هل تهرم شرطة المطاوعة؟

تعرف المطاوع من اللحية، والثوب القصير، والدمغة على الجبين. والمطاوع هو فردٌ من «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، الشرطة الدينية في السعودية، الموكلة بالحفاظ على حسن تطبيق الشريعة الإسلامية في الأماكن العامة وفي الأسواق والمجمعات التجارية، والحؤول دون وقوع المنكرات، من اختلاط غير شرعي بين الجنسين، إلى الدعوة إلى الصلاة، وحثّ النساء على ستر شعورهن والالتزام بتعاليم الحجاب.
2012-10-03

أحمد دحمان

كاتب من السعودية


شارك
| en

تعرف المطاوع من اللحية، والثوب القصير، والدمغة على الجبين. والمطاوع هو فردٌ من «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، الشرطة الدينية في السعودية، الموكلة بالحفاظ على حسن تطبيق الشريعة الإسلامية في الأماكن العامة وفي الأسواق والمجمعات التجارية، والحؤول دون وقوع المنكرات، من اختلاط غير شرعي بين الجنسين، إلى الدعوة إلى الصلاة، وحثّ النساء على ستر شعورهن والالتزام بتعاليم الحجاب. والمطاوع سلطة قادرة، لا يقف أمامه قانون وضعي أو رجال شرطة، يكفي أن يشك ليغير المنكر بيده فإن لم يستطع فبلسانه، وهذا ما يراه أضعف الإيمان.
«استري شعرك»، «ممنوع»، «يا أخي»، «يا أختي» «صلاة، صلاة»، «حرام»، «اتقوا الله»...

سطوة الهيئة

تتجوّل العيون المراقبة لسدّ أي ثغرة تراها تشقّ طريقها إلى العلن. بيدها تمسك بالحقّ الذي يوجب عليها إجراء التغيير، لا أحد يمنعها، فهي هنا اليد الطولى في البلاد، من واجبها تغيير كلّ ما تراه منكراً، وهو مفهومٌ تتسّع دائرته وفق رؤية ذاتية للمنكر. فالخلوة بين الذكر والأنثى حرام، وإذا ما تمّت رؤيتهما من قبل الشرطة الدينية يسارع المطاوع إلى الاستفسار عن الحالة الاجتماعية التي تربط بين الفردين والتثّبت منها.
الهيئة هي الآمِر والناهي في المملكة. تحدّد الممنوعات والمسموحات، وتقرّر الأمور التّي فيها صلاح المجتمع: تحمي المجتمع السعودي من مدّ الحضارة الغربية المخيف، وهي من يحول دون جلوس النساء خلف مقود السيارة «خوفاً من فقدانهنّ لعذريتهن». تتدخّل الهيئة في أيّ عملية إصلاحية تقرر المملكة إجراءها. فالسماح للنساء بالعمل في محال المستلزمات النسائية أخذ الكثير من الردّ والجدل والنقاش، لم تقتنع الهيئة بهذا القرار، رأت فيه بداية لتغريب المجتمع السعودي، وحثّه على الانفلات وانهيارا لجدار الفصل الذي بنته المملكة عاما بعد عام. حاولت بكل قوّتها الوقوف في وجهه. هددت، خوّفت، لكن إصرار وزير العمل على وضعه موضع التنفيذ ضيّع جهودها سدى.
مارست الهيئة سطوتها على المجتمع، التغيير الذي سمحت به كان قليلاً وتمّ نتيجةً لضغط هائل من مجتمعٍ هو خليط من مواطن أصلي يفهم خبايا الأمور، ومقيم يرغب بنقل معالم مجتمعه لتطعيم المجتمع الذي يعيش فيه. يخاف الكل من الهيئة، يحاولون تفادي رجالها المنتشرين في أماكن التجمعات والأسواق يوّزعون تعاليمهم وتعليماتهم على مختلف الأفراد. يخاف الجميع من قدرتهم العجيبة على رؤية التّهم والتدّخل في تفاصيل الأمور، يحاولون التأقلم مع هذه القوّة التّي تجعل من أبسط الأشياء خطيئةً لا تُغتفر.

