مجلس أولياء الأمور والدور المفقود

غياب التعاون الوثيق بين الأسرة والمدرسة، وضعف مشاركتهما الفعّالة في العملية التربوية والتعليمية، وغياب آليات عمل تحدّد بوضوح أشكال هذا التعاون الإيجابي وأنماطه التي لا غنى عنها في "مجتمع المعرفة" هي السمات الغالبة على مدارس التعليم الرسمي في العديد من البلدان العربية. فالسائد في طبيعة العلاقات بين الأسرة والمدرسة هو أشبه بما يمكن أن نطلق عليه متابعات فردية، أو مراجعات عفوية، أو
2015-12-15

موسى بيطار

كاتب من سوريا


شارك
أسوشيتد برس

غياب التعاون الوثيق بين الأسرة والمدرسة، وضعف مشاركتهما الفعّالة في العملية التربوية والتعليمية، وغياب آليات عمل تحدّد بوضوح أشكال هذا التعاون الإيجابي وأنماطه التي لا غنى عنها في "مجتمع المعرفة" هي السمات الغالبة على مدارس التعليم الرسمي في العديد من البلدان العربية. فالسائد في طبيعة العلاقات بين الأسرة والمدرسة هو أشبه بما يمكن أن نطلق عليه متابعات فردية، أو مراجعات عفوية، أو اجتماعات شكلية. أسباب هذا الغياب عديدة ومتنوعة، أبرزها عدم اكتراث المؤسسات التربوية الرسمية بأهمية هذا التعاون.. ثم تدني الوعي الأسري الذي يشكل تحدياً كبيراً أمام تحقيق شراكة مستقبلية جادة ومثمرة بين الأسرة ومدارس التعليم الرسمي. 

سوريا نموذجاً 

يتألف النظام الداخلي لمدارس مرحلة التعليم الأساسي في سوريا، والصادر عام 2004، من مئة وعشر مواد، تتوزع على أربعة عشر فصلاً . ثلاث مواد فقط  تطرقت باقتضاب وإيجاز شديدين إلى الحديث عن التعاون بين المدرسة والأسرة، ولكن دون الخوض في التفاصيل العملية أو الإسهاب في استنباط معالم شراكة وثيقة ذات منظور تنموي. وفي مطلق الأحوال يعكس هذا التقصير حالات سلبية تتمثل في السرديات الإنشائية والخطابية السطحية، وعدم الإطلاع الكافي على تجارب الآخرين الناجحة. فقد جاء في المادة 107: "التعاون بين المدرسة والبيت دعامة قوية من دعائم التربية الحديثة، ويتم ذلك من خلال مجلس الأولياء بهدف توطيد التعاون وتوثيق الصلة بين المدرسة والأسرة، ويُدعى الأولياء لزيارة المدرسة، والوقوف على مختلف أوجه النشاط فيها، والمشاركة في بحث القضايا التي تساعد المدرسة على تحقيق رسالتها التربوية والقومية ". هذه المادة لم توضّح ماهية التعاون ومعالمه المواكبة لأحدث التجارب التربوية والتي كان من المفترض أن تتجاوز التربية الأيديولوجية السائدة نحو أفق تعددي وتشاركي. كما جاء في المادة 102: "يهدف مجلس الأولياء إلى توطيد التعاون وتوثيق الصلة بين المدرسة والأسرة في سبيل النهوض بالعملية التربوية والارتقاء بها نحو الأفضل، والاهتمام بالبيئة المدرسية ونظافتها، والمحافظة عليها..". ينقص هذه المادة تحديدٌ دقيق لأهداف مجلس أولياء الأمور ومهامه، وبرامج تفعيل دوره في مساعدة المعلمين والإدارة المدرسية، وفي نشر الوعي بالمشكلات البيئة التي تتجاوز محيط المدرسة.
الملفت أنّ هذه المادة لا توضّح كيفية تشكيل مجلس أولياء الأمور في المدارس الرسمية ولا عدد أعضائه. لكنها تحدّد الأعضاء الآخرين: "ويشارك في مجلس الأولياء أعضاء الهيئتين الإدارية والتعليمية أو التدريسية، بما فيهم المرشد الإجتماعي أو المرشد النفسي والتربوي، والموجّه التربوي، أو الإختصاصي المشرف على المدرسة، وممثّل عن المنظمة الشعبية المعنية (يُقصد هنا منظمة طلائع البعث واتحاد شبيبة الثورة)، وممثّل عن نقابة المعلمين واللجان الخاصة بالتعليم الإلزامي" . كما تحدّد مواعيد انعقاده، وانتخاب ممثلي أولياء الأمور في مجلس المدرسة: "يُعقَد مجلس الأولياء مرة واحدة في كل فصل دراسي وكلما دعت الحاجة: بعد شهرين من بداية الفصل الدراسي لمناقشة القضايا التربوية، وانتخاب بعض الأولياء كأعضاء في مجلس المدرسة، ولجنة الانضباط، ولجان الأنشطة الأخرى".

