارى في حمص). اليوم يشمل طيف الهجرة جميع السوريين، وقد بلغ عددهم أكثر من 300 ألفاً، أغلبهم هاجر بطرق غير شرعية. وأما قصص الاحتفاظ بالشباب في الخدمة العسكرية أصبحت حديث الشارع. فبعض الجنود في الخدمة الالزامية مرّ على خدمتهم أكثر من خمس سنوات، فيما يعيش الجنود ويقاتلون وسط ظروف سيئة على مختلف الصعد، محاطين بأجواء معادية في الغالب. كل هذا ترك أثره على البقية الباقية من هذا الجيل. وإذ كان سكان المدن حتى العام 2011، المرتاحون مادياً، لا يمتنعون عن إرسال أبناءهم للجيش، فقد تغيرت الصورة باتجاه محاولة إيجاد حلول لدفع أولادهم عن الالتحاق بالخدمة بأية طريقة متاحة، ورغم أن نسبة عدم الملتحقين حتى اليوم لا تشكل أرقاماً كبيرة، إلا أنه يمكن لحظها في مختلف المناطق.
قيادة الجيش اضطرت للبحث عن مخرجات صحيحة لوجود عدة أفراد من عائلة واحدة في قطاع الجيش، فصدر قرار يعفي واحداً من كل ثلاثة أخوة في الجيش، وجرى تسريح كل فرد له أخ قُتل، وتقريب خدمة آخرين ممن تعرضوا للإعاقة أو التشويه، لكن دون أن يطمئن ذلك غالبية الأهل الذي يبحثون عن طرق لحماية أبناءهم من ويلات الحرب بأي شكل.. وهو التصرف الطبيعي.
ولا يقتصر الأمر في حدوث فجوة تمتد لجيلين فأكثر على الذكور فقط. فقد أصبح هناك فائض نسوي بنسبة هي في الأصل أكبر (2.5 مقابل 1 وفق المكتب المركزي للإحصاء حتى العام 2011)، الأمر الذي يضيف خللاً للفجوة السكانية، لجهة قوة العمل ولمعدلات الإعالة الاقتصادية التي يلعب الذكور فيها الدور الرئيسي، إضافة إلى قضايا العنوسة وانتشار أنماط جديدة من الزواج لم يعرفها المجتمع من قبل، مثل زواج "المقايضة" والقبول بزواج القاصرات.. أما حديث الأرامل فيطول.

مقالات من سوريا

للكاتب نفسه