من هي الهيئة

تأسست الشرطة الدينية في المملكة العربية السعودية عام ١٩٤٠، مركزها العاصمة الرياض، تجمع تحت لوائها ٤٠٠٠ عنصر يعرفون بـ«المطاوعة»، ويرأسها مدير تنفيذي يعينه الملك.
مهمة هذا الجهاز الرسمي «تطبيق الأحكام الشرعية الإسلامية في الأسواق العامة وغير ذلك من الأماكن» والحيلولة دون وقوع المنكرات الشرعية التّي تُظهر عدم الاحترام للدين الإسلامي».
كما يقوم عناصرها بالانتشار في أماكن التجمعات ودفع الناس لتلبية نداء الصلاة، وتأدية هذا الفرض الواجب جماعة، والعمل على إيقاف حركة البيع والشراء. تمنع الهيئة الحفلات الموسيقية العامة أو تلك الخاصّة في أماكن عامة، وتملك الحق في التفتيش في هواتف الشباب الجوالة بحثا عن رسائل يرونها تتعارض مع أحكام الشريعة.
وقد أنشأت المملكة معهدا عاليا مختصا بشؤون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تابعا لجامعة أم القرى، ويعمل على إجراء الدراسات التي تبحث في دور الهيئة ونظامها كمؤسسة في المجتمع.
تصدر الهيئة لائحةً طويلة بالممنوعات والمسموحات التي تعمل على تطبيقها على المجتمع السعودي، ترافق وتيرتها المتصاعدة التأثيرات المتزايدة للمبتعثين العائدين من الخارج، والحراك الاجتماعي والسياسي المطالب بالحرية والذي شهدته الدول المجاورة، كاليمن والبحرين.

رهاب ومطاردات وموت

تسكن في أذهان الناس صور سلبية عن الشرطة الدينية في السعودية. صور وليدة حوادث مفجعة أدّت إلى فقدان أرواحٍ كان يمكن تفادي موتها. هذه الحوادث شكّلت بصمة سيئةً في سجل الهيئة وجعلتها عرضةً لاتهاماتٍ بانتهاك حقوق الإنسان. فالهيئة اتّهمت بأنّها تقف خلف زيادة أعداد الضحايا من الفتيات في حريقٍ وقع في مدرسة البنات في مكّة عام ٢٠٠٢، عندما رفض عناصرها دخول فرق الإنقاذ من رجال إطفاء وإسعاف إلى حرم المدرسة، وأغلقوا الأبواب على البنات والحريق مشتعلٌ فيها بحجّة أنّ الفتيات «لا يرتدين الحجاب» «وبأنّه لا يجوز للفتيات أن ينكشفن أمام الغرباء».
وآخر الحوادث التي زادت من حدّة الانتقاد كانت عملية مطاردةٍ لمشتبه به من قبل رجال الهيئة، أدّت الملاحقة إلى مقتل الرجل وإصابة زوجته وأحد أطفاله بجروحٍ خطيرة في حادثة صارت تعرف باسم «حادثة بلجرشي»، أصدر على إثرها الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ قرارا يمنع فيه رجاله من القيام بعمليات الملاحقة، وإيكال هذا الأمر إلى القوى الأمنية المختصة.
لا تريد المملكة للهيئة أن تتحوّل إلى عدوّ داخلي يزرع الرعب في قلوب الناس، لكن السعوديين يرون في تصرفات بعض أعضائها قسوة لا تولّد غير النفور. والفجوة إلى اتساع. فما يعتبره رجال الهيئة إرشادا يرى فيه المواطن تدخلا سافرا بأموره الشخصية، والهداية التي يسعى المطاوعون إلى تحقيقها تختلف مقاييسها من فرد لآخر. وبالرغم من أنّ السعوديين تعوّدوا الهيئة، وأصبح مقياسها للأمور هو دليل الصواب والخطأ، إلا أنه يشوب التعامل معها نوع من التردد. فالمجتمع يرى فيها جهازا يحفظ الصورة العامة كما يريدونها، قائمة على تعاليم إسلامية، لكن بعض تصرفات عناصرها تزعج السعودي، ما جعل من رجالها عقدةً يحاول الجميع تفاديها، أو تجاوزها، لا فرق.
هناك شيء غريب يحدث في السعودية. فالمجتمع الذي ظلّ لفترة طويلة يحاول اتّقاء سطوة الهيئة تظهر عليه علامات التململ. حوادث غريبة ساعدت في انتشارها شبكة تواصل اجتماعية قائمة على عالم افتراضي بدأ يشكّل جماعات الضغط في البلاد ويخلق مجتمعا مدنيا يحاول المطالبة بالحقوق كما تطالبه الدولة بأداء الواجبات. من التويتر إلى الفايسبوك واليوتيوب، تنتشر بسرعة النار الأخبار عن حوادث تتعلق برجال الهيئة، وتشكّل «هاشتاغ» لإعطاء الرأي والمطالبة بتغيير مسار الأمور. بل تعرضت الهيئة، كجهاز، لحملة على التويتر تطالب بإلغائها.

