المرأة الطرابلسية 1947: مشاهدة العالم عبر شق "الحولي"

رحّالان تشيكيان شابان (قاما برحلتهما في 1945) يبدوان مستنكرين للاستعمار ومناهضين للامبريالية، لكنهما عاجزان عن رؤية المجتمعات "المحلية" التي يمران بها في ترحالهما عبر إفريقيا خارج منظار معتقداتهما الأوروبية عن التحرر وكيفية بلوغه. وإن كانا يلتقطان الكثير من الملامح السائدة، وإن كان الكثير من انتقاداتهما صائباً، إلا أن منظورهما القيمي يغلب الملاحظة. هذا عرض لبعض كتابهما يخص ليبيا.
2020-07-16

عماد الدين رائف

كاتب وصحافي من لبنان

سالمين الجوهري

باحثة في العلوم السياسية، من ليبيا


شارك
ليبيات يرتدين "الحولي".

شكلت السنوات التي تلت سكوت مدافع الحرب العالمية الثانية، ربيع 1945، فترة ملائمة للرحّالة والمستكشفين والسياح حول العالم، فقد ساد الهدوء بعدما أرهقت البشرية بكم هائل من الخسائر. وفي تلك الفترة انطلق الشابان التشيكوسلوفاكيان يرجي هانزيلكا وميوسلاف زيكموند في أولى رحلاتهما حول العالم، وكانت مخصصة للقارة السمراء، ووثقا مشاهداتهما في كتاب ضخم من ثلاثة مجلدات بعنوان "إفريقيا بين الحلم والواقع"، صدر في براغ سنة 1953 متضمنًا مئات الصور الفوتوغرافية، وكذلك بعدد من الأفلام التلفزيونية القصيرة التي ترافق بثها على شاشة التلفزيون الوطني التشيكوسلوفاكي (1948 – 1951) مع محطات الرحلة الطويلة التي استمرت نحو ثلاث سنوات (عبر الساحل الإفريقي من طنجة إلى الاسكندرية، ثم نزولاً بالتوازي مع مجرى النيل إلى منابعه، ثم إلى الجنوب نحو رأس الرجاء الصالح). رصد الرحّالان طبيعة المناطق التي عبراها، مناخها، آثارها القديمة، وأطناناً حديدية من بقايا العتاد العسكرية الذي استخدم في الحرب الكبرى. إلا أن أهم ما رصداه هو أحوال أهل البلاد، الاجتماعية والاقتصادية، ووضع النساء فيها. ومن تلك الشهادات التي قدماها، كشاهدي عيان، أوضاع المرأة الليبية في إحدى مقالات المجلد الأول من الكتاب، تحت عنوان "مشاهدة العالم عبر شق الحولي".

***
يهيمن الإسلام على سكان شمال إفريقيا بالكامل، لكن نادراً ما يتجلى في أقسى أشكاله كما هي الحال في طرابلس. تخترق حياة القرن العشرين أبواب العالم القديم من جميع جهاته، فتنبض المدينة نبضات المدن الساحلية الحديثة، بعجلات السيارات الأميركية، وإيقاع موسيقى الجاز، وهدير الطائرات، والأفلام الملونة، والبث المباشر لهيئة الإذاعة البريطانية الموجه للعرب. لكن هذه المظاهر ليست سوى القشرة الخارجية للحياة الحقيقية. وتحت هذه القشرة، تستمر حياة العصور الوسطى ببطئها وسلبياتها، والتي تبدو قوية لا تُهزم. حياة مثقلة بجبل من المواقف المسبقة، والخرافات تقبع خلف حاجز غير مرئي للمعتقدات. أعلنت السلطات المستعمرة عن صراعها مع هذا الوضع، إلا أنها لم تترجم هذا الإعلان بأي خطوات عملية...

لن ترى امرأة ليبية عربية في فيلم أبداً، لن تراها في أي مكان آخر في المجتمع. في طرابلس، العالم الخارجي الواقع خارج جدران المنازل الأربعة المقفلة بإحكام هو عالم خاص بالرجال فقط. لهذه المنازل العربية نوعان من النوافذ. النوع الأول لا يختلف عن السائد في أوروبا، أما الثاني فلا علاقة له بالنوافذ إلا بالاسم. تسمى نوافذ لكن لا يمكن فتحها، ولا زجاج لديها. هي أشبه بأقفاص خشبية للدواجن، أو زنزانات لسجناء ارتكبوا جرائم خطيرة. قضبان خشبية رفيعة تتصالب فوق بعضها البعض، تغطي الإطار الخشبي كله، فيغدو منظرها أكثر شبهاً بكعكة مخبوزة. وخلف هذه القضبان تقضي المرأة العربية حياتها كلها. لا يرى وجهها أحد غير زوجها وعدد من النساء اللاتي يختارهن الزوج. تلك المربعات الضيقة التي تمرر الضوء بين قضبان النافذة هو كل ما يربطها بالعالم الخارجي.

