السعودية: حربٌ في المرآة

تنتظر السعودية الصيحة الكبرى. كل ما مرّ إلى الآن كان مجرد إرهاصات الخطر الآتي. بات المسؤولون يحجون إلى حدود الصحراء الشمالية المترامية الأطراف ليتأكدوا أن لا عناصر غريبة هناك. رايات سوداء تلوح في أفق المملكة، تدفع النصوص والمقالات والأفواه إلى ترديد متلازمة "الإرهاب لا دين له". مفتي المملكة اعتبر "داعش" أمراً خارجاً عن الإسلام تجوز محاربة منتسبيه وقتلهم ودعا إلى الوقوف مع القيادة. في الوقت نفسه
2014-09-01

أحمد دحمان

كاتب من السعودية


شارك
من الانترنت

تنتظر السعودية الصيحة الكبرى. كل ما مرّ إلى الآن كان مجرد إرهاصات الخطر الآتي. بات المسؤولون يحجون إلى حدود الصحراء الشمالية المترامية الأطراف ليتأكدوا أن لا عناصر غريبة هناك. رايات سوداء تلوح في أفق المملكة، تدفع النصوص والمقالات والأفواه إلى ترديد متلازمة "الإرهاب لا دين له". مفتي المملكة اعتبر "داعش" أمراً خارجاً عن الإسلام تجوز محاربة منتسبيه وقتلهم ودعا إلى الوقوف مع القيادة. في الوقت نفسه الذي تنتشر فيه في الصحف أخبار السعوديين الذين باعوا ممتلكاتهم للالتحاق بدولة الخلافة الصاعدة.
 قصص صغيرة يرسم تجميعها صورة عن وضع مخيف باتت السعودية موقنة أنّه قادم.
كان للقاعدة تجربة جهاد في المملكة، عقب أحداث 11 سبتمبر وغزو أميركا للعراق وتصاعد مشاعر التضامن مع دار الإسلام في بلاد الرافدين والتحاق المجاهدين بساحات المعارك وسقوط بغداد وعودة المقاتلين إلى الديار...
 ردات فعل عنيفة نجمت عنها تفجيرات إرهابية عدة استهدفت مجمعات سكنية ومراكز حكومية وإطلاق نار على رجال أمن وقضاة وأجانب يعملون في البلاد.
عاد المجاهدون في 2003، لتجد المملكة نفسها في حرب مع مواطنيها وفكرها وعقائدها. هي التي كانت تحرض على الجهاد في شتى بقاع الأرض، وتنفق ملايين الريالات لدعم الحركات القتالية في أفغانستان والشيشان والعراق ضد غزوات الكفار، وجدت نفسها في حرب مع تلك الأفكار.
فالأجانب المنتشرون في مرافق البلاد الاقتصادية المتحكمون بزمام الأمور أهداف مشروعة ومحببة، والمجمعات السكنية التي يُسمح فيها بالمنكر من دون أن يكون للحكومة أي سلطة على ساكنيها هي أراضي فساد، والانفتاح الذي بدأ يعصف بالمملكة ويدفع النساء إلى المطالبة بحق العمل والتعليم والخروج من دون محْرم أفكار مسمّة من الواجب اقتلاعها باليد. فالحكم كلّه لله وخاصّة في بلاد الحرمين الشريفين. كل هذا أدّى إلى حملة شنتها القاعدة في جزيرة العرب لهزّ المجتمع الذي بدأت مظاهر التغرب تسود في أنحائه، واستهدفت الحملة السعودية أكثر من غيرها من دول الخليج.
وبعكس كل الدول التي واجهت مظاهر التشدد الإسلامي كمصر والجزائر، تجد المملكة نفسها قادرة على الإمساك بالخيط الدقيق، تتحرك بصمت ومن دون ضجة القمع، فمجتمعها المتمسك بمظاهر الدين سيُستفز في حالات الصدام بين الشرطة والجناح الديني، وأيقونة جهيمان ما تزال في قلوب الكثيرين. "الأرض الطاهرة المقدسة لن يصيبها الدنس"، هذا أسهل شعار كفيل بتقليب الوضع في البلاد وتحويلها إلى خراب.
تدعم المملكة القطاع الديني غير المنتج، ولا تفرض أي عوائق ظاهرة على الدعم المالي واللوجستي الذي يصبّ في تنميته. الحرية المتاحة للتفنن ببث الدعوات الدينية وجذب العقول الشابة، بالأخص في المخيمات الدينية التي تقام دورياً في ربوع المنطقة، ساهمت في إيجاد جمهور ملتزم مستعد لتجنيد أطفاله واحتسابهم طيوراً في الجنة. وحتى مدى قريب، لم يتعرض القطاع الديني إلى أي نوع من الرقابة ما دام التغريد يدعم السلطات الحاكمة، وما دام الناس مستمعين أوفياء لشيوخهم الذي يحضّونهم على الجهاد في الخارج من دون المساس بربوع المنطقة. الظلم بعيد وهنا دولة العدل والإسلام.
لا مانع من أي كلام أو فتاوى ما دامت لا تدعو إلى خراب المراكز الحساسة ومنابع النفط والمدن الصناعية الكبرى. فهذا القطاع الديني هو الذي يحافظ على تماسك المجتمع، ودعوات الشيوخ المستمرة هي القادرة على توضيح الطريق. لو أرادوا لزعزعوا الوضع المستقر إجمالا والذي يعدّ عنصراً أساسياً لجذب الاستثمارات والمشاريع الخارجية.
 ورغم كل ما مر من تغييرات في التفكير السعودي، مازالت السلطة الدينية تملك القدرة على توجيه الرأي العام في البلاد.
المملكة أرض خصبة وجاهزة للفكر المتطرف، فاستنسابات القاضي في شؤون الشرع هي ما يحدد العقوبة، والشنق وحزّ الرأس أمران يُدْعى إلى مشاهدتهما في الساحات لأخذ العبرة، والمرأة تلقائيا ما تزال غير قادرة على التحرك بحرية من دون سلطة الرجل الحاكم، وغطاء الوجه أمرٌ رائج، وقانون العقوبات ضبابي غير واضح، والشرطة الدينية مظهر طبيعي وعادي قادر على فرض رؤيته على أي مظهر يخالف "الصورة المثالية" للسعودية.

مقالات من السعودية

بن سلمان وهيئة الترفيه

يشير فشل "هيئة الترفيه"، بعد أكثر من سنتين ونصف على تأسيسها، إلى الأسباب ذاتها التي أدت إلى فشل "عاصفة الحزم" في تحقيق أهدافها! ففي الحالين - على اختلافهما - تتفاقم...

خفة ترامب التي لا تُحتمل

البارحة أعلن ترامب أنه "لولا السعودية لكانت إسرائيل في ورطة كبيرة"، ولكنه لم يستطرد في شرح هذا الحكم المقتضَب حتى الآن، والأمل أن يكشف أكثر في مقبِل الأيام.

للكاتب نفسه

مطرٌ في السعودية: يا للكارثة!

أحمد دحمان 2013-12-04

يحدث أن تهطل الأمطار في كلّ بلاد العالم دون أن توقع ضرراً، يحدث أن تهبّ العاصفة مرتين، وثلاثاً وربّما عشر مرّات ويبقى البلد على حاله. لكن ليس في السعودية، فإنّ...