الهيئة والشباب السعودي

الشباب الذي كان يتعاطى بحذر مع رجال الهيئة بوصفه المتّهم والمستهدف الأول لرجالها، لم يعد يمانع ردّة الفعل الدفاعية. فالآونة الأخيرة شهدت تحركات من قبل الشباب السعودي تجاه أفراد الهيئة. فمن كان يعمل على الانصياع لأوامرهم من دون أن ينبس ببنت شفة بدأ بمواجهتهم بأساليب قد تصل لحدّ التعرّض بالضرب. وانتشرت الأخبار عن حوادث تجمع الشباب إلى عناصر الهيئة: فتاة سعودية تعتدي بالضرب على عضو الهيئة بقذفه بحجر على رأسه بعد اكتشافها في خلوة غير شرعية مع شاب أجنبي. فتيات يضربن رجال الهيئة بعد قيامهم بتوجيه انتقادات لهن، انتهاء بحادثة فتاة «المول».
فقد نشرت الفتاة فيديو على موقع اليوتيوب، أحدث هزّة في المجتمع السعودي، وفيه تظهر بينما هي تستدعي الشرطة لرجال الهيئة، بعد مطالبتهم لها بمغادرة المجمع التجاري بسبب وضعها لطلاء الأظافر، وتعنفهم وتعاندهم. انتشر الفيديو كالنار في الهشيم، وشكّل صدمة في المجتمع الذي يتعامل بحذر مع الأنثى ومع المطاوع على حدّ سواء. ولكنه أثار النقاش حول ردّة فعل الفتاة العنيفة وطريقة تعاملها مع ذراع الردع في المملكة، وحول تجاوز المطاوعة لدورهم في ملاحظاتهم والتدابير التي حاولوا تطبيقها.
فهل تخلع السعودية ثوب الهيئة، وتعيد النظر في أجهزتها الموكلة الحفاظ على صورة نقية للمجتمع؟

مقالات من السعودية

مسار الحركة النسوية السعودية

ما نجحت فيه الحركة النسوية كحركة حداثية البنية، هو أنها اول حركة سعودية منذ عقود تكسر كل الحواجز الطائفية والمناطقية بل وحتى الطبقية، وتكوِّن جمهوراً واسعاً من الجنسين من ذوي...

للكاتب نفسه

السعودية: حربٌ في المرآة

أحمد دحمان 2014-09-01

تنتظر السعودية الصيحة الكبرى. كل ما مرّ إلى الآن كان مجرد إرهاصات الخطر الآتي. بات المسؤولون يحجون إلى حدود الصحراء الشمالية المترامية الأطراف ليتأكدوا أن لا عناصر غريبة هناك. رايات...

مطرٌ في السعودية: يا للكارثة!

أحمد دحمان 2013-12-04

يحدث أن تهطل الأمطار في كلّ بلاد العالم دون أن توقع ضرراً، يحدث أن تهبّ العاصفة مرتين، وثلاثاً وربّما عشر مرّات ويبقى البلد على حاله. لكن ليس في السعودية، فإنّ...