عن اليمن الذي ينسى أن يموت

إنه المطر فحسب. صاعقة رعدية يتلاشى في صوتها صدى صوت طائرة تهدر في قشرة ذاكرتي الجديدة. سيغسلني المطر وسأحلق بصدر عار ومنهمر كحمامة برية في الجبل، تهدل بشغف بينما الحرب على قدم وساق. تلك وحدها الهدايا الثمينة التي تسقط من حقيبة حياة مدججة بالموت. أنتَ هنا. لم تسلبك الحرب الكثير، فما زلت تنتظر شيئاً على جانب زاوية لا مرئية، شيئا ربما كان حلماً أو وعداً أو أمنية أو فتاة. وقد لا يكون كذلك،
2015-09-11

فارع المسلمي

رئيس مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية


شارك
صنعاء (تصوير: زرياب الغابري). عن http://www.ziryabalghabri.com/

إنه المطر فحسب. صاعقة رعدية يتلاشى في صوتها صدى صوت طائرة تهدر في قشرة ذاكرتي الجديدة. سيغسلني المطر وسأحلق بصدر عار ومنهمر كحمامة برية في الجبل، تهدل بشغف بينما الحرب على قدم وساق. تلك وحدها الهدايا الثمينة التي تسقط من حقيبة حياة مدججة بالموت.
أنتَ هنا. لم تسلبك الحرب الكثير، فما زلت تنتظر شيئاً على جانب زاوية لا مرئية، شيئا ربما كان حلماً أو وعداً أو أمنية أو فتاة. وقد لا يكون كذلك، لكن الميت وحده من لا ينتظر. الانتظار حياة، والعمل الوحيد الذي يمكننا مزاولته حين نتوقف عن الكتابة والقراءة والأصدقاء.
ها هم في الوادي كما يعلق في مخيلتي، يغسلهم المطر ويحلّقون وينتظرون. يبرق ومض  اللمع أولاً ثم يجلجل الرعد، وبين ارتطام السحائب تولد الصاعقة الرعدية فتضيء قناديل البيوت المطفأة منذ زمن بعيد وتمسح طيف "عاصفة الحزم" من ملف الرؤية العابرة. السماء لا تخلف موعدها ولا تنتظر اكتمال الحرب كي تمنح وادينا الطيب مطراً وعشباً ولحظة عيش خلف أسوار القتال وروايات الدم والعار.
من عيدان الخشب النحيفة والمتشابكة يسقف اليمنيون بيوتهم القابعة خلف الجبال والجهات، فالشجر كائن حي وليس خرسانة صماء. ستتسلل قطرات مطر من بينها على أثاث الغرف. وبين عودين بنا "أبو خير" بيته من صلصال قليل إيذانا بموسم الخصب والخير. يبدو البيت معلقا وأبداً لا يسقط . أبو خير حشرة موسمية طائرة تأتي في فصول المطر، تشبه الدبُور لكنها لا تلسع أحدا فهي تحترم تقاليد الدار والجوار جيدا، تعيش معنا في بيوت الأجداد، نسمع سقسقتها فنتوقع المطر، ولا تكذب سحابة الصيف على عكس الساسة والرؤساء. أبو خير أبو اليمنيين الأبدي المعلق بين عودين، ما فتئ يبشرنا بمطر الله في عز الحرب والجفاف، فينهمر مع أهازيج الأطفال في الوديان المنتظرة ومدارب السيل.
لم تحجب طائرات الحرب ماء السماء بل انهمر أكثر، لأننا بلد حقق الاكتفاء الذاتي من المطر و الحريق والدخان، ولم يمت بعد، بل تتنافس معطياته باستمرار، والطائرات دخيلة عليه ولن يتقبلها لأنها ترفض الالتزام بتقاليد الحياة التي راكمها لآلاف السنوات.
