عن الإنسان وربيع الخليج الحائر

لم تمر أحداث ربيع العرب على الإنسان الذي يعيش في دول الخليج العربية مروراً عابراً. بل أحدثت فيه، وحوله، ومعه، تغييراً جذرياً في طرق تفكيره ورؤيته لذاته ولكل ما يُحيط به من منظومات سائدة وأفكار متسيدة. وإن بدا هذا الربيع للكثيرين حائراً، مرتاباً، ومتردداً، إلا أن مسار الأحداث التي أعقبت تلك اللحظة العربية التاريخية الفارقة يُنبئ بتحولات مستقبلية لافتة على مستوى الإنسان والدولة والمجتمع.
2015-04-23

سعيد سلطان الهاشمي

باحث من عُمان


شارك
حسن المير - عُمان

لم تمر أحداث ربيع العرب على الإنسان الذي يعيش في دول الخليج العربية مروراً عابراً. بل أحدثت فيه، وحوله، ومعه، تغييراً جذرياً في طرق تفكيره ورؤيته لذاته ولكل ما يُحيط به من منظومات سائدة وأفكار متسيدة. وإن بدا هذا الربيع للكثيرين حائراً، مرتاباً، ومتردداً، إلا أن مسار الأحداث التي أعقبت تلك اللحظة العربية التاريخية الفارقة يُنبئ بتحولات مستقبلية لافتة على مستوى الإنسان والدولة والمجتمع.
"الرّبيع العربي" كفكرة وممارسة، مع الخيبات التي تلته، لا بعيداً عنها، تجاوز ذاك الإطار الذي رغبت الذهنية التقليدية وضعه فيه، من أنه ثورة جياع باحثين عن خبز وفرص عمل لا أكثر. تجاوزته، لأنّها في الأساس كانت لأجل كرامة الإنسان وتحققه الوجودي، لأجل إدراكه لقيمته المطلقة في الحياة، وتنميتها كشريك فاعل في إبداع وإدارة نوع وشكل الحياة التي يستحقها. لذا فإن القول بعزلة وتحصّن الدولة الريعية العربية المتمثلة بنموذج دول الخليج (بنفطها وثرواتها المالية الكبيرة وترساناتها الأمنية المتغولة) عن ارتدادات الربيع العربي فيه تسطيح، بل تسليم بأحكام مسبقة تتغافل عن الطبيعة الديناميكية التي عاشتها وتعيشها المجتمعات في هذه المنطقة وتفاعلها مع المحيطين العربي والدولي.
فكما أن الأنظمة الخليجية الحاكمة لم تقف مكتوفة الأيدي تجاه أحداث "الربيع العربي" فتحركت استباقياً لمحاصرة الحالة الثورية وتقليل تمددها داخلياً واقليمياً، كذلك كان حال الإنسان في هذه الدول الذي لم يَعُد ينظر للأفكار والأحداث المحيطة به بالطريقة نفسها التي اعتادها في السابق. انعكس ذلك كله على المجال العام الذي يضم الطرفين: الأنظمة الحاكمة والأفراد، فنتجت تحولات كثيرة، بعضها ظاهر، قد يُطمئن السلطة آنياً ويشعرها بنشوة التفوق، إلا أن الكثير منها كامن، بالغ الأثر، وعميق التشكّل والإشكال على المدى البعيد، لذا فهو جدير بالمتابعة والدراسة والبحث.
رصد التغيير
من الضروري تتبع أسئلة التغيير هذه، وإعادة إثارتها، والبحث عن مؤشرات عملية لها، وتقديم مداخل لقراءات تحليلية عنها، من واقع ما حدث من تفاعلات بين الأطراف الثلاثة: الإنسان والمجتمع والأنظمة الحاكمة في دول الخليج العربية، حتى يُمْكننا فهم هذه التحولات وفق سياقاتها لا وفق ما تحاول أن تُنمّطه لنا وسائل الإعلام المدفوعة بالمخاوف في وجه أي تغيير. فوفق نظرتها، يكون التغيير منزوع الثقة إذا لم ينبع من السلطات القائمة والمُجربة سلفاً، دينية أو اجتماعية أو سياسية. هذه المخاوف تُعدّ النتيجة والسبب في الوقت نفسه، كالطائفية والقبلية وكافة العصبويات المُقاوِمة لتطور المجتمعات وتنوير أفراده، لا تنظر أبعد من الحفاظ على تلك المنظومة الضيقة المتناقصة من المصالح الفئوية على حساب الإنسان وحرياته الأساسية. وهذا ما يقودنا إلى سؤال الراهن: هل راهن العلاقة بين الإنسان والدولة في المنطقة هو ذاته قبل تلك الأحداث؟
