المجال العام في دول الخليج

استثمرت الأنظمة الحاكمة في الخليج في المؤسسات التقليدية منذ تشكل المفهوم الفوقي للدولة في المنطقة بعد اكتشاف النفط، وذلك لغايتين أساسيتين: الأولى محاصرة تخلّق مجال عام مستقل ومؤثر. والثانية بناء منظومة مسيطرة على الفرد والمجتمع ومقولِبة له وفق ما تراه النخب السياسية والاقتصادية، وموجِهة له لتوليد شبكات مصالح علائقية تكفل الحد الأدنى من العيش، على حساب منظومة القيم الإنسانية الكلية القائمة، في
2015-09-16

سعيد سلطان الهاشمي

باحث من عُمان


شارك
جوخة الجساسي - عُمان

استثمرت الأنظمة الحاكمة في الخليج في المؤسسات التقليدية منذ تشكل المفهوم الفوقي للدولة في المنطقة بعد اكتشاف النفط، وذلك لغايتين أساسيتين: الأولى محاصرة تخلّق مجال عام مستقل ومؤثر. والثانية بناء منظومة مسيطرة على الفرد والمجتمع ومقولِبة له وفق ما تراه النخب السياسية والاقتصادية، وموجِهة له لتوليد شبكات مصالح علائقية تكفل الحد الأدنى من العيش، على حساب منظومة القيم الإنسانية الكلية القائمة، في حدها الأدنى، على العدالة والحرية والمساواة.

التضامنيات كوسيلة للتحكم

سعت أنظمة الحكم في الخليج إلى تكوين تضامنيات جديدة مساندة وداعمة لوجودها وحركتها الاجتماعية والاقتصادية، وبالنتيجة السياسية. يُتاح لهذه التضامنيات التعبير عن نفسها ضمن مؤسسة الحكم، وبواسطة رؤساء معينين أو محددين تعترف بهم السلطة ابتداء. وبما أن الدم والدين والمال هي أبرز ما يمكن أن يُمايَز به الفرد في المجتمعات ذات البنى التقليدية، فقد استطاعت الأنظمة في المنطقة مأسسة هذه العوامل المُمايِزة بحيث لا يستطيع الإنسان الفرد أن ينفك من أحدها إذا ما أراد التعريف عن ذاته ووجوده. كما تم نسج منظومة تكوين معرفي وثقافي عبر هذه المؤسسات المُصَنِّفة للفرد، استطاعت مع مرور الزمن حصر الإنسان كمجموع متفق على الحكم عليه والتعامل معه، لا كفرد له الحق في أن يبدأ طريقه الخاص به في التعرف على الحياة والتعبير عن فهمه لها. بل مكّنت السلطة المركزية بعض أفراد هذه التضامنيات من استخدام المال العام في تكريس المصالح الفئوية لضرب مفهوم العدالة الاجتماعية في الصميم. يظهر ذلك جلياً في فرص التعليم (العالي منه على وجه التحديد)، الخدمات العلاجية، فرص التوظيف في القطاع العام، تراخيص الوكالات التجارية، فرص الإسكان والأراضي، بل وحتى تراخيص دخول القوى العاملة لدول الخليج والتي هي، في إطارها الحالي، ليست أكثر من سوق نخاسة حديث.
كما حرصت الأنظمة الحاكمة، منذ البداية، على ألا تأخذ هذه التصنيفات صفة المؤسسية على الميدان، لكي لا تراكم تقاليد إدارة لمجموع الإرادات المكوِّنة لها، بل تتعامل معها السلطة كأفراد، هي تعرف متى تلجأ إليهم، وكيف تستثمر وزنهم الاجتماعي وعمقهم الروحي للتحشيد حولها في وقت ضعفها، ولضعضعة الصفوف في الوقت الذي تلوح فيه بوادر إدراك شعبي لمركزية الجماهير ورغبتها في التغيير.