إنْ انعدم النفط يوقظ اليمني من زيت "الشروق"، زيت الطبخ ، "مواطيره" (مولدات الكهرباء) الصينية النائمة، لمن استطاع إليها سبيلا. يبتكر وسائل عدة للحياة في ظل الظروف الصعبة. سيقف رجل مقعد على كرسيه المتحرك في الشارع جوار سوبرماركت لديها "ماطور" في محاولة لشحن كرسيه المتحرك بكهرباء التاجر غير الجشع، ليستمر في الحياة.. وأهم من هذا ليستمر اليمني في الخلود.
سننسى الطعنة خلف ظهورنا ونغني عن الخصب والبيدر والفرح المستحيل، سنبتسم على مضض وننام على حين غرة من الجميع، ستكرر اليمن واليمنيون ما اعتادوا عليه: سينسى مجدداً هذا البلد أن يموت.
لم تكن الحرب هي الخيار الوحيد، بل كل الخيارات كانت متاحة. لكن كما شاءها كهول السياسة، ورعاة الخراب الرسميون الأنيقون بربطات أعناقهم الملونة وأحذيتهم اللامعة، حطت على مدرج كانوا قد دمروه مسبقا، وعبّدوه بالسلاح والكراهية. وحدهم الفلاحون سيعيدون استزراعه وحرثه وبذره ببذرة حياتهم الأبدية.
انكشفت سوءاتنا على عورة الثأر والقتل الاستراتيجي المبرمج. لا نملك سبباً وجيهاً لتبرير خيبتنا الأزلية هذه، ومع ذلك فالعزاء الوحيد هو أننا ما زلنا ننتظر ونواعد المواسم ونرسم على الحقول وليس على الرمل وطناً وراية وننقش بيت شعر في العراء، بوزن وقافية. 
ولم نكن أذكياء بما يكفي لنجنب أنفسنا المنزلق، لم نستفد جيداً من عظات التاريخ ولم تطلق  زرقاء اليمامة  تحذيراتها للقوم عن عدو قادم بلون الشجر، لأن زرقاء هي من سيقاتلنا هذه المرة وتلقي على رؤوسنا حجارة من سجيل منضود. بعد أن شككنا في قدرتها على رؤيتنا في العراء دونما شجر ولا ماء. لن نقتلع عينيها كما حدث في قصص التاريخ إن ظفرنا بها، بل سنخلق مشهدا جديدا تراه ولا تجرؤ على تغييره، وربما تتعامى عنه كقاعدة تعايش.
منذ آدم لم يذق اليمني طعم الأمان ولكنه مارس العيش بأكثر من طريقة خاصة. بنى بيوته على حافات الجبال الشواهق وفي هامات الأعالي الوعرة. كان الخوف يأتي من الأرض وكانت المقاومة ممكنة بحفنة حجارة لصد الغزاة حين كانوا يزحفون من سفح الجبل. غيرت الحرب فنونها واستراتيجياتها ومنحتها التكنولوجيا عدة وعتاداً أحدث تقنيةً وأكثر تطوراً، فأصبحت تزحف من الأعلى، ووجدت البيوت المعلقة على ذرى السحاب والضباب رعبها القديم وقد عاد مجدداً ليرفرف أعلى أسقفها بمئات الأمتار. دخلت أشعة الليزر بيت أبو خير ورأينا من ثقب صغير كيف اقتحمت الحرب خصوصياتنا وكيف هوى عودان من خشب السقف وهما يتشبثان ببيت أبو خير. سقط السقف نعم، لكن أبو خير لم يمت وبيته قائم على القاع من صلصال مكين لا تبعثر ذراته ريح ولا قنبلة عنقودية.
