عن الناس والعمل والعمران

حملت رحلتي اليومية الى الجامعة من منزلنا في المقطم، وهي تبّة (أي مكان مرتفع) تقع في الشمال الشرقي من القاهرة، تساؤلات عدة عن سور "مجرى العيون" وعن الهياكل الخشبية التي تظهر وتختفي ما بين فتحات هذا السور الأثري العظيم.. أولى ذكرياتي كانت في منطقة عين الصيرة حيث عدد من المجمعات السكنية التي أسّس في إحداها أحمد عبد الله رزة  "مركز الجيل". كانت تقوم هناك أبحاث ونشاطات
2015-09-10

أمنية خليل

باحثة أنثروبولوجيا في شؤون العمران من مصر


شارك

حملت رحلتي اليومية الى الجامعة من منزلنا في المقطم، وهي تبّة (أي مكان مرتفع) تقع في الشمال الشرقي من القاهرة، تساؤلات عدة عن سور "مجرى العيون" وعن الهياكل الخشبية التي تظهر وتختفي ما بين فتحات هذا السور الأثري العظيم.. أولى ذكرياتي كانت في منطقة عين الصيرة حيث عدد من المجمعات السكنية التي أسّس في إحداها أحمد عبد الله رزة  "مركز الجيل". كانت تقوم هناك أبحاث ونشاطات أحدها نشاط ثقافي وفني وترفيهي للأطفال العاملين/ات في المنطقة في أيام الجمعة. تكثر عمالة الأطفال في المنطقة التي تحوي عدداً من الحرف والصناعات الهامة منها دباغة الجلود وورش السيارات والمخابز. في إحدى تلك الجمع، وأنا في العاشرة من عمري، أصطحبني أهلي للمركز حيث ظللت ألهو وألعب مع الأطفال الآخرين، وعندما سألت أحدهم عن صفه الدراسي كان رده: "أنا مبروحش المدرسة، أنا باشتغل".. ظللت لأيام مشغولة بالفكرة وناقشت أمي فيها.

العمران

كنت شغوفة بنهج تطوير المجتمعات والعمل الميداني في سنوات دراستي حتى وصولي لمرحلة التخرج في قسم الهندسة المعمارية، فاخترتُ أن يكون مشروع تخرجي هو تطوير منطقة المدابغ التي تقع في منطقة الفسطاط بحي مصر القديمة، وتحديداً خلف سور مجرى العيون الأثري (بُني عام 1169م)، والهدف الرئيسي من بنائه هو نقل مياه نهر النيل إلى الجزء الشمالي الشرقي حيث تقع تبّة المقطم وقلعة صلاح الدين الأيوبي، مقر الحكم حينذاك ومكان سكن الجنود لحماية حدود القاهرة. وفي فترة حكم الفاطميين، تمّ بناء مدبغة خلف السور لأن حرفة الدباغة تتطلب الكثير من المياه لتنظيف الجلود. وعليه استمر وجود المدابغ هناك التي بدأت في أطراف المدينة وتحولت بعد ذلك لتصبح في وسطها تقريبا بسبب التوسع العمراني للقاهرة جنوباً وشمالاً. في منتصف الخمسينيات قررت الحكومة المصرية افتتاح مدرسة في المنطقة لتعليم فنون الدباغة وتصميم الجلود. وأصبحت مصر لسنوات حاضرة في السوق العالمية لهذا القطاع. أغلقت تلك المدرسة في التسعينيات وترك مبناها مهجوراً حتى الآن. وفي عام 2005، قررت الحكومة المصرية، بسبب بناء مستشفى سرطان الأطفال نقل مكان المذبح تمهيداً لنقل المدابغ نفسها إلى منطقة الروبيكي التي تقع في الكيلو 46 لطريق مصر الإسماعيلية الصحراوي. وفي زيارتي لمنطقة المدابغ أول مرة، غضب مني أحد العاملين لأنني أحمل كاميرا تصوير فوتوغرافي ظناً منه أني صحافية وأؤيد نقلهم من المنطقة. وتطلب كسب ثقة البعض وقتاً وتدرجاً وتوضيحاً لمواقفي. قال أحدهم: "عايزين يودونا الروبيكي وأنا ساكن هنا في عين الصيرة جنب الشغل. وآه المدابغ بتجيب فلوس كتير للبلد ولأصحابها.. بس أنا عامل مش صاحب مدبغة وباشتغل باليومية، يعني باخد 60 جنيهاً في اليوم. لمَّا أروح الروبيكي هادفع 15 جنيهاً في المواصلات يعني 30 جنيهاً في اليوم. طب أعيش ازاي؟ وإحنا هنا كلنا عمال باليومية، يعني ممكن أُطرد أي وقت وممكن تحصلِّي أي إصابة ومعرفش اشتغل تاني". أقنعني موقفه فاستوعبت أن علاقة الناس بالفراغ وتقنينهم لوضعهم فيه وعلاقتهم اليومية به مرتبطة بشدة بقيمة العمل والنشاطات التي تربط الناس بالمكان وبعمران المدينة.
قيمة العمل تُرسِّخ الكثير من المبادئ في فهم حياة البشر، وكيف أن ما يستطيعون فعله وقدرتهم وتمكينهم من حرفة وعمل يعطيهم قيمة للوجود وللاشتراك في المجتمع ومعه وفيه. قررت خوض المعركة مع أساتذتي في الجامعة حول سؤال "لماذا أدافع عن عدم نقل المدابغ، وما الذي أملكه من حلول؟"، علما أن بعض هؤلاء الأساتذة هم من يدرِّسوننا علم التخطيط العمراني وبعضهم يدعو "لنقل جميع الحرف والصناعات الى خارج المدينة"، وقد يكون مشتركاً بالفعل في الخطة الحكومية لنقل المدابغ.

