شرق النيل والجبل.. مخاوف المطر والنسيان

تنجرف المياه مسرعة، محملة بالصخور والأتربة من فوق الجبال، لا يستطيع أن يوقفها شيءٌ، تفقد بوصلتها، ولا تتعرف على طريقها القديم الذي حفرته على امتداد السنوات، فتتشعب بعشوائية جارفة، تنهش البيوت والأرواح.
2020-11-23

منى سليم

صحافية من مصر


شارك
قرية جبل الطير القبْلية

قال الوزير: "عكارة النيل دليل على سلامة مخرات السيل، وأن لا شيء قد يعيق مسارها حال نزول المطر"... هكذا جاءت التصريحات الرسمية على لسان المسؤول الأول عن ملف المياه والري في مصر، بينما من هم يعيشون شرق النيل، داخل القرى الأكثر فقراً على امتداد صعيد مصر، يسكنهم الخوف من تكرار السيناريو البائس، واحتمالية غرق منازلهم عندما تنهمر مياه المطر القادمة من فوق جبال البحر الأحمر التي تحيطهم من الغرب. وكذلك هو خوف من يسكنون خلف الجبل بمحاذاة البحر.

الوادي وتواريخ الانهمار

"إن نهر النيل هو أكبر مخر للسيل عرفته مصر، والسد العالي حاميها الأكبر". تلك الحقائق الراسخة من المفترض أن تساعد المصريين دوماً على التخلص من هذا الرهاب المرتبط بكلمة "السيل". حدث هذا بالفعل لسنوات طويلة. يتجاهلون وينسون، ثم تنهار طمأنينتهم مع أول فاجعة انهمار، تنجرف المياه مسرعة محملة بالصخور والأتربة من فوق الجبال، لا يستطيع أن يوقفها شيءٌ، تفقد بوصلتها، ولا تتعرف على طريقها القديم الذي حفرته على امتداد السنوات، فتتشعب بعشوائية جارفة، تنهش البيوت والأرواح.

وتاريخ الوديان المصرية مليءٌ بالكثير من التجارب القاسية في هذا الاتجاه، فخلال السبعين عاماً الأخيرة وحدها، تعرضت مدن وقرًى بالصعيد وساحل البحر الأحمر والمناطق المتاخمة للمقطّم بالقاهرة إلى الغرق النسبي الذي أدى في كل مرة إلى خسائرَ فادحة بالأرواح والبنية التحتية والممتلكات والأرزاق.

تحصد تلك القرى ذات الحظ الشحيح من الاهتمام، الحظَ الأوفر من الخسائر. فقد حصرتها الجغرافيا في شريط ضيق ما بين النهر شرقاً والجبل غرباً، يقلبها أهلها بين أياديهم قدر ما استطاعوا، فينحتوا من الجبل الحجرَ الجيري للبناء والتجارة، وعلى طول شريط ضيق بمحاذاة النهر يزرعون القصب والبصل والشعير، بيوتهم ليست فقط بسيطة ولكن أغلبها مقفرة، والأسقف لا تزيد عن جذوع من الخشب.

تكونت القرى بشكل تلقائي نتيجة انعدام التخطيط ووضوح خطط التنمية. تمدد العمران لخلق مساحات للعيش، وحاولت الدولة عبر السنوات الهيكلةَ، فبدأت بأقسام الشرطة والوحدات المحلية، ومحاولات لمد شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي... محاولات لم تحقق حجم تغطية كافية، فاستحوذت تلك القرى على ما نسبته 94 في المئة من "مشروع تنمية الـ1000 قرية الأكثر فقراً على مستوى الجمهورية"، وفي ضوء كل ذلك احتل هؤلاء السكان، وهم عدة ملايين، ما يزيد عن 60 كيلومتراً من مخرات السيل، أو الطرق التي حفرتها عبر السنوات المياهُ المنهمرة من الجبال عند سقوط المطر.

تاريخ الوديان المصرية مليءٌ بالكثير من التجارب القاسية. فخلال السبعين عاماً الأخيرة وحدها، تعرضت مدن وقرًى في الصعيد وساحل البحر الأحمر والمناطق المتاخمة للمقطّم بالقاهرة، إلى الغرق النسبي الذي أدى في كل مرة إلى خسائرَ فادحة في الأرواح والبنية التحتية والممتلكات والأرزاق.

