مقاربة مختلفة لفيضانات السودان

ضعف الدولة، الذي يقارب الفشل في التعامل مع الكوارث الطبيعية من فيضانات وسيول وجائحة كورونا مثلاً، بل وعدم توفير حد معقول من الحياة الكريمة للسودانيين، على الرغم من مرور أكثر من ستة عقود من الاستقلال، ومن وجود الموارد الطبيعية الضخمة التي تزخر بها البلاد، أصبح سؤالاً مطروحا في الفضاء السوداني.
2020-09-19

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
إبراهيم الصلحي - السودان

يمثل فصل الخريف همّاً مقيماً للسودانيين حكومة وشعباً، إذ تهطل فيه الأمطار بكميات كبيرة، كما تمتلئ أحواض الأنهر السبعة المختلفة، خاصة النيل الأزرق وفروعه الذي ينبع من الهضبة الإثيوبية، الأمر الذي يؤدي إلى سيول وفيضانات تسهم في إحداث خسائر مادية وبشرية كبيرة. وعلى الرغم من التكرار السنوي لهذه الفيضانات والسيول، إلا أن ما جرى هذا العام، وقبل ذلك في العام 1988، اعتبر كارثة طبيعية لفتت أنظار العالم، ودفع بعض الدول إلى إطلاق جسور جوية لعون السودان.

ضعف الدولة الذي يقارب الفشل في التعامل مع الكوارث الطبيعية، من فيضانات وسيول وجائحة الكورونا مثلاً، بل وعدم توفير حد معقول من الحياة الكريمة للسودانيين، على الرغم من مرور أكثر من ستة عقود من الاستقلال، ومن توفر الموارد الطبيعية الضخمة التي تزخر بها البلاد، أصبح سؤالاً مطروحا في الفضاء السوداني.

ومع أنه يمكن البدء بالإجابة الأولية، وتحميل النخبة الحاكمة، من عسكرية ومدنية، المسؤولية كونها دخلت معركة استقلال البلاد رافعة شعار "تحرير، لا تعمير"، إلا أن الإجابة الأشمل أكثر تعقيداً. فالسودان يتمتع بأراض زراعية تقارب المائتي مليون فدان، وثروة حيوانية بالملايين من رؤوس الأبقار والأغنام والجمال، إلى جانب جريان عدة أنهر بعضها طوال العام، وبعضها موسمي وبمعدل معقول من الأمطار والمياه الجوفية، وعدد قليل من السكان لا يصل إلى 40 مليوناً، يقيمون في مساحات شاسعة، ولهذا فهناك إحساس مقيم أنه ليست هناك مشكلة في توفير الطعام، إذ أن نسبة مقدّرة من السكان تعيش على اقتصاد بدائي، بالحصول على احتياجاتها بأقل مجهود ممكن في الزراعة والرعي مثلاً.

وبسبب سيادة الثقافة الأبوية والقبلية العشائرية، فإن عادةَ تحمل مسؤولية الإنفاق على الآخرين من أفراد الأسرة والأقارب ظلت هي السائدة. وأدى التوسع في التعليم، حيث أصبح الحصول على شهادة جامعية بمثابة نقلة طبقية تتيح لحاملها وضعية وموارداً وعلاقات تسمح بمساعدة الآخرين. وتعمقت هذه الممارسة في فترة الطفرة النفطية في الخليج خلال العقود الأربعة الماضية، حيث استقطبت الكثير من حملة الشهادات والفنيين المهرة، ووفرت لهم مداخيل مالية عالية أتاحت لهم فرص الزواج وبناء المنازل، وفوق ذلك مساعدة الكثير من الأقارب والأصدقاء على الزواج أو الدراسة أو العلاج، بل وأحياناً مقابلة تكاليف الحياة اليومية.

يتمتع السودان بأراض زراعية تقارب مساحتها المئتي مليون فدان، وثروة حيوانية بالملايين من رؤوس الأبقار والأغنام والجمال، إلى جانب جريان عدة أنهر، بعضها طوال العام وبعضها موسمي، ويتوفر على معدل معقول من الأمطار والمياه الجوفية، بينما عدد سكانه لا يصل إلى 40 مليوناً يقيمون في مساحات شاسعة.

ولهذا وعلى الرغم من المتاعب الاقتصادية التي رانت على البلاد منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، إلا أن القناعة السائدة هي أن السودانيين لم يعيشوا تلك الأزمة في حقيقتها الفعلية، لأنهم كانوا يحصلون على دعم مباشر وغير مباشر من أبنائهم وأقاربهم في المهاجر. وظلت تحويلات هؤلاء المغتربين تمثل الجزء الأساسي في ميزانيات الأسر، وفي العملات الصعبة التي تعتمد عليها البلاد، وظلت تتسرب إلى الداخل عبر السوق السوداء في معظم الأوقات.

الواقع الأبوي والعشائري

النظام السياسي ظل انعكاساً للواقع الأبوي والعشائري السوداني، أكثر من أن يكون عاملاً على تغييره. ويظهر ذلك في أن أكبر طائفتين دينيتين في البلاد، وهما الختمية والأنصار، تحت قيادة بيتي الميرغني والمهدي، كانت لهما واجهتهما الحزبية من خلال حزبي "الاتحادي الديمقراطي" و"الأمة"، وظلا القوتين السياسيتين في البلاد، في الحكم والمعارضة. بل حتى القوى الراديكالية يميناً ويساراً مثل الإسلاميين تحت لافتاتهم المختلفة أو الحزب الشيوعي، انتهوا إلى الممارسات نفسها بثبات القيادة فيهما، وبطريقة أبوية على الرغم من مرور الزمن.