أمثلة

شيوخ القبائل: وهم الذين تتعامل معهم الحكومة على المستوى المحلي وتدير شؤونهم وتعييناتهم وتصنيفاتهم ومنح امتيازاتهم عن طريق وزارات الداخلية ودواوين الحكم.. بعد أن عملت السلطة على إعادة إنتاج القبلية كمفهوم وشكل، وفق مقاييس تناسبها وتتوافق مع معاييرها. فالنمو الذي حققته مؤسسات الدولة (على وجه الدقة هنا المؤسسات الأمنية والتنفيذية) خفف من اعتماد الفرد على القبيلة، خاصة في تلك الشؤون المتعلقة بأمنه وتفاصيل معاشه اليومي المباشر.
التجار: وهم كبار التجار ورؤساء العائلات التجارية، كما تمثلهم عادة غرف التجارة والصناعة. بالإضافة للوزراء والتنفيذيين السابقين، وتجار إقامات العمالة الأجنبية، وملاك العقارات والأراضي الذين أثروا من امتيازات قربهم من السلطة، واستفادوا من احتكارها للقوة والثروة ومن رشى ومحسوبيات أصحاب النفوذ طوال العقود الماضية.
شيوخ المذاهب: وهم عادة الأسماء البارزة في المذاهب الإسلامية: كالسنة والشيعة والإباضية (وتمتد هذه السيطرة حتى على الأديان المتعايشة في المنطقة كالمسيحية والهندوسية)، حيث توجههم السلطة للسيطرة على أتباع مذاهبهم في أوقات الصراع الاجتماعي والأزمات الاقتصادية. وتتكفل السلطة المركزية بإجراء رواتب لهم وامتيازات تبقيهم على ارتباط وثيق وعلاقات شبكية متصلة مع بقية تضامنيات السلطة كشيوخ القبائل والتجار والوزراء.
مجالس إدارات الجمعيات المهنية وجمعيات النفع العام: والتي هي نتاج لقوانين وضعتها السلطة المركزية أو اقترحتها على المجالس الاستشارية التي تتحكم بها. لا تفعل هذه الإدارات غير تكريس الحفاظ على الوضع القائم ومحاصرة أي تغيير أو وعي قد يتبرعم في هذه القطاعات نتيجة علاقات العمل والاهتمام والآمال المشتركة.

دور صمام الامان

الاحتكار الفعال لمصادر الثروة والسلطة في أي مجتمع، وإنْ أظهر استقراراً وسكوناً ودعة، على المدى المتوسط والبعيد، فنتيجته هي الركود الاجتماعي، والهشاشة الاقتصادية، وانسداد الأفق السياسي، واستبدال علاقة المواطَنة بعلاقات مُساكنة هشة، تُحركها المصالح، ويسيرها الخوف والرجاء. وتلعب عوامل العصبية القبلية والفئوية والطائفية والمذهبية دوراً حاسماً في التقريب والإقصاء من دوائر الثروة والسلطة، أكثر مما تؤثر عوامل الكفاءة والجدارة والعصامية. كل ما ينجزه هذا الاحتكار هو التجميد القسري للقوى الاجتماعية في تقسيمات مفتعلة تهدف إلى المحافظة على ترتيبات وتوازنات آنية، وعلاقات اجتماعية مزيفة، ومتحكم بها من قبل سلطة متغوِّلة، في الأغلب أمنية، بحكم القوة والغلبة، وتشاركها من وراء حجاب أوليغاركية رأسمالية صغيرة جداً ومتضامنة، لا هم لهما إلا الحفاظ على الوضع القائم (Status Qu) مهما استنزف ذلك من موارد البلاد المادية، وهدر الطاقات البشرية، وفوت فرص الإبداع الخلاق لأجل تنمية إنسانية مستدامة.
ما أحدثه الربيع العربي في هذا المقام أنه كشف هشاشة هذه التضامنيات السلطوية والعصبويات الجديدة. وضعها أمام مشرحة الرأي العام، ومراجم وسائل التواصل اليومية. بل أن الرأي العام ذاته رأى كيف تخلت عنه هذه المنظومات النفعية عندما حاصرته الأنظمة الحاكمة بتضييق هوامش حرياته وممارسة حقوقه الأساسية، ووقفت في صف الجلاد لا في صف الضحية. رغم أنها، أي التضامنيات التقليدية، من أبرز من استفاد مادياً وجهوياً من مرحلة ما بعد الربيع العربي، إذ تم ضخ أموال طائلة لتأمين أمد ولائها دون أن تطلب ذلك في الأساس. ونالت تمكيناً أوسع وشراكة أكبر في صناعة القرار لتسد أي ثقوب متوقعة في منظومة الحكم بعد أن كشفتها سهام النقد الذي وجهه، وما زال، الشباب والفئات المهمشة في المنطقة. بكلمة واحدة، استطاعت هذه التضامنيات إعادة التمركز في النظام الحاكم لاستعدادها التكويني لأن تمارس دور صمام الأمان الفاعل في وجه الخيارات الجديدة المتثملة في الشباب وبعض النخب الثقافية والفكرية التي أبرزتها وسائل التواصل الجديدة.
بيد أن تلك النخب نفسها بدت باهتة، فردية، مشتتة، من السهل تحييدها، وكثير منها نخبوي فوقي لا يلامس خطابه احتياجات الناس الضرورية. مما سهل على الطرف الأقوى، أي الأنظمة الحاكمة، اختراقها، وتنويع طريقة التعامل معها إما بالاحتواء المادي من خلال توزيع المال والمناصب والمكاسب المادية الصغيرة، أو الإقصاء، إن لم تفلح الأولى، وهو ما يخشاه القطاع الواسع من هذه الفئة. إذ لا طاقة لهم على تحمل عواقب الاغتيال الاجتماعي، ولا الحصار الاقتصادي في الوظيفة والراتب، ولا العقاب الأبرز والأسهل بيد السلطات الحاكمة اليوم، ألا وهو السجن بتهمة إثارة الشغب والتحريض ضد نظام الحكم، أو إثارة الفتنة والنيل من مكانة الدولة...