ومن الصعيد للساحل، ظهر نوع آخر من الأخطاء التي أدت إلى عرقلة مسار مخر السيل، لعل أهمها التخطيط غير العلمي للطرق التي تم الاهتمام فيها بالجماليات على حساب جغرافيا السيل، وتكرر ذلك بشكل أوسع عند تمهيد الأرض لإقامة القرى السياحية.

الدولة ومساعي الاحتماء

"نضج السيل"، كما يقول علماء الجيولوجيا في مصر، لم يعد حائراً، بل استقر منذ سنوات على الطريق الذي حفره لنفسه بين الصخور، لذا فاللوم ليس عليه بالتأكيد، بل على البناء الجائر الذي تتحمل مسؤوليتَه الدولةُ أولاً والمواطنون ثانياً.

وعليه، تستمر مساعي الأجهزة التنفيذية لتحديد قائمة الاحتياجات الضرورية للحفاظ على مخرات السيل جاهزة لأي طوارئ قد تستجد. فوفق البيانات الرسمية تضم مصر ما يقارب 2400 مخرٍ طبيعي وصناعي، تشملهم خطط تطهير سنوية تعتمد على إسناد الأعمال لمقاولين يملكون حفارات ضخمة، تقوم بإزالة الشوائب والطين المتراكم من المجرى الرئيسي، وتلقيه على الجسور كما يتم تحريك ضبطيات قضائية لمهندسي الري، تسمح بإصدار قرارات هدم للمنازل المبنية دون ترخيص وتعيق مخر السيل.

غير أن تلك المساعي بطبيعة الحال لا تكفي، إضافة إلى ما يتخللها من أسباب عوار، فوفق المتفق عليه علمياً، وتعج به أوراق المؤتمرات البحثية في مصر، فهناك حاجة للتوسع في إنشاء السدود أعلى الجبال لتقليل سرعة الانجراف، وتصفيح المخرات التي تشق الكثير من القرى، وعدم الاكتفاء بتطهيرها، فيتم تحصينها ببناء خرساني في العمق وعلى الجانبين، مما يمنع تسرب المياه إلى الشوارع.

حظ تلك القرى من الاهتمام شحيح، وحظها الأوفر هو من الخسائر. فقد حصرتها الجغرافيا في شريط ضيق ما بين النهر شرقاً والجبل غرباً. يُقلّبها أهلها بين أياديهم قدر ما استطاعوا، فينحتوا من الجبل الحجرَ الجيري للبناء والتجارة، ويزرعون على طول شريط ضيق بمحاذاة النهر القصب والبصل والشعير.

تواجَه تلك الأفكار دوماً بضعف الموازنة وتوزيع المخصصات المالية، وعلى الرغم من هذا، أعلنت السلطات قبل عامين عن خطة موسعة بموازنة نصف مليار جنيه. لكن غرقت المدينة الساحلية "رأس غارب" بعدها بأيام. وتنادي أصوات متخصصة في ضوء ضعف الميزانيات بإنشاء وحدة انتشار سريع مركزية، تشمل طائرات حربية ومعدات ثقيلة يمكنها في حال وقوع أي كارثة الانتقال سريعاً وفتح الطرق وإنقاذ المنكوبين ومحاولة فتح مسار للمياه.

ليس هذا فقط، بل تتجه الأساليب العلمية للمناداة بالتعامل مع مياه السيول كثروة قومية، فتقول الدراسات إن حجم ما يمكن استغلاله من مياه السيول سنوياً في مصر هو 15 مليون متر مكعب، بما يقدر بـ 20 في المئة من مياه المطر التي تنهمر على البلاد سنوياً، وذلك عبر ابتكار وتنفيذ أشكال التخزين العلمية الحديثة، بما يمكن معه استصلاح وزراعة ما لا يقل عن 3 آلاف فدان، حيث يحتاج الفدان الواحد لما يقارب7 آلاف متر مكعب من المياه فى السنة.

أصوات من لا يملكون المغادرة

يحفظ الأهالي الأسماء عن ظهر قلب، فهذه القرى ضمن مسار وادي عربة جنوباً، وتلك المدن ضمن مسار وادي نعمة شرقاً. أسماء قديمة تحكي مئات القصص.