غياب الانتخابات 

يُلاحظ ممّا ورد في المادتين السابقتين اتسامهما بطابع العمومية والإنشائية. كما يُلاحظ تغييب إجراء أيّ انتخابات لمجلس أولياء الأمور داخل مدارس التعليم الرسمي، وكأنّ الانتخابات حكراً على المدارس الفرنسية والأمريكية  التي كانت موجودة  في مدينتي دمشق وحلب قبل الأزمة السورية.علماً أنّ أغلب طلاب تلك المدارس، كانوا مشروع تصدير للخارج. كما كان أغلبهم من أولاد كبار المسؤولين، والتجّار والصناعيين. أمّا الإشارة اليتيمة في استخدام عبارة "انتخاب بعض الأولياء كأعضاء في مجلس المدرسة" فينقصها تحديد الآليات الديمقراطية لهذا الانتخاب. ويُلاحظ أيضاً من خلال العودة إلى المادة  103 من النظام الداخلي نفسه، أنه لم يتم أيّ تحديد دقيق لطرائق تأليف مجلس الأولياء، وإدارة اجتماعاته، وجدول أعماله، حيث نجد أنّ المادة المذكورة قد أناطت هذه الأمور الهامة بتعليمات وزارية، لكنها لم تصدر بعد: "تُحدّد كيفية تأليف مجلس الأولياء وتنظيم اجتماعاته وأعماله بتعليمات وزارية". ومع عدم صدور أيّ تعليمات وزارية منذ عام 2004 حتى يومنا هذا،  نستطيع أن نستنتج أنّ مجلس أولياء الأمور كان حبراً على ورق، وكان غائباً عن مدارس التعليم الرسمي في مختلف المدن والأرياف السورية. فلا انتخابات ولا فرز أصوات. وينطبق الأمر ذاته على النظام الداخلي لمدارس التعليم الثانوي، الصادر عام 1994، فلا نجد أيّ خلاف جوهري بينه وبين ما ورد في المواد الثلاث السابقة من النظام الداخلي لمدارس مرحلة التعليم الأساسي، باستثناء إضافة طفيفة تحدّثت عن "إشراك الأولياء بالمحاضرات والحفلات التي تقيمها المدرسة في المناسبات الاجتماعية والقومية المختلفة"، وكأنّ دور أولياء الأمور يقتصر فقط على سماع محاضرة، أو حضور حفلة، أو المشاركة بحلقة دبكة في مناسبة وطنية.

البحث عن دور جديد لوزارة التربية

تفعيل دور مجلس أولياء الأمور على أسس ديمقراطية لا تستثني قرية أو مدينة في سوريا التي تشهد حالياً نزاعات مسلحة دامية، ضرورة هدفها إيجاد طرق التعاون المناسبة بين الأسرة والمدرسة، وتحقيق الشراكة بينهما على أسس متينة تنسجم مع الأهداف التنموية للألفية الثالثة، وتؤسس لمرحلة ما بعد الحرب، وذلك من خلال إعادة استيعاب قرابة 2.2 مليون طفلاً منقطعين عن الدراسة ومشردين داخل بلدهم، وإعادة استيعاب أكثر من مليون طفل موزعين في دول الجوار( لبنان،الأردن، تركيا)، والمساهمة في إعادة افتتاح خمسة آلاف مدرسة تضرّرت أثناء الحرب، والعمل على تحقيق اندماجها بالمجتمع الأهلي بكل أطيافه... ممّا يعني إعادة النظر بشكل جذري في النظام الداخلي لمدارس التعليم الرسمي (التعليم الأساسي والتعليم الثانوي)، ولاسيما فيما يتعلق بإجراء انتخابات تشمل مجالس أولياء الأمور، ومجالس المدارس، ومجالس الصفوف، على أسس جديدة، تعتمد الديمقراطية وسماع صوت الأسرة وكل طروحاتها.

 

للكاتب نفسه

مسرح الشعب في حلب

موسى بيطار 2016-06-14

شهدت مدينة حلب، عقب هزيمة حزيران/يونيو، ظاهرة مسرحية متميزة عُرفت باسم "مسرح الشعب"، أسسته بلدية حلب عام 1968 بجهود مشتركة من أدباء وفناني المدينة، وبقرار جريء من محافظها، تجاوز فيه...

التعليم الثانوي في سوريا: تداعيات الحرب

موسى بيطار 2016-05-16

أثّرت الحرب بصورة سلبية كبيرة على طلاب مرحلة التعليم الثانوي، من مختلف الجوانب الأخلاقية والفكرية والاجتماعية والنفسية والجسدية، وهي ستترك تداعيات خطيرة على صعيد القيم الإنسانية للمجتمع بكل مكوناته المتنوعة،...