عربة السيدات في مترو الأنفاق في مصر

حيثما تتواجد النّساء وحدهنّ تخرج الأحاديث بطعم خاص. فلكلِّ مكان تأثيره، وهذا الدائر بمحل تصفيف الشعر غير ذاك بعيادة أمراض النساء.. لكن ماذا لو دار الحديث داخل مكان رحّالٍ غيرُ مقيم؟ أحدّثكم من داخل عربة السيدات بمترو الأنفاق في العاصمة المصرية، القاهرة. سيدات من كل الأطياف والطبقات، يدخلن ويخرجن بالأسلوب نفسه مهما تفاوتت درجات الحزن والفرح في القلب، ومهما اختلفت خبرات الجسد والروح. فالمترو في
2015-03-05

منى سليم

صحافية من مصر


شارك
من دفتر:
حكاياهنّ
| en

حيثما تتواجد النّساء وحدهنّ تخرج الأحاديث بطعم خاص. فلكلِّ مكان تأثيره، وهذا الدائر بمحل تصفيف الشعر غير ذاك بعيادة أمراض النساء.. لكن ماذا لو دار الحديث داخل مكان رحّالٍ غيرُ مقيم؟ أحدّثكم من داخل عربة السيدات بمترو الأنفاق في العاصمة المصرية، القاهرة. سيدات من كل الأطياف والطبقات، يدخلن ويخرجن بالأسلوب نفسه مهما تفاوتت درجات الحزن والفرح في القلب، ومهما اختلفت خبرات الجسد والروح. فالمترو في مصر هو الوسيلة التي تسمح بتطبيق الاشتراكية بامتياز. الجميع واحد مهما تفاوت مستوى وسائل انتقالهم فوق الأرض، وذلك بسبب الزحام الشديد. ينزلون أسفل الأرض ـ وكأنها طبيعة الحياة ـ فيصبح الجميع سواسيةً.

حزب الكنبة وأخريات

هنا حيث تجلس الكثيرات منهنّ الى جوار نوافذ لا تُطلّ إلاّ على الظلام، بينما تقف مجموعة من الفتيات الصغيرات فى منتصف العربة يتحدّين الحياة بشبابهنّ ويرفضنَ التمسك بـ "الفواصل الحديدية المعلقة". يضحكن ويتبادلن النكات بصوت عال، كأنها فرصة متجدّدة للانطلاق من دون ملاحقة ذكوريّة تُطل عادةً حتى من عيون أمهاتهنّ فى البيت.
هنا حيث تندلع ثورة نسائية محدودة عندما يمر عدد من الشباب عنوةً، مزاحمين السيدات في هذا المكان الذي حصلن عليه كتمييز إيجابي ـ من وسط تاريخ طويل من التمييز السلبي ـ يحميهنّ من الزحام والتحرش بالعربات المشتركة في أوقات الذروة. وكما هو معتاد تصبح الشابات الصغيرات هنّ وقود هذه الثورة السريعة والمحدودة، التي قد تصل إلى حدّ ايقاف عمل قطار المترو حتى يتمّ تحرير العربة. ولأنّه مجتمع عربي مصغّر، فغالباً ما تشتعل خلافات فكريّة واسعة فى قلب هذه الثورة وعلى أطرافها بين من يقفنَ في المواجهة عند الأبواب يطردنَ الدخيل وبين أخريات يجلسنَ على المقاعد ("حزب الكنبة"!) ويطالبنَ المقاوِمات بالسكوت وعدم تعريض أنفسهنَّ للإهانة والألفاظ البذيئة، بل ومهاجمتهنَّ أحياناً لأنهنّ "بنات معقدات"، وقد تخرج إحداهن من وراء نقابها لتقول "إنتِ مش عارفة إن صوتكِ ده عورة؟".