أبراج بدل المصانع

في أواخر التسعينيات، ومن الأمثلة الحية التي أثرت على حياة مجموعة من البشر، ما خص هدم عدد من المصانع والورش بمنطقة رملة بولاق لبناء أبراج "نايل سيتي" في المكان ذاته.. فتشرَّد مئات العاملين والعاملات من تلك المنطقة. وبموازة بناء الأبراج، نجد العديد من القصص التي تتعلق بحياة السكان: أم كيمو سيدة في أواخر الستينيات من عمرها، تقطن في منطقة عشش الكفراوي في رملة بولاق وتبيع يوميا مكرونة بالصلصة. في شبابها كان زوجها هو صاحب هذه المهنة وكانوا يبيعون سوياً في الحديقة التي تقع بين عشش الكفراوي ونهر النيل، بجوار الورش والمصانع (صورة 3). وهي المنطقة نفسها التي كان يستخدمها السكان ليلاً للترفيه عن أنفسهم. تحكي أم كيمو كيف أن العمال والعاملات كانوا يأكلون نهاراً من عربتهم فيما يكون الزبائن ليلاً من الشباب والعائلات الذين يرتادون الحديقة. مع بداية بناء الأبراج طردوا من الساحة من قبل الشرطة واضطروا للدخول إلى العشش التي بني سور بينها وبين الحديقة، التي استولت عليها محافظة القاهرة ولم تصبح عامة بعد.
مات زوج أم كيمو لاحقا وتزوج جميع أبنائها وبناتها وأصبحت تعيش وحيدة. تعمل نهارا من العاشرة صباحاً حتى الواحدة ظهراً أو حتى تنفذ أطباقها. تعمل الآن من داخل مطبخها المنزلي وباب بيتها في الدور الأرضي مفتوح دائما يطل على ساحة صغيرة يتفرع منها عدد من الحارات. يدخل العشرات وقد يصلوا لمئة طفل وطفلة وشاب وشابة يوميا من بابها، يعبرون صالتها الى مطبخها ليجدوها أمام موقدها وأمامها عدد من الأواني الكبيرة (صورة 4) ويبدأون في طلب ما يشتهون من صلصلة حارة أو أخرى ببصل أو أرز بالمكرونة ليتحول الطبق الى "الكشري" المصري المعروف. هناك حوار يومي بين أم كيمو وكل زبائنها عن أحوالهم، عن آبائهم وأمهاتهم، لا تخلو الحوارات من شتائم أم كيمو تأنيباً لهم عما فعلوه أو عما حكوه. وأحيانا تتضمن الحوارات رسائل من أم كيمو الي ذويهم تحتوي على لوم أو عتاب على تصرف أو تهنئة على آخر. تأتي إحدى البنات التي تبدو صغيرة في السن وتفاجأ أم كيمو بها وتقول لها: "بتعملي ايه هنا؟ جايه تزوري أمك ولا في ايه؟"، ويتضح من صمت الفتاة أنها على خلاف مع زوجها وأنها تركت بيتها وتقطن مع أمها مؤقتا، وتسترسل أم كيمو في نصائحها وتقول لها: "ماهر مش هيعملك كل حاجة، لازم تشتغلي وتعتمدي على نفسك وتتعلمي حاجة تنفعك عشان لو حصل أي حاجة متدوريش على اللي يصرف عليكِ وتنفعي نفسك".
خلال حكايتها لي عن الظلم الذي لحق بهم جراء نقلهم من الساحة الأمامية وحتى وصولها لأن تبيع من داخل منزلها، لم تكف عن التحدث عن علاقتها برملة بولاق وبالمنطقة وسكانها. عرض عليها جميع أبنائها أن تكف عن العمل، خصوصا مع كبر سنها، وأن تعيش مع أحدهم، ولكنها رفضت بشدة: "إزاي أسيب منطقتي وبيتي. الشغل نعمة. بأصحى من الفجر وأبيع لحد الظهر. وبعدها بأريح شوية وأقوم أقعد قدام البيت مع جاراتي ونتكلم سوا. وقبل ما أنام بأجهز لشغل اليوم اللي بعده، والحمد لله يوم الجمعة ولادي وأحفادي بيجوا يزوروني وبنقضي اليوم سوا".
فهم طبيعة التكوين المجتمعي وتاريخيته في المناطق، وخاصة تلك التي تحتوي مناطق يطلق عليها "عشوائيات" بينما هي "بُنى أهالي" ، تسكنها فئات وطبقات مهمشة، وعلاقته بعمران المناطق ينبغي أن يدرك النشاطات اليومية ليمكن فهم علاقة الناس بالعمران. المثالان المستخدمان هنا من منطقتين (مصر القديمة وبولاق) يختلف تكوينهما العمراني والفراغي والمجتمعي الواحدة عن الأخرى، ولكن جوهر علاقة السكان بالعمران، الذي يترسخ من خلال منظومة النشاطات اليومية والعمل هو ما يشكل طبيعة التحركات اليومية، وهو ما يشكل أيضا قيمة المكان في نظر ساكنيه ويربطهم به.

للكاتب نفسه

عاصمة أخرى لمصر، تتلافى "25 يناير" أخرى

أمنية خليل 2018-09-06

كان مشروع جمال مبارك و"لجنة السياسات" التخلص من المجتمع وهمومه والمسؤولية عنه، والاكتفاء بما قُدّر وقتها بـ5 ملايين مصري "نافع". وهنا فلن يتمكن الناس من الوصول الى العاصمة الجديدة، ولا...