في محافظة المنيا على سبيل المثال، قرب جبل الطير التاريخي الذي يحتضن "كنيسة العذراء" حيث مرت مريم وصغيرها في رحلتهما المقدسة، هناك نشأت القرى تباعاً "في حضن الجبل" كما يطلق عليها أهل الصعيد المصري، وهم وحدهم يدركون حقيقة التفاصيل.

"جبل الطير ـ السرارية ـ بني خالد" هي ثلاثة قرى متجاورة وسط هذا الامتداد، عانت جميعها من دمار واسع بسيول العام 1994 التي تسببت وحدها في هدم 6 آلاف منزلٍ، وتدمير 13 ألف فدان زراعي. لاقت تلك القرى اهتماماً عقب ذلك، و أدرجت جميعها في الخطط، ولكن تباينت النتائج. فعلى سبيل المثال، تضم قرية السرارية حتى اليوم مخراً رئيسياً للسيل، تم تصفيح نصفه بجدار خرساني بعرض 3 أمتار، تآكل مع مرور الزمن فقلت فاعليته. تكررت مطالب تعليته، ومن أجل أن ينال النصف الثاني من القرية الحقوق نفسها. تمت التعلية، ولم يتم استكمال الامتداد، فيتأثر نصف القرية بالمطر وينجو النصف الآخر. أما أصحاب الأراضي الزراعية، فلا يرضون بالطرق البدائية في التطهير التي تُراكم الشوائب والطين على حواف الجسور، ويدفعون هم ثمنها بقطع الطريق الذي يوصلهم بأرضهم، ويؤثر على محاصيلهم لمدة قد تصل إلى شهرين كل عام.

هناك حاجة للتوسع في إنشاء السدود أعلى الجبال لتقليل سرعة الانجراف، وعدم الاكتفاء بتطهير المخرات التي تشق الكثير من القرى، بل تصفيحها أي تحصينها ببناء خرساني في العمق وعلى الجانبين، مما يمنع تسرب المياه إلى الشوارع.

وفي جبل الطير الذي انقسم إلى ثلاث ضيعات هي "القبلية، البحرية، الدير"، تكرر المشهد، وكان من الغريب أن الضيعة الأقرب للجبل لم تتم تغطيتها، مما تسبب في تصدع 85 منزلاً في الشتاء الماضي. وعلى الرغم من صدور قرار رسمي بتصفيح مسافة تزيد عن كيلومتر، هي الأشد خطورة وفق شهادات الأهالي، لم يحدث شيءٌ منها حتى الآن، والسبب ضعف المخصصات المالية. يستقبلون هذا الشتاء بالخوف.

مقالات ذات صلة

أما "بني خالد" وهي النموذج الثالث، فتشهد إشكالية ممتدة لا تفسير منطقي لها، فالقرية تضم مصنعاً ضخماً تابعاً للدولة يستفيد من الحجر الجيري المحيط في صناعة السيراميك، احتل مساحة شاسعة من مخر السيل القديم. وقبل خمسة وعشرين عاماً، حين انهمرت المياه واجتاحت القرية، تراكم ما حملت معها داخل أسوار المصنع، فما كان من المسؤولين عنه إلا أن هدموا السورَ الخرساني، فتصدعت مئات البيوت وتدمرت الزراعات. أما الغريب فإن المصنع قد تم بيعه أكثر من مرة، ورغم هذا لم تسترد الدولة جزءً من الأرض، أو تمهدها لمخر صناعي. لا يزال المصنع يبتلع القرية، ولا يزال خوف الأهالي مستمراً.

..

هي تفاصيل صغيرة، تضيع وسط تضخم الأرقام والموازنات، ولكنها تبقى الحقيقةَ المؤثرة التي يدركها أبناء القرى وحدهم، ثم ينصرفون عنها بالتجاهل ومحاولة النسيان. يكتفون بالصلاة ـ ككل المصريين- من أجل المطر، ويحمدون الله على نعمة النهر والبحر والجبل.

مقالات من مصر

تفحص لبعض ملامح "يناير 2011"

أسئلة ما زالت مطروحة: هل كانت الثورة المصرية غير عنيفة بما يكفي للإطاحة ببنية النظام الحاكم والنظام الاجتماعي برمته؟ هل كان الحدث محضَ عفوي؟ هذه محاولة لرؤية وتقييم بعض ما...

للكاتب نفسه