"الروح الأكثر وجعاً أولى بالاحتضان".. تجاربُ مصرية

قدّرت دراسةٌ صادرة عن "المجلس القومي للأمومة والطفولة" (هيئة رسمية) عدد الأطفال الموجودين خارج دور الرعاية، ودون حماية، بما يقارب مليوني طفل. وأما من هم في دور الإيواء الـ449 في مصر، فحوالي العشرة آلاف طفل.
2021-01-12

منى سليم

صحافية من مصر


شارك
سعاد مردم بيك - سوريا

سيقولون لك: لو كانوا صغاراً فغداً سيكبرون، ولو كانت تحيطهم ظلمةُ الغرفة، فقد اعتادتها أعينهم قبل نهاية اليوم الأول من حياتهم. نعم مشهدٌ قاسٍ أن ترى رضيعاً، بدلاً من أن يَلْقَمَ ثدي أمه، ينهل ما يستطيع أن يصل له فمه من "قنينة الرضاعة" المسنودة بدورها على حافة الوسادة، لكنهم في النهاية سيمرّون ويعيشون.

ستسألهم: ولكن بأيٍ حال سيمرّون؟ وما المهم؟ هل هو ألا تتشوه الطبيعة النفسية لهؤلاء "المُتخلى عنهم"، وتذهب للعنف والحقد، فيتضرر المجتمع؟ أم ما هو أهمٌ ألا ينتهي الحال بأي منهم أن يعيش مسالماً، ولكن بقلبٍ مجبول على الحزن، ابنٌ شرعي لمتلازمة الفقد، وقد نبتت أجنحة روحه متكسرةً، إثر حرمانه في صغره من حضنٍ يضمه، بينما كانت الحياة تعجُّ بملايين البشر من حوله؟

هكذا تطورت النقاشات، اتضحت الرؤية واتسعت حركة "البندول". فبينما في أقصى جوانبها تزدادُ ظاهرة إنكار البنوّة والإنجاب خارج منظومة الزواج، كنتيجة في أغلب الأحوال لانعكاسات وضغوطات الفقر والقهر والتشرد والاستغلال، تنمو على الجانب الآخر أسباب مختلفة في مصر لظاهرة "الاحتضان" وتوفير أسرة بديلة لكل طفل/ة "يتيم" أو "متخلّى عنه".

"اليد المثقوبة تحميك، لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّباً يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ"
(رسالة 18:2 إلى العبرانيين.. إنجيل متى)

تنشط حركة التبني على مستوى العالم بشكل سريع يدعو للتأمل، وقد شهدت طفراتٍ في أرقام المتبنين في مئة السنة الأخيرة. فوفق إحصاءات رسمية وصل عدد الأطفال المتبنين في أمريكا وحدها على سبيل المثال مع نهاية 2019 إلى 2 مليون. يأتي هذا بينما توفر السلطات هناك قاعدة بيانات كبرى تضم البصمة الوراثية لأغلب المواطنين، مما يتيح التعرف على الأب البيولوجي لكل طفلٍ، لكنها لا تلزمه برعايته طالما هو يرفض ذلك، حفاظاً من وجهة نظر المشرّع على سلامة الطفل ونفسيته، وهي في الوقت نفسه تتيح للطفل حين يبلغ سناً معينة، الكشفَ عن هوية أبيه البيولوجية والحصول على بياناته.

في مصرَ، سُنَّ منذ ستين عاماً قانونٌ يسمح بتكوين أسرة بديلة وكفالة الأطفال، وشهد القانون على مدار السنوات تطويراً في شروطه وأحكامه بهدف تسهيل الإجراءات، جاء أهمها قبل عامين. ونتج عن ذلك ارتفاعٌ في أعداد الأسر البديلة، ليصل مع نهاية هذا العام إلى حوالي 12 ألف أسرة لـ 12 ألف طفل... بينما عدد الأطفال الموجودين بمراكز الإيواء الـ 449 التابعة للدولة يقارب 10 آلاف طفل، ما لا يقلُّ عن 82 في المئة منهم مجهولو النسب. وعلى جانب آخر تشهد محاكم الأسرة ما يقارب 20 ألف دعوة "إثبات نسب"، ولم يخلُ الأمر من إحصاءات صادمة، لا يوجد ما يؤكدها أو ينفيها. فقد قدّرت دراسة صادرة عن "المجلس القومي للأمومة والطفولة" (التابع للدولة) عددَ الأطفال الموجودين خارج دور الرعاية، ودون حماية، بما يقارب مليوني طفل.