في أواخر عام 2010 ومطلع 2011، كان لا يزال الإنسان في منطقة الخليج يعيش دهشة الحالة الثورية التي صدمت بها تونس الوضع العربي الساكن واليائس من أي تغيير منذ أربعة عقود مضت على الأقل. وضعت هذه الثورات في تونس وبعدها في مصر وليبيا واليمن وسوريا، الإنسان، خاصة جيل الشباب منهم، في مواجهة أسئلة وجوده، ومصيره، وخياراته، وطبيعة علاقاته مع من يحكمه ويدير موارده وثرواته، بعيداً عن الأطر الإيديولوجية والسياسية والثقافية السائدة، على الأقل في السنة الأولى من عمر الحدث، وهذا ما اتضح باكراً في البحرين وعُمان بشكل أكثر مما حدث في السعودية والكويت والإمارات وقطر.. وذلك قبل أن تلتف القوى التقليدية، الداخلية والخارجية معاً، وتعيد اختراق الصفوف، وتُحوِّل المسار وفق مصالحها، ولفائدة جماعاتها السياسية، سواء المسيطرة قبل ذلك على الدولة، أو الطامحة للاستحواذ على السلطة بعد إذ.
ولأن الإنسان في الخليج ما زال يعيش تحت حكم قلاع حصينة لأنظمة حكم شمولية التشكّل والمنزّع، فقد كانت تحولات العلاقة بينه وبين الدولة القائمة التي تدير يومياته وتتحكم في تفاصيله الصغيرة غاية في الدقة والحساسية.
ولعله من المبكر تحديد هذه التحولات بشكل نهائي وجازم. فالحدث ما زال في بداياته، والحركة الارتدادية التي قامت بها الأنظمة الحاكمة في منطقة الخليج تجاه "الربيع العربي" ومظاهره عميقة وساحقة، سواء على مستوى الدرجة أو في تفاصيل النوع. لأنها، أي الأنظمة، رأت فيه وفي أفكاره تهديداً خطيراً لوجودها ومستقبل بقائها. لذا، نجدها استبقت وصوله لشواطئ الخليج عن طريق محاصرته في الداخل، وتمويل مشروع مضاد - مكتمل الأركان: إعلامي، دبلوماسي، مالي، وعسكري - للانقلاب على القيم التي يطالب بها في عقر دياره سواء في القاهرة أو تونس أو صنعاء أو طرابلس أو دمشق.
آليات عمل سلطات الخليج
أحد أبرز أوجه الحصار الداخلي للربيع هو حصاد الأنظمة لثمار ما زرعته طوال العقود الأربعة الماضية. إذ لا يزال مفهوم الدولة المرتكز على تعزيز قيم المواطنة القائمة على أسس تكافؤ الفرص والمساواة يعاني عدم الاستقرار والرخاوة في ذهنية الحاكم والمحكوم على حد سواء. في مقابل ترسّخ مفهوم القبيلة المتمظهر في الطاعة والولاء والرضا بما يقسمه رأس القبيلة من غنائم ومكاسب.
وهنا يبرز التحدي الأعمق لراهن العلاقة بين الإنسان والدولة في المنطقة. مفهوم الدولة عانى في منطقة الخليج، وما يزال، تعسراً في الولادة والتشكل، آثاره ونتائجه ماثلة للعيان حتى هذه اللحظة. لقد دخلت هذه المجتمعات مباشرة، بلا استثناء، في تجربة الدولة الريعية المعتمدة على صرف عوائد النفط بعد مرحلة الاستقلال الظاهري عن الاستعمار البريطاني في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. في هذه المرحلة استماتت الأسر الحاكمة، والفئات الملتفة حولها في تعزيز نفوذها، وتكريس سيطرتها على المجتمع والناس، بالوفرة المالية الضخمة، وبمساعدة المستشارين الأجانب، وبدعم سياسي من الغرب الطامع في الثروات، متخذةً صعود حركات التمرد والمقاومة في تلك الفترة كمبرر وجودي لشرعيتها، حفاظاً على كيان "الدول الوليدة". كما تم استثمار انعكاسات الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي في تعزيز أركان الأسر الحاكمة، وتنميط أنظمة سياسية تناسب احتياجاتها وتطلعاتها، وليس بالضرورة أحلام وآمال الناس، مستغلة الفقر والجهل والأمية التي عانى منها إنسان هذه المنطقة في تلك الفترة. الأمر الذي قادها مباشرة من مرحلة القبيلة، لمرحلة الدولة الريعية، ثم إلى مرحلة الدولة التسلطية التي تحتكر بطبيعتها كل مصادر القوة والسلطة والثروة والنفوذ في المجتمع لمصلحة الطبقة أو الفئة الحاكمة.