خلاصات

هل بمقدور المجال العام الجديد، في مظهره الافتراضي على الأقل، توليد مؤسسات مدنية مستقلة ومتماسكة ومقنعة، تكون بمثابة بديل عن المؤسسات التقليدية؟
في ظل تجريم العمل الحزبي، والسيطرة على القطاع النقابي، والتحكم الدقيق بجمعيات النفع العام، بل في ظل المنع والتربص بأي لقاء في مقهى أو تجمع في مكان عام وتحريم ذلك بنصوص القانون، فإن ميلاد مؤسسات مجتمع مدني مستقلة وفاعلة يبدو انتحاراً جماعياً يتحاشاه الناس ويتجنبون حتى الحديث عنه.
بقي الرهان على تجذير وعي الغياب لهذه المؤسسات. وهو ما يعني إبراز حالات الفراغ والضعف والهشاشة التي تعانيها قطاعات المجتمع المختلفة جراء ذلك، والتركيز على أوجه قصور التنمية العرجاء، التي لا تأخذ في حسبانها إلا النمو الاقتصادي دون اعتبار للتنمية الإنسانية الأوسع، التي تتمركز أساساً على الإنسان بكامل حقوقه وحرياته الأساسية، بإشراكه في عمليات الإدارة العامة والحكم، مع ضمان نظام محاسبة ورقابة وتقييم شفاف لها، يسعى لتحقيق التوازن المطلوب للاحتياجات الضرورية للحياة البشرية وفق احترام مبادئ الحرية الفردية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وبقي أيضاً أن تتحمل النخب الثقافية والفكرية مسؤولياتها في سد فراغات الغياب لمؤسسات المجتمع المدني وفعاليات المجال العام، وأن تتجاوز تصنيفاتها الأيدلوجية الضيقة، وأن تركّز على عصب الخلل لا فروعه. هذا العصب المتمثل في الاستبداد بالسلطة المطلقة واحتكارها وتوريثها، وهدر الطاقات البشرية والطبيعية والزمن. ولا بد لها من الاشتغال على نحت وعي بثقافة سياسية تُؤْمن بالتعدد، وقبول المختلف، وتحفظ للبشر حرياتهم الفردية، وتصون خياراتهم الشخصية. مع التنبه، وعدم الانجرار خلف خطابات الكراهية القائمة على الطائفية، والمذهبية، والقبلية، والتي هي في المجمل أو المفرد قنابل موقوتة ستنفجر إنْ عاجلاً أم آجلاً.
هذه النخب (بمفهومها الواسع والمتجاوز للأطر التقليدية) أمام مسؤولية أخلاقية كبيرة إذا ما أرادت التأثير صدقاً وعمقاً، بسبب ما يتوفر لها اليوم من وسائل تواصل واتصال سهلة ومجانية. فهل هي مدركة لهذه المسؤولية؟ الزمن القريب كفيل بالكشف عن الإجابة مهما كانت باهظة الثمن.. ولادة جديدة يتوجب على الجميع تحمّل مخاضاتها وتعثراتها، حتى لا يستمر الخليج في نثر هِباتِه على الرمال كما وصفه يوماً شاعر العراق الكبير بدر شاكر السياب: ".. وينثر الخليج من هباته الكثار على الرمال رغوه الأُجاج والمحار وما تبقى من عظام بائس غريق..".

للكاتب نفسه