يُعتقد غالباً في أوروبا أن تعدد الزوجات بين العرب بات من بعض بقايا الماضي، التي يحافظ عليها عدد قليل من القبائل البدائية والمتخلفة. لكن هذا ليس صحيحاً، ففي جميع أنحاء العالم الإسلامي، ربما مع استثناءات قليلة في تركيا ومصر فقط، من السهل أن تجد هذه العادة التي شرعها القرآن، حيث يعتمد عدد الزوجات فقط على مقدار ثروة الزوج.

على العرب الانتهاء من سجن نسائهم. وهذا يتطلب نقطة تحول عميقة في أذهان المسلمين. لقد اضطروا مراراً وتكراراً إلى حمل السلاح لمنازلة الجيوش الإمبريالية، والقتال ببسالة ضدها لطردها من بلادهم. لكن مسألة تحرير المرأة الطرابلسية من الاستعباد الروحي والجسدي تحتاج إلى شجاعة أكثر بكثير من الصراع الشرس ضد الغزاة المدججين بالأسلحة الحديثة.

حاولنا العثور على حقائق أو معلومات تشير إلى أن المرأة العربية في طرابلس تتمتع على الأقل ببعض الحقوق بالمعنى الأوروبي، أو على الأقل بالمعنى التركي للكلمة. إن حرمان المرأة من حقوقها مسألة معترف بها من قبل العرب أنفسهم، وهم يدعمون آراءهم للقيام بذلك باستنادهم إلى آيات القرآن.

في المنزل الطرابلسي تكون المرأة معزولة تماماً، حتى أنها تتناول الطعام بشكل منفصل عن أفراد الأسرة الذكور. قبل دخول المنزل العربي، يتوجب عليك الانتظار قليلا حتى تتمكن جميع النساء من الاختفاء في مكان منعزل. ولن يقوم صاحب المنزل بإظهار زوجته أو بتعريفها على الضيوف أبداً. في أي محادثة تجريها مع صاحب المنزل، تتضمن مجاملات، يمكنك الاستفسار عن صحته، خرافه، جِماله وحميره، ولكن لا يمكنك بأي حال من الأحوال طرح أي سؤال يتعلق بزوجته. سيكون ذلك انتهاكاً غير مقبول للآداب.

عندما تبلغ الأنثى الثانية عشرة من عمرها تحل عليها لعنة "الحولي". وهو من السمات المميزة لطرابلس. الحولي عبارة عن رداء واسع من قطعة واحدة، مصنوع من الصوف الثقيل يصل طوله إلى نحو خمسة أمتار. ذلك الحجاب الذي يغطي أنف المرأة وفمها في طنجة أو سائر المغرب، يعتبر فاضحاً جداً وفق المعايير المحلية في طرابلس.

فالحولي يبقي للمرأة الليبية شقاً ضيّقاً فقط، يسمح لها أن تنظر من خلاله نحو العالم بعين واحدة، ذلك إذا ما أنعم عليها زوجها، وسمح لها بالخروج من المنزل لأمر ما. إن الحظر المفروض على المرأة في ما يتعلق بمغادرة المنزل شديد، ويطبق بقسوة على معظم الشابات، وهو صارم جداً إلى درجة أنهن لا يفكرن بانتهاكه.

عندما تبلغ الأنثى الثانية عشرة من عمرها تحل عليها لعنة "الحولي". وهو من السمات المميزة لطرابلس. رداء واسع من قطعة واحدة، مصنوع من الصوف الثقيل يصل طوله إلى نحو خمسة أمتار. يبقي الحولي للمرأة الليبية شقاً ضيّقاً فقط، يُسمح لها أن تنظر من خلاله نحو العالم بعين واحدة.