تحرر الدولة، ممثلة بوزارة الشؤون الاجتماعية، ما يسمى بـ"عقد الرعاية"، وذلك بعد تقرير من الباحث الاجتماعي حول حالة الأسرة الاجتماعية والمادية والملامح النفسية للأبوين وظروف الإنجاب، وتشترط فتح حساب بنكي بمبلغ بسيط باسم الطفل وتحظر في الوقت نفسه وفق هذا العقد توريثه، وتوصي بكتابة وصية. وتمّ استحداث دورة تدريبية مدتها ثلاثة أشهر يجب أن تمر بها الأسرة البديلة قبل تفعيل قرار الاحتضان.

ويعد السماح للمرأة غير المتزوجة حين تكون فوق سن الثلاثين بـ"الاحتضان" ملمحاً رئيسياً هاماً لهذه التعديلات، صاحبَهُ كما هو المعتاد جدل اجتماعي. فقد نكأ بعض الجراح وضمدها في آن، لكنه بشكلٍ عام ترك أثره على زيادة أعداد الأطفال المحتضنين. وقد أُدخلت بعض التعديلات اللفظية التي قد تساهم على المدى البعيد في تغيير الصور النمطية السلبية الشائعة، ومنها منح الطفل الاسم الأول للأب والأم، واستخدام تعبير "كريم النسب" بدلاً من "مجهول" في مراحل التوثيق في شهادة الميلاد.

وفي مصر هناك من يطالب بالتوسع في استخدام تحليل البصمة الوراثية لتكون إلزاميةً ومدرجة على الرقم القومي لكل مواطن، ومعها يتم القضاء على ظاهرة الأطفال المتخلى عنهم بالوصول إلى الأب، وإعادة تأهيله هو والأم، وإلزامهما بتحمل مسؤولية الطفل. وهناك من يرى في ذلك سيناريو بعيد الأمد، لا يمكن تحقيقه في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية العامة، إضافةً إلى نوع الجحيم الذي قد يلاقيه الطفل من أب أو أم ّ قد يجبرانه على دفع ثمن عودته إليهما بعد التخلص منه.

"القلوب التي تدنيها أوجاع الكآبة بعضها من بعض، لا تفرّقها بهجة الأفراح وبهرجتها. فرابطة الحزن أقوى في النفوس من روابط الغبطة والسرور. والحب الذي تغسله العيون بدموعها يظل طاهراًوجميلاً وخالداً".
(من "الأرواح المتمردة" لجبران خليل جبران)

ظهرت قوة وسائل التواصل الاجتماعي في تلك القضية، كغيرها من القضايا الهامة، فترجمت المعنى الأصلي المقصود من وراء هذه الشبكات، وهو أنه حين تزعق في الفضاء ـ الافتراضي هذه المرة ـ ستجد من يسمعك، وغالباً ستجد من يقول لك "لست وحدك".

هكذا فعلت الناشطة الاجتماعية "يمنى دحروج" التي استطاعت احتضان طفلتها بعد عشر سنوات من الزواج دون إنجاب، فأطلقت قبل عامين مبادرتها حول "الاحتضان في مصر"، تنشر من خلالها دروس توعية، تبدأ بالوقوف على المقصد المفترض من وراء الاحتضان، وهل هو فقط لتضميد جراح كل من حرمته الحياة من الارتزاق بطفل بيولوجي، ليكونا لبعضهم بعضاً، بقرار الاحتضان، سنداً وتعويضاً، أم الذهاب إلى ما هو أبعد بتشجيع أسرٍ لديها أطفال، أن تضم إليها طفلاً محتضناً إيماناً بحقه في حياة دافئة.