"تباريح" نسائية

بعد أن يهدأ الزحام قليلاً، وبعد مرور المترو بالمحطات الكبرى في منتصف العاصمة، وأثناء توجهه إلى الأطراف شرقاً وغرباً، ومع اقتراب المغيب، تبدأ الصدور بالتنهّد ويخرج حديث "التباريح".
تجلس سيدة صغيرة وأمامها عربة أطفال في داخلها طفلة صغيرة يبدو عليها الإرهاق، ومن هاتفها تتكرر طوال الرحلة أغنية شعبية حزينة "الدنيا ماشية بضهرها داست عليا". تتبادل مجموعة من النساء النظر إليها بصمت، بينما تتحرك شابة صغيرة يبدو عليها حُسن الحال معيشياً لتخرج من حقيبتها قطعة بسكويت للطفلة. تشكرها الأمّ بامتنان زائد، وعندها تتشجّع احدى السيدات (متوسطة العمر والحال) وتسألها عن سر هذا الحزن، فتردّ الأم الصغيرة: وإيه في الدنيا ما يتعبش بس".
وتبدأ الحكي عن مأساة صغيرة يتعايش معها ومع غيرها آلاف الأسر خلف المنازل المغلقة. حكت عن موت زوجها شابّاً بمرض مفاجئ في الصدر، جاء غالباً نتيجة عمله في مصنع سيئ السمعة البيئية، وتلا موته حصارٌ تامّ من أسرته عليها كشرط لبقائها مع أولادها الثلاثة. تتحدث كيف أصبحت طوال الوقت بموقف المتهمة، الخائنة المحتملة لرجل ميّت، والتهديد المفتوح بسحب الأطفال من حضنها. لم تتدارك دمعها وهي تنظر إلى طفلتها الصغيرة "وهو حدّ منهم يقدر ياخد باله منها لو أنا اتجوزت، ده المرض الخبيث بياكل جسمها وخلاص هتموت".
هنا أوقفتها جدّة كبيرة لتوبّخها: "ماتقوليش كده، إدع ربك البت دي هتعيش وتبقى عروسة".
يعود الحضور النسائي إلى تبادل النظرات بصمت، وبعض الأيادي "طبطبت" على الأم الصغيرة ماسحةً على رأس ابنتها قبل أن تلتفت الأعين للتوجّه إلى السيدة متوسطة العمر التي فتحت الباب لتبادل القصص. تحكي الأخيرة عن قصة حزينة أخرى كان طرفها هذه المرة أسرتها هي لا أسرة زوجها، بعد أن رفضوا الوقوف الى جانبها بعد وفاة زوجها خلال سفره إلى الخارج، وكيف مرّت بها السنون سريعاً لتربي أطفالها وقد اصبحوا رجالا و"فرحة عمرين" كما قالت "فرحة عمري وعمر أبوهم اللي اتقصف بدري، ما تخافيش يا أختي وحاولي تعتمدي على نفسك".

قليلٌ من الفرح..

غالباً ما تكون الغلبة للقصص الحزينة، لكن لا تخلو الرحلة من سحب إحداهنّ لوتر الفرح، فينسج عليه الجميع خاصةً إذا تعلّق الأمر بالسخرية اللاذعة على الرجال وأفعالهم. هذه تحكي عن زوجها الذي أوصلها بلطف حتى باب العربة، قائلةً "والله ما كان كده، بس بعد ما العيال كبرت وكل واحد راح في ناحية والمرض ركبه، عرف إنو مالوش غيري وبقى فيه حنيّة الدنيا"، فترد عليها أخرى أصغر سنّاً: "أنا بقى ما قدرتش استنى لغاية ما يكبر ويفهم، قلت أرجعه لأمّه احسن"، فتنطلق من خلفها أكثر من ضحكة مؤيدة. تتوازى أحاديث الحب الخاطفة على ألسنة فتيات المدارس الثانوية والجامعة، طوال الوقت، مع أحاديث السيّدات اللّواتي يفكّرن بدروس الأطفال وسعر أنبوبة البوتاغاز والطريقة المثلى لحشو الكوسى (غالباً بعد جلبة يثيرها مرور بائع جائل باختراع جديد بسيط يعفيهنّ، حسب دعايته، من "غلبة المحشي").
ولأنه لم يعد هناك من مكان لم تخترقه السياسة، فغالباً ما تبدو الأصوات الخارجة من عربة السيدات مع اقترابها من أي محطّة مُضحكة، وقد نشبت داخلها مشادات تأتي جميعها على شكل صوت رفيع حادّ، دائماً ما يلتقطه الرجال على الرصيف بالضحك والسخرية.. سخرية لا يُعرف إن كانت من حالهنّ أم من حال البلد بأكمله.
وعلى المنوال نفسه تتشكل ذاكرة الباعة الجائلين، وأغلبهم من الصبية الصغار، فهم حاملو أسرار النساء بامتياز. يمرّون ببضاعتهم من شرق العربة إلى غربها ضامنين دائماً وجود مشترٍ (فالنساء لا توجد قوة تمنعهنّ عن متعة الشراء مهما كانت أحوالهنّ)، ومن ثمّ يجد هؤلاء الفرصة للاستماع لعشرات القصص يوميّاً، واختزانها للتندّر آخر الليل مع أصدقائهم بعد يوم مرهق طويل من العمل.
فليتأثر من يتأثر، وليسخر من يسخر.. من يهتم؟ إنّهن النساء ملكات نواصي الحكي والحديث، وهناك، أسفل الأرض، في هذه المساحة الضيّقة التي لا تزيد عن الـ50 متراً مربعاً يجدنَ فرصةً للتخفّف من ثقلٍ ما، يخرج مرّة بالضحكة وأخرى بالدمعة، ومرّات أكثر على شكل حديث عادي متكرّر، ولكنه يسمح لهنَّ باستقبال الهواء والحياة في كل مرّة وهنّ أكثر خفةً.. ولو قليلاً.
الرحلة اليوم كانت داخل مكان يمكنك أن تنعته بالحيادي أو الشّامل، بينما تبقى ميزته الرئيسية أنّه مكان غير ثابت، ومعه يصبح الحديث غير مشروط، ما دامت صاحبته لن تواجه المستمعات ثانيةً.

 

للكاتب نفسه

حدوتة "بلد الغلابة" و"دولة الغيلان"

منى سليم 2018-12-31

نص شاعري جميل يروي قصة "بلد الغلابة ودولة الغيلان". يرويها بالأرقام الجافة القاسية كما بمشاعر فياضة من الحب. يقول كيف يتقّلب "شعبٌ" بين هذين الخطين المتوازيين، وكيف شهدت هذه الأرض...