فعبد الخالق محجوب، سكرتير عام الحزب الشيوعي، ظل في موقعه القيادي حتى إعدامه في العام 1971 أثر انقلاب ضلع فيه الحزب ضد الرئيس الأسبق جعفر النميري، وخلفه محمد إبراهيم نقد الذي ظل في قيادة الحزب حتى وفاته في 2012. والشيء نفسه مع الزعيم الإسلاموي الدكتور حسن الترابي، الذي ظل على قيادة الحزب منذ أن ظهر في الساحة السياسية في العام 1964 وحتى وفاته في 2016، بل واكتسب في سنوات عمره الأخيرة لقب الشيخ بكل محمولاته الصوفية والأبوية على الرغم من درجة الدكتوراه التي يحملها من جامعة السوربون.

بسبب سيادة الثقافة الأبوية والقبلية، فإن عادةَ تحمّل مسؤولية الإنفاق على الآخرين من أفراد الأسرة والأقارب بقيت سائدة. وأصبح الحصول على شهادة جامعية بمثابة نقلة طبقية تتيح لحاملها وضعية وموارداً وعلاقات تسمح بمساعدة الآخرين. وتعمقت هذه الممارسة في فترة الطفرة النفطية في الخليج خلال العقود الأربعة الماضية، فتحويلات المغتربين تمثل الجزء الأساسي في ميزانيات الأسر.

هذه الأحزاب تعاملت بقسوة مع الأصوات الناقدة داخلها، الأمر الذي أضعف إلى حد بعيد إمكانية إحداث تغيير داخلي. لذا تعددت محاولات الانشقاق التي لم تحقق نجاحاً يذكر لتحسين مسار وأداء هذه الأحزاب، وذلك لأن الزعيم ظل هو المرجعية النهائية في مختلف الأوضاع، على الرغم من تغير الأزمان.

ومن العوامل التي ساعدت على هذا الوضع طغيان ثقافة انتظار الحلول من الخارج، خاصة في الجانب السياسي الذي ألقى بتأثيره على مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية. فاستقلال السودان نفسه لعب فيه التنافس بين دولتي الحكم الثنائي، مصر وإنجلترا، دوراً رئيسياً في تحقيقه، إضافة إلى متغيرات إقليمية ودولية، إذ انقسمت القوى السياسية المحلية بين التقارب مع مصر أو إنجلترا، والدخول في مناورات هنا وهناك، مع ممارسة شيء من الضغط عبر العمل السياسي الداخلي أما لتحقيق الاستقلال مع علاقة متميزة مع إنجلترا، وهو الاتجاه الذي كان يتزعمه حزب الأمة بدعم من طائفة الأنصار، بينما كان الاتحاديون، وبسند من الطائفة الختمية، ينادون بالاتحاد مع مصر.

حلول خارجية

وحتى بعد الاستقلال، وعندما تُغلق منافذ العمل السياسي في الفترات التي يسيطر فيها العسكر على السلطة، يكون التركيز على حلول مسنودة من الخارج، من خلال تمرد أو عمل عسكري منطلق أيضاً من الخارج، وذلك بدلاً من الانكباب على العمل السياسي الداخلي وسط الناس، على الرغم من متاعبه والعمل على رفع قدراتهم السياسية ومقدراتهم الاقتصادية. حدث هذا من قِبل الجبهة الوطنية، التي شنت حملة عسكرية ضد النميري بدعم من القذافي في سبعينات القرن الماضي، ثم فترة التسعينات من خلال التجمع الوطني الديمقراطي بدعم إريتري وإثيوبي للتصدي العسكري لنظام الإنقاذ بقيادة عمر البشير. وحدث الشيء نفسه بالنسبة للحركات المتمردة في دارفور، وكلها ترسل رسالة أنها ستنازل النظام، وتوفر الخلاص منه عسكرياً من خلال حلٍ يأتي من الخارج.

هناك طغيان لثقافة انتظار الحلول من الخارج، خاصة في الجانب السياسي الذي ألقى بتأثيره على مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية.

على أن الكثير من المتغيرات أصبحت تطال المشهد العام، مما أثر على فرص الحلول الفردية سواء عبر الهجرة أو الاغتراب، ومن ثم تقلصت فرص معاونة من هم في الداخل في مواجهة تكاليف الحياة. كما أن خيارات شمس العمل العسكري المسنود من الخارج بدأت تتجه إلى الغروب بسبب الدرس القاسي الذي بدأ الجميع في تعمله، وهو الاحتمال الكبير أن يرتد العمل العسكري على مسانديه، إلى جانب تكلفته العالية اقتصادياً وأمنياً، وفي أحيان كثيرة سياسياً كذلك.

مقالات ذات صلة

ويعتبر الحراك الشعبي الذي أدى إلى الإطاحة بنظام عمر البشير العام الماضي أحد أوجه هذا الأمر ومؤشراً على حدوث متغيرات، إذ أنه تجاوز في طبعته السياسية القوى التقليدية، وفرض الشارع نفسه من خلال قوى الشباب والنساء غير المنظمة إلى حد بعيد. يمر المشهد بحالة إعادة تشكيل واصطفاف جديدة. ويبقى السؤال حول تمكّن هذا الحراك من إعادة تشكيل المشهد بصورة إيجابية باتجاه البناء، واستغلال ثروات البلاد لخير أبنائها، بعد اضمحلال فرص الحلول الفردية وقدرة الممارسات الأبوية على مواجهة المتطلبات المتنامية للقوى الشبابية الصاعدة.

مقالات من السودان

للكاتب نفسه