بالمجمل، يمكننا ملاحظة أن مشكلة الجهل عند العرب نتيجةٌ طبيعية لاستعباد المرأة، وعزلها عن العالم في سجن تعيش فيه طوال حياتها. لا يمكنك أن تطلب من أمّ أمية لم تلامس أبداً المصادر الأساسية للمعرفة أن تكون معلمة جيدة لأطفالها. لا بد أن العرب هنا يمسكون بأيديهم مفاتيح مستقبل أفضل من حالهم اليوم، لكنهم ما زالوا لا يعرفون ما الذي سيفعلونه بهذه المفاتيح، فمن الصعب عليهم جداً أن يحاربوا معتقداتهم كما جرت الأمور على الساحة الأوروبية.

العرب اليوم لا يزالون غير مدركين للعلاقة المتبادلة بين الجبهتين. إنهم يعلمون أن عدوهم الرئيسي هو الأجانب الذين نهبوا ثروات بلادهم، وسيطروا عليها بعدما قسموها إلى مستعمرات ومحميات. ويدركون جيداً أن معتقداتهم باتت بلا معنى، وقد عفى عليها الزمن وأنها تحبط الشعب وتسحق طاقاته. لكنهم في الوقت عينه لا يدركون أن المعتقدات وتفسيرات النص المقدس هي الآن إحدى الوسائل القوية التي يستخدمها المستعبدون والمستعمرون الأجانب ضدهم، وأنهم في حال استطاعوا إسقاط الروابط مع تلك المعتقدات والتفسيرات فسيحرمون المستعمرين من أقوى أسلحتهم، وسيحررون ويطورون القوى الإبداعية لدى ناسهم في مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة، وهي أمور لا يمكن أن يحاربها أي جيش استعماري من أي إمبراطورية.

لكن أولاً، وقبل أي شيء آخر، على العرب الانتهاء من سجن نسائهم. وهذا يتطلب نقطة تحول عميقة في أذهان المسلمين. لقد اضطروا مراراً وتكراراً إلى حمل السلاح لمنازلة الجيوش الإمبريالية، والقتال ببسالة ضدها لطردها من بلادهم، لكن مسألة تحرير المرأة الطرابلسية من الاستعباد الروحي والجسدي تحتاج إلى شجاعة أكثر بكثير من الصراع الشرس ضد الغزاة المدججين بالأسلحة الحديثة.

العالم الروحي لليبيين العرب أكثر تأثراً بالشرق الإسلامي منه بالغرب. يدرس الجيل الليبي الشاب بعناية الابتكارات في تركيا ما قبل الحرب، ويدرك جيداً أن نتائج التحرر كانت عبر رفض الكتابة بالحروف العربية، عبر إدخال الملابس الأوروبية ونظام التعليم الحديث. بعض ممثلي هذا الجيل أحدثوا نقطة تحول في طريقة تفكيرهم، وهي تزداد تسارعاً لإدراكهم الحاجة إلى التحرر وتعميم التعليم للسكان، وليس فقط للنخبة. بالكاد يمكننا، نحن الأوروبيين، أن نفهم مدى قوة هذا التحول في تفكيرهم. وللمرة الأولى منذ قرون عديدة في ليبيا يظهر اليوم مسلمون عاديون يتجرأون على التعدي فكرياً، ولو في دائرة أصدقائهم المقربين، على المعتقدات غير القابلة للنقاش. هؤلاء الناس يبهرهم حلم عن جيل جديد في طرابلس، لا مكان للأمية فيه، تفتح فيها مدارس للجميع، ولن ترى أي "حولي" فيها.

هؤلاء الشباب العرب يتعوّدون على المنعطف الكبير في طريقة التفكير الذي يصاحبه اضطراب كبير، لكنهم بدأوا بالفعل في ترتيب هذه الفوضى، وفي البحث عن طرق لتحقيق أحلامهم. إنهم ينظرون بقليل من التردد، كذلك الشخص الذي يعمي عينيه ضوء ساطع لبرهة. إنهم يخشون أن يفتحوا أعينهم على اتساعها، ويسمحون لأنفسهم بين الحين والآخر أن يتصرفوا وفق أعراف ما عادوا يؤمنون بها، لكن عاجلاً أم آجلاً ستنجلي الصورة أمامهم، وسيرون بوضوح.