هذا الظرف التاريخي مكّن الأسر الحاكمة في منطقة الخليج وأجهزتها التنفيذية من تحقيق اختراق فعّال لثلاث مفاصل مهمة لتكوّن أي دولة: اخترقت اولاً المجتمع المدني وشكّلت مؤسساته لتعمل كأجهزة تابعة لمصالح الأنظمة الحاكمة. كما اخترقت ثانياً النظام الاقتصادي عن طريق الاستيلاء على الفائض الاجتماعي وفائض القيمة من أي نشاط اقتصادي وتجاري للأفراد والجماعات، سواء الأنشطة القائمة على استخراج وتصدير النفط وما يصاحبه، أو تلك القائمة على قطاع الخدمات سطحي الفوائد والأثر في عمق الاقتصاد الكلي للدولة والمجتمع. وأخيراً عملت هذه الأنظمة على تطعيم النظام السياسي القائم بـ "ديمقراطية إجرائية" وإشغال المجال العام بها بواسطة هيئات استشارية صُوَرية جاءت عن طريق انتخابات شكلية، أو تعيين شخصيات ذات ولاء مضمون للنظام، والتحكم بتعيين حكومات أبدية الوجوه والشخصيات.. إلا ما ندر، حكومات غير ممثلة لتطور وعي المجتمع والناس بشكل مباشر.
كما اشتغلت على تكريس القبضة الأمنية والعسكرية في أدق جزئيات حياة الأفراد والجماعات، بالتوازي مع بناء جهاز إداري ضخم يقوم على الولاء لا الكفاءة. ولم تنسَ تكوين مؤسسات قضائية غير مستقلة، أفرادها يكرسون النظم التقليدية السائدة، كما لا يتورعون عن المفاخرة بكونهم أدوات طيعة في يد السلطة التنفيذية والأمنية. كل ذلك مُحاط بإغراق إعلامي هائل الكم، يروج لصواب سلوكيات الأنظمة القائمة، وأفكار قادتها ومن يدور في فلكهم، ويُحارب ويُقصي كل رأي مختلف أو مستقل عن هذا التحالف الضخم من الأجهزة البيروقراطية والحكومات وشركات صناعة الإعلام. هذا بالإضافة إلى غياب تنظيمات اجتماعية وسياسية مستقلة عن النظام الحاكم، بل تجريم ميلادها أصلاً بنص القانون، كالأحزاب والجمعيات السياسية والفكرية المختلفة.
لكن..
بيد أن الإنسان في المنطقة لم يسمح بمرور هذا الحدث، أي الربيع العربي، دون أن يُحدث له فرقاً على مستوى الوعي أو حتى المكتسبات الميدانية. وهي رغم ضآلتها، وتقليل الغالبية لشأنها، إلا أنها تُحسب نقاط تقدم للمجتمع والدولة والناس عما كان الوضع عليه قبل هذا الحدث المفصلي.
وهذا يُلمس بشكل جلي في تصاعد المطالبات الشعبية بضرورة تطبيق وضمان الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة تلك المتمثلة بالحقوق المدنية وتوسيع المشاركة السياسية، واختبار الناس لحقوق وحريات ظلت أفكاراً مكتوبة لفترة طويلة، كحق حرية التجمع السلمي وحق حرية التعبير، مع تطور ملحوظ لحس الرقابة الشعبية (أبسطها عبر وسائل التواصل الحديثة) على آليات الصرف، وتوزيع الثروة، في ظل تضخم مارد البطالة وأعداد الباحثين عن أمل وعمل في المستقبل القريب. وهذا يشمل الذين لا يطمحون بفرص عمل فقط، بقدر طموحهم بفرص مشاركة فاعلة في صناعة قرارهم، وقرار أجيالهم القادمة. كل ذلك، يُنْبئ بتحولات مفصلية في وعي الإنسان الذي يعيش في هذه المنطقة، وإن كانت بشكل متثاقل الخُطى.

 

للكاتب نفسه