حققت المبادرة تلاقياً واسعاً وصل لما يقارب 30 ألف متابع، وهي تعتمد عدة محاور، منها شرح كافة مراحل الاحتضان وطرح المخاوف، ومنها هذا الجدل حول تأثير العامل الجيني على السمات الشخصية والتركيبة السلوكية للطفل المحتضن. فبينما تدفع المبادرة بآراء علمية تعزز من تأثير البيئة لتصل به إلى 79 في المئة من سلوك الطفل، هناك آراءٌ علمية أخرى تم التعبير عنها، ومناقشتها ترى أن الأمر هو تفاعل بين ما هو جيني وبيئي، وتعطي العامل الأول التأثير الأكبر، وتدلل على ذلك بحجم التفاوت الكبير الذي قد تشهده شخصية الأخوة رغم كونهم أبناءَ نفس النشأة والتربية.

تخوّفٌ آخر، أو تحدّ حول كيفية التعامل مع قناعات الأهل، وهل من الأفضل مناقشتهم، والحصول على موافقة واضحة مدعومة بالارتياح لضمان بيئة مساعدة لا منفّرة للطفل المحتضن، أم الأخذُ ببعض التجارب التي أشارت إلى أن التقبّل جاء تدريجياً. نقاشاتٌ أخرى حول جدوى تلقي علاج هرموني يساعد الأم على إرضاع طفلها المحتضن عدة مرات، سواء كان ذلك لأسباب صحية أو إنسانية أو شرعية. وعلى الرغم من الجدل والنقاش، اتفقت أغلب الآراء على أن هذه الخطوة قد تجعل حياة الطفل في بيته الجديد أكثر لطفاً.

وتقدم مبادرات دروساً في كيفية إخبار الطفل بحقيقة هويته، وفهم نفسيته بالسنوات الأولى، خاصةً في تلك المرحلة السابقة على الاحتضان، وكيفية التغلب على ما يمكن أن يكون قد اكتسبه من سلوكيات، وكذلك مشاركة الخبرة ومحاولة تيسير العقبات أمام الإجراءات الرسمية.

"هكذا تتغير الأشياء أمام أعيننا بتغير عواطفنا، تأتي متشحة بالسحر والجمال عندما لا يكون السحر والجمال إلا في نفوسنا".
(من "الأجنحة المتكسرة" لجبران خليل جبران)

شاهد كثيرون الفيلم العالمي "lion" المأخوذ عن قصة حقيقية لسيدة دنماركية قررت تبني طفل هندي مشرّدٍ عبر جمعيات أهلية عالمية. وباستخدام التكنولوجيا، عاد بعد سنوات، وهو شاب ليكتشف أمه التي أنجبته وفقدته على طرقات الحي الفقير، ويكتشف أيضاً أن أمه بالتبني كان يمكنها أن تنجب بشكلٍ طبيعي، ولكنها فضلت منح حنانها لطفلٍ موجود بالفعل لا يجد من يهتم به.

وهكذا يتبادل القرّاءُ عبر تلك المنصات الحكايات الواقعية اليومية التي شملت الأم والأب والابن والابنة، فيحكي أبٌ كيف اتخذ هو وزوجته قرار الاحتضان بعد فقدان الأمل بالإنجاب، ولكنه فوجىء بزوجته فور استلامه للطفل تنفرُ منه بشدة، وترفض رعايته وتطالب بإعادته لدار الرعاية مرة أخرى. يحدث هذا بينما يزيد ارتباطه هو السريع بطفله المحتضن. تطور الأمر لينتهي بالانفصال. ووفق القانون لا يمكن للرجل الاحتفاظُ بطفلٍ بدون أم، فقرر أن يتزوج مرة أخرى. يقول: "كان الأمر كله سريعاً ومتلاحقاً، أنظرُ الآن للحدث الذي كان قبل عشر سنوات، وأشكر الله على هذه الراحة التي جاءتني، لدي زوجة محبة وابنٌ رائع".