لا يدرك العرب أن المعتقدات وتفسيرات النص المقدس هي الآن إحدى الوسائل القوية التي يستخدمها المستعبِدون والمستعمِرون الأجانب ضدهم، وأنهم في حال استطاعوا إسقاط الروابط مع تلك المعتقدات والتفسيرات سيحرمون المستعمرين من أقوى أسلحتهم، وسيحررون ويطورون القوى الإبداعية لدى ناسهم في مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة، وهي أمور لا يمكن أن يحاربها أي جيش استعماري من أي إمبراطورية.

يدرك جزء كبير من سكان طرابلس أنهم قد تخلفوا عن ركب الحضارة، ويبحثون عن مثال يحتذى به. ومع ذلك يشعرون أن تجربة أتاتورك لا يمكن تكرارها في ليبيا، بل يشعرون أنهم أقرب بكثير من مصر. والسبب في ذلك لا يكمن في الحدود المشتركة بين ليبيا ومصر فقط. تصل صحف عدة أحزاب سياسية إلى طرابلس من القاهرة، وتعرض منتجات الشركات السينمائية المصرية على شاشات دور السينما الليبية، إلى جانب الأفلام الأوروبية والأميركية الحديثة.

تلقى الأفلام المصرية نجاحاً أكبر بكثير لدى العرب الليبيين من أفلام بارامونت الملونة. على الرغم من أن الأفلام المصرية أقل جودة من الأفلام الأوروبية من حيث مستوى التمثيل والتقنيات والمحتوى، إلا أنها تظهر بقوة رجلاً يرتدي ملابس عصرية، وأمرأة تقود سيارة، أو تتحدث في مجتمعات حيث يوجد عدد من الرجال أكثر من النساء. وبالفعل، لا يوجد فرق في المظهر بين الممثلة العربية ونظيرتها الأوروبية. يغفر الشباب العربي الطرابلسي للممثلات والممثلين المصريين إيماءاتهم المبتذلة، والتعابير غير المتقنة على وجوههم. الحقيقة الأكثر أهمية بالنسبة إليهم، والأمر الذي لم يروه من قبل، هو أن الناس الذين يظهرون أمامهم ويؤدون أدواراً في الأفلام هم مثلهم يؤمنون بالدين نفسه وبالمعتقدات نفسها.

****

دعا محقق المجلدات الثلاث "إفريقيا بين الحلم والواقع"، الذي نشرنا نصاً منه تحت عنوان "المرأة الطرابلسية 1947: مشاهدة العالم عبر شق الحولي" ،الباحثةَ الليبية الشابة سالمين الجوهري للتعليق بحرية على النص، فكان هذا النص!

المرأة الليبية في زمنين

"مولاي، أنا لم أرَ من دنياك الزرقاء سوى البلاط وصراصير مرحاضنا وفردة الحذاء.
مولاي، أنا قضيت في دكاكين حميد خمسين عاماً من نسخة واحدة. ودفنوني بعد ذلك في المقبرة التي تقع على بعد مئة متر من بيتنا، فهلّ أرسلتني إلى الدنيا لكي أمشي فيها مئة متر داخل نعش؟".

بهذه الكلمات، على لسان امرأة ليبية، يصف الصادق النيهوم الأوضاع مطلع ستينيات القرن العشرين في "فرسان بلا معركة". تعيش هذه المرأة في ثاني أكبر مدن ليبيا، حيث يجتمع الحضر والبدو في منطقة متوسطية تعاقبت عليها حضارات عدة وديانات. تضم المدن تركيبة مكونات المجتمع الليبي، وهو مزيج من العرب والأمازيغ والتبو والطوارق، ولكل مكون منها إرثه الثقافي والاجتماعي. قد يسهل تمييز خصائص كل قبيلة أو مجموعة بشرية في بيئتها الخاصة، إلا أنها تمازجت في المدن فأنتجت صورة عامة للمرأة.

الوضع في الستينيات يشي بأنه ليس من السهل أبدًا أن يولد إنسان ما ليجد نفسه امرأة، والصورة تغدو أكثر صعوبة بكثير حين يجد أنه امرأة ليبية، لا يمكنها أن تنال ما تريده أبداً. فهي الأم والزوجة والمربية والمعلمة والطبيبة والممرضة والمهندسة والقاضية... ولكن حفاظاً عليها سترتدي فقط ما يراه المجتمع لائقاً بها، وستعمل لكن في حدود المعقول. فهي بأي حال من الأحوال لا تملك قوامة الرجل، والمجتمع حريص على إبعادها وعزلها عن الانخراط "في الأمور الحساسة"، فالمجتمع "يخاف عليها" لا منها!