رغم كل شيء، ما زالت حياة اليمني ممكنة وما زالت الأزمات والصواعق تضئ قناديلنا ولو لجزء من الثانية. ما زالت قططنا تكسر حظر التجوال والحدود الطارئة وأطفالنا يلعبون "زكزيك النمر وطيار يا طيار" لعبتان هما جزء من موروث شعبي هائل يتجدد ولا ينمحي، حيث الأطفال يلعبون الحرب وحيث الصراع رقصة والكلاشنوف يغني زفة أعراسنا منذ أمد بعيد.
انقطعت الكهرباء فلاذ اليمنيون الطيبون بقرص الشمس، يمتصون أشعتها في ألواح الطاقة الشمسية ويحصلون على ضوء نقي وماء بارد ويشاهدون التلفاز و"همي همك" في فصله السابع عن قرية "مركوضة". وانكب الناس المركوضون على شراء الألواح كلٌ بحسب قدرته المالية فقد سرقت الحرب من مال السابلة الكثير، والصين صديقة الفقراء لا زالت تستثمر بؤسهم بإنسانية عالية. لكن المطر عاد والشمس بدأت تتوارى خلف السحب الثقال والملبدّة بمطر الله، وقال اليمنيون إن الماء أهم من الكهرباء وردد أحدهم مثلاً شعبياً لا ينطبق إلا على اليمن وأحوالها: "لو كانت اليمن ديكاً لانعدم الليل" في إشارة إلى النحس اللازم وحتمية النقص في وطن  لا يكتمل.
انعدم الغاز فراح الحطابون يحصدون شجر البوادي، الخبز الناضج من لهيب الحطب ألذ. وفجأة جاء المطر فاخضرت جذوع الشجر اليابسات في البوادي ومُنع الحطابون من قطعها، فالشجرة المخضرة كائن حي لا  يجوز قتله في أعراف الريف. هل ظروف الطبيعة تعمل ضد أحلامنا البسيطة، هل هطل المطر ليحرمنا طاقة الشمس وحطب الخبز .لا، إنه المطر فحسب، يذكرنا بأن الله لم ينضب وأن العلاقة بين الأرض والسماء تواصل مهنتها.
هل ليخبرنا أنه سيغسل كل وسخ طارئ من حياة اليمنيين، ولو بعد حين. سيغسل الميليشيات، وسيغسل تجار الحروب ومسؤولي الغفلة وعديمي الإحساس والمتحدثين قسراً باسم اليمن الذي لا يعرفونه. ذلك هو الأرجح، فالمطر يجامل اليمنيين لأنهم يحسنون استقباله واستثماره منذ بنوا سد مأرب العظيم الذي تعرض للقصف أكثر من مرة خلال الأشهر الأخيرة، وهذا ما يرفضه المطر والسماء أيضا. عملية غسيل شامل، وسيقوم المطر، حليفنا التاريخي، بذلك.
ستنتصر مدن التاريخ والياجور والقمريات الملونة على من لم يعرف المدن وروائحها واهلها الطيبين لتهمس في اذنيه جيدا "هي أشياء لا تُشترى". ستتنتصر مدن القمريات والياجور في يافع وصنعاء ليس على "مدن الملح" ، فهي ليست ضد أحد بل من أجلها أيضا ومن أجل أهلها الطيبين. بعد أن تُحرر نفسها من كتل الإسمنت وأعمدة الخرسانة الجاهزة التي خدشت وجهها الجميل، بل أحدثت فيه الجروح العميقة. وإجمالا قد يحتاج الجامع الكبير بصنعاء إلى إعادة أحجار بنائه الأولى لقصر غمدان، وسيمنحه اليمنيون الكرماء أحجارا تليق بتاريخه هو دون مصادرة تاريخ المستضيف. فحشرة الذرة تنخرها من الداخل وليس من الخارج كما يقول الفلاحون، وطالما تم تأمين الداخل فلن تفلح حشرة الذرة في نخرها من القشرة الخارجية أبدا.
ذلك وعد الأزل لأبنائه، قبل أن يُحدث الدهر مزيدا من البشر الفائضين كقتلة.

للكاتب نفسه