وتحكي تلك الابنة ذات الستة والعشرين ربيعاً عن طفولتها السعيدة التي لم يكن ينغّصها غيرُ عدم فهمها للسبب الذي يجعلها تحمل اسماً مغايراً في شهادة الميلاد. ولم تقنعها التبريرات. علمت بالحقيقة في سن الثالثة عشرة، عاشت صدمةً، لكنها أفاقت منها بعد فترة. قالت: "لم يكن هناك أيُّ ملمح غير طبيعي يدعوني للتفكير في ذلك، من هنا كانت صدمتي، لكني تخطيتها لأن مشاعر أبي وأمي كانت حقيقية. أنصح كل من يمر بتجربتهم بأن يشرح لطفله الحقيقة مبكراً".

وتحكي تلك السيدة عن مشاعرها التي لم تتغير تجاه ابنها وابنتها بالاحتضان، بعد أن وهبها الله بعد خمسة عشر عاماً طفلاً بيولوجياً.

وهي قصص من مصرَ تعج بالمشاعر ووصف الدموع والابتسامات التي تلت مراحل المخاوف والأحلام، لكن وفي وسط كل ذلك تبرز مساحات ضباب لم يتم بعد جسرها، تحتاج إلى مزيد من التدبّر والإحساس وتبادل الخبرات. فبينما تتجلى فرحة من لم تهبها الحياة تجربة الإنجاب، فتصف كيف اختارت طفلها من بين العشرات، وتقول إنها مالت له بعينيها وقلبها، تتسرب مساحاتُ حزن تحيط بأطفالٍ آخرين خضعوا دون قصدٍ لعملية تقييم مجحفة، فإما هو لم يعد رضيعاً كما يفضل أغلبية المحتضنين، أو هو صبيٌّ بينما تفضل أغلب الأسر الفتيات، ناهيك عن التفضيلات التي تخص الصفات البيولوجية، أو كون الفرص أقل أمام أبناء دور الرعاية بالمدن البعيدة والنائية في الدلتا والصعيد مقارنةً بالعاصمة والمدن الصاخبة.

****

مقالات ذات صلة

ثنائيات صعبة والقسوة قد تتسرب من حيث لا نعلم، والمشاعر كانت وستبقى دوماً بحاجة لمزيد من التدقيق والتحديق، حتى يأتي اليوم الذي تختار فيه الأم طفلها المحتضَن لكونه مجرّدَ رقم في دفتر مهترىء بدار رعاية فقيرة، دون أن تعلم عنه أيَّ تفاصيل، كأنه قد جاء لتوه من رحمٍ مظلم يسكنها، ولا تملك لمن بداخله تغييراً.

مقالات من مصر

تفحص لبعض ملامح "يناير 2011"

أسئلة ما زالت مطروحة: هل كانت الثورة المصرية غير عنيفة بما يكفي للإطاحة ببنية النظام الحاكم والنظام الاجتماعي برمته؟ هل كان الحدث محضَ عفوي؟ هذه محاولة لرؤية وتقييم بعض ما...

هل تتحول مدننا إلى مطارات؟

المطار هو استيعاب الفكرة الأمنية بالكامل في الإجراءات واللوائح وتقنيات الممارسة، وما يتعلق بها من تكنولوجيا قديمة، وأيضاً حديثة مع الثورة التقنية والرقمية والبيولوجية. المطار يحرر الأمن من أعباء السياسة...

للكاتب نفسه

شرق النيل والجبل.. مخاوف المطر والنسيان

منى سليم 2020-11-23

تنجرف المياه مسرعة، محملة بالصخور والأتربة من فوق الجبال، لا يستطيع أن يوقفها شيءٌ، تفقد بوصلتها، ولا تتعرف على طريقها القديم الذي حفرته على امتداد السنوات، فتتشعب بعشوائية جارفة، تنهش...