الحبيب الأزرق

تقول السيدة ف. م. من منطقة دكاكين حميد: "عندما وقفتُ بين يدي الله وكبّرت رغم أنفي، كعادة الأطفال، غطوا وجهي بقطعة قماش زرقاء، وأعلموني أن النساء في ليبيا يخبئن وجوههن بالقماش الأزرق اتقاءً لنار الحب. وقد أفزعني أن أكتشف في اليوم التالي أن العالم بأسره صار أزرق اللون. الشمس والشوارع ووجوه المارة والتراب وابن جارنا الذي كان ينتظرني كل يوم عند مدخل الزقاق. صار حبيبي أزرق اللون. وقد رأيته يبتسم من وراء قطعة القماش وسمعته يقول لي إنني أصبحت عروساً زرقاء، وحلمت به طوال الليل. في الصباح، رأيته يمد يده إليّ برسالة صغيرة، وكنت أنوي أن أشتمه كما تقضي التقاليد. آنذاك خرج والدي من البيت فجأة، ورأى ابن جارنا عند مدخل الزقاق. منعوني من الخروج، وضربني والدي حتى دق ضلوعي، وبكت والدتي طوال الأسبوع، وقالت إحدى جاراتنا إنني بنت داعرة مثل بقية بنات المدرسة. ثم منعوني من الخروج، فبقيت في البيت رغم أنفي كعادة النساء".

الحرية المشروطة

أي زائر لليبيا وتحديداً مدنها الكبرى، حيث الجامعات والدوائر الحكومية والقطاع الخاص والعام، سيشاهد النساء في كل تلك الأماكن بشكل لافت، فهل ينفي هذا ما ذكره النيهوم في كتابه؟ هل يعني هذا أنها صارت اليوم مستقلة بكيانها الخاص، تملك حرية الاختيار والمصير؟

الجواب لا، فهي حرية مشروطة ومهددة. في أي لحظة قد يسلب ولي الأمر الفتاة حقها في الدراسة، أو أن يختار لها شريك حياتها، أو أن يقرر أن تكمل عمرها بين جدران المنزل، لا ترى من الناس غير أقربائها (النساء منهن لا الرجال من غير المحارم بالطبع). هذا ما حدثتني عنه م. إ.، وهي في منتصف العقد الرابع من العمر، حين قرر أشقاؤها أن لا جدوى من رسالة الماجستير، بل يكفيها بكالوريوس القانون بتقدير عام جيد جداً! أيدتهم أمها في ذاك القرار، ولا حول لها ولا قوة.

ولي الأمر

ولي الأمر في مجتمعنا هو الرجل.. أي رجل، أكان أباً، أخاً، زوجاً، عمّاً أم خالاً. فهو من يحمل صفة الولاية حتى وإن كانت المرأة ولية نفسها بنفسها، وتكون من يتكفل بحاجاتها اليومية منذ أن تفتح عينيها في الصباح إلى أن تغمضهما.

المرأة الليبية لم تشتك يوماً دورها تجاه عائلتها، بل كانت عوناً لرفيقها الرجل كتفاً بكتف، بكل ما مرّ بالبلد من محن وأزمات واستعمار وجفاف وحروب. شاركته القتال والتموين، الزرع والحصاد والتخزين، الرعي والنسج وغيرها من الحرف اليدوية التي كانت بها تساهم فيها اقتصادياً واجتماعياً.

الدكتورة أم العز الفارسي - أستاذة العلوم السياسية في كلية الاقتصاد في جامعة بنغازي تقول: "وأستعيد لحظة تاريخية فارقة في حياتي حين أخذ والدي بيدي بعد ست سنوات من عمري، وذهب بي إلى المدرسة تنفيذاً لحق دستوري وعقد اجتماعي خضع له الليبيون، يلزم الآباء والدولة بتعليم الأولاد والبنات إلزامياً. وفي المدرسة عرفنا معانٍ جديدة للهوية، من التنشئة السياسية والاجتماعية التي تلقّنها المدرسة ضمن المناهج، بدأت تنمّط تفكيري ومظهري وسلوكي، وبدأ التأثير المباشر بين البيت وبين المدرسة. بدأتُ ألقَن كيف أكون ليبية بالنشيد الوطني، وبدأت ألقَن كيف أكون عربية في مادة التربية الوطنية، وبدأت ألقَن معنى الهوية، التي بموجبها التقيت أساتذتي، ومن ثم طلابي وأصدقائي، وتبحرت في كتبي، واستمتعت بموسيقاي، واخترت ما يروق لي من ليبيتي وعروبتي وعالميتي وحياتي. لقد شكل الدستور هويتي ضمن إرادة جماعية تؤسس لمفاهيم الهوية، بدأنا نشترك في أن لنا هوية مشتركة كليبيين، كبشر، وعرفنا أن لنا خارطة محددة نعيش عليها، مدرسة، مستشفى، طريق، نظافة، أشجار، مياه، كهرباء، كيان جماعي تنتظم فيه العلاقات، وتتحدد فيه الأدوار وتتحرر الإرادات، في اختيار هوياتها وفقاً لأبعاد مؤثرة وحاكمة. هذا المشهد يرسم لوحة الهوية للمواطن الليبي بداية من الاستقلال في العام 1951، وحتى التغير الدراماتيكي الذي حدث بعد 1969 أيلول/ سبتمبر، إذ سيطر نظام القذافي، ليوقف العمل بإرث دولة الاستقلال، وتبدأ ليبيا بعده بملامح اللانظام واللادستور، وأثر ذلك كثيراً على الثقافة السياسية ومعالم الهوية الليبية."

لعل هذا يفسر الكثير من التناقضات التي نعيشها اليوم كليبيين. ويلقى الضوء واللوم معاً على التغيير السياسي الذي شهدته ليبيا منذ الاستقلال والدولة الدستورية إلى عهد القذافي الذي كانت القبضة الأمنية فيه بيد من حديد، والتي وصفها آباؤنا وأمهاتنا بأنها ظروف غير ملائمة لممارسة الحياة الطبيعية للذكور قبل الإناث. وحيث إن هذه المدة قد امتدت لأربعة عقود، فإنه من البديهي أن نرى بوضوح نأي المرأة عن ممارسة الحياة السياسية، على سبيل المثال، في مجتمع يصنف نفسه أنه محافظ ويختلف عن جيرانه، على الرغم من اشتراك المنطقة كلها في استخدام المرأة وشرفها والخوض في الأعراض كأداة ردع وتخويف وترهيب لكل من يقول لا.

بعد الثورة

الحال لم تختلف كثيراً بعد شباط/ فبراير 2011، حين اندلعت ثورة أطلقت شرارتها أمهات السجناء والمغيبين من الميدان، اللواتي كن يطالبن بمعرفة مصير أبنائهن. بل حضرت المرأة في كل ميادين الثورة آنذاك، من الإعلام، والطبابة، والعمل الإغاثي، والمظاهرات، ومراقبة الانتخابات، وحتى الترشح وتصحيح مسار الثورة.

اليوم، الغالبية العظمى من مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية من نصيب النساء في ليبيا، إلا أن غيابها عن صناعة القرار والمناصب السيادية كان فاضحاً، على الرغم من غياب أي نص قانوني يمنعها من المشاركة! وكأن عقداً بديهياً واتفاقاً عرفياً حصل بين الجميع، فتراجعت المرأة خطوات إلى الوراء، وصارت تنادي على استحياء بالسلام والسلم. وقد حدث ذلك بعد صفعات متتالية، من اغتيال وترهيب. فتغييب المرأة حتى يومنا هذا يبدو كنتيجة حتمية لغياب الأمن وانتشار السلاح والفوضى.

الرجل نفسه، الذي قد يهدد المرأة "السافرة" وينهرها لمنعها من "أن تخوض في ما ليس لها فيه علم"، بل وقد تمتد سلطته إلى منعها من السفر في المطار، بحجة "عدم مرافقة محرم لها"، هو نفسه قد يؤمن موكب سفيرة أو رئيسة أو وزيرة إحدى الدول العظمى، فتخبره أن لا مكان للفوضى والسلاح في هذا البلد، وأن دولتها تدعم السلم والحوار.. فيرد آمين!

*صور التقطها الرحالان في شوارع طرابلس ليبيا.

مقالات من ليبيا

أسباب تأزم الانتقال السياسي والدستوري في ليبيا

لا تعاني ليبيا من مجرد انقسام على المستويين السياسي والأمني، بل بالإضافة إلى ذلك، فهناك انقسام وتدهور على المستويات الدستورية والنُظُمية والهوياتية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية والجهوية والثقافية والقيمية في آن...

للكاتب نفسه