المحكمة الدستورية السودانية تشهر سيفها

شيء ما يحدث في دولة السودان.. ويتمحور حول المحكمة الدستورية التي أصدرت منذ العام الماضي ثلاثة قرارات تلفت النظر. البداية كانت عندما نقضت تلك المحكمة قرارا لجهاز الأمن والاستخبارات الوطني بتعليق صحيفة "التيار" الى أجل غير مسمى، وهو القرار الذي استمر ساري المفعول لفترة عامين حتى نجحت جهود ناشر الصحيفة ورئيس تحريرها، عثمان ميرغني، في الحصول على حكم لمصلحتها من "الدستورية"،
2015-08-27

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك

شيء ما يحدث في دولة السودان.. ويتمحور حول المحكمة الدستورية التي أصدرت منذ العام الماضي ثلاثة قرارات تلفت النظر. البداية كانت عندما نقضت تلك المحكمة قرارا لجهاز الأمن والاستخبارات الوطني بتعليق صحيفة "التيار" الى أجل غير مسمى، وهو القرار الذي استمر ساري المفعول لفترة عامين حتى نجحت جهود ناشر الصحيفة ورئيس تحريرها، عثمان ميرغني، في الحصول على حكم لمصلحتها من "الدستورية"، وعادت الصحيفة إلى أيدي القراء منذ العام الماضي.
ومن الإعلام إلى الفساد: انتصرت "الدستورية" لرقيب في الشرطة ثابر على متابعة قضايا الفساد في الأروقة العليا للمؤسسة التي يعمل بها، مما أدى الى قيام رؤسائه بتوقيفه ونقله للعمل في مناطق نائية، ثم محاكمته أمام محكمة داخلية للشرطة قضت بفصله من الخدمة وسجنه أربعة أعوام خُفضت إلى عام واحد أكمله. ورغم انه هاجر للعمل خارج السودان، إلا أنه استمر متابعا قضيته عبر المحامين، ولم يستسلم حتى أنتهى به الأمر الى المحكمة الدستورية التي قضت أواخر العام الماضي بعدم دستورية وجود محاكم خاصة بالشرطة ابتداءً، وبالتالي ببطلان ما ترتَّب على تلك المحاكمة من عقوبات سجن وطرد من الخدمة، وأمرت بإرجاعه الى عمله وتعويضه.
ثم جاءت القضية الثالثة عندما أمرت "الدستورية" مؤخرا باعادة فتح التحقيق في قضية قتلى مدينة بورتسودان التي تعود الى العام 2005، حين فتحت قوات من الأمن النار على متظاهرين فقُتل منهم 20 شخصا وجرح آخرون. وتمكنت السلطات من لفلفة القضية في البداية، بالتوصل إلى تسويات مع بعض ذوي القتلى، مما يعني اعترافا ضمنيا بما حدث. لكنها تعاملت مع الذين رفضوا التسوية بالحيل البيروقراطية والإجرائية، مثل ضرورة تحديد أسماء المتهمين بإطلاق النار حتى يتم فتح بلاغات ضدهم، أو أن القضية سقطت بالتقادم. لكن مثابرة أهالي ستة من قتلى تلك التظاهرات أوصلت القضية إلى المحكمة الدستورية التي أصدر قاضيها حكما يقول إنّ القتل من الجرائم المطلقة التي يمكن أن تفتح فيها الدعوى في أي وقت، حتى إذا كان القاتل والقتيل مجهولين، وواجب الشرطة والنيابة بذل الجهد حتى إحضار المتهمين أمام العدالة، وهو القرار الذي سانده بقية قضاة المحكمة الستة بمن فيهم رئيسها، وقاضية.

أبعاد التغيير

تتمثل أهمية هذه القرارات في أنها تتحدى عمليات الحصانة التي تسبغها الدولة على تصرفاتها، وخاصة على أجهزتها الأمنية، وهو ما يثير تساؤلات عن أبعاد هذا التغيير وإذا ما كان يفتح المجال أمام تطورات سياسية. بداية، ينبغي الإشارة إلى أن دستور 2005 (الذي أعد في إطار اتفاقية السلام الشامل مع متمردي الجنوب بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان وبرعاية دولية) هدف، إلى جانب وقف الحرب، وضع الأسس لتحول ديموقراطي، ومن هنا الإشارة في الدستور إلى الحقوق الإنسانية والدستورية للمواطنين، بما فيها حرية التعبير. كما أقامت تلك الوثيقة أجهزة، ومن بينها المحكمة الدستورية، لتصبح الحارس والقيِّم. أحكام المحكمة نهائية، خاصة أن قضاتها يوافق على تعيينهم ثلثا البرلمان ومجلس الولايات ولا يمكن عزلهم إلا بالنسبة ذاتها من الجهازين التشريعيين. لكن ذلك الدستور كان نتيجة صفقة سياسية بين حزب المؤتمر الوطني الحاكم بزعامة الرئيس عمر البشير والحركة الشعبية التي تزعمها سلفا كير. وكأي صفقة، فهي خاضعة للحسابات السياسية. ومن ذلك قيام الحركة الشعبية بمقايضة دعمها السياسي لقانون يعطي الأمن بعض الصلاحيات مثل الاعتقال وسلطة التدخل في العملية الإعلامية، مقابل أن يمرِّر المؤتمر الوطني القانون الخاص بالاستفتاء على حق تقرير المصير لجنوب السودان. وهكذا أتاح القانون لجهاز الأمن أن يتحرك بحرية رغم الدستور.
يشير ذلك إلى طبيعة المناخ السياسي الذي تتحرك فيه "الدستورية"، وهي بدأت مؤخرا في السير بطريقة مختلفة انسجاما مع تغير الأجواء. ففي العام 2013 بدأ البشير بالتخلص من أبرز معاونيه من القيادات الأساسية لنظام "الإنقاذ" تحت شعارات "الإصلاح" و "تجديد شباب النظام". وبرزت فكرة أن يترجل من بقوا في السلطة لعقدين من الزمن أو أكثر مفسحين المجال أمام كوادر جديدة أصغر سنا. وهكذا غادر علي عثمان محمد طه النائب الأول السابق لرئيس الجمهورية والدكتور نافع علي نافع الرجل الأول في حزب المؤتمر الوطني والدكتور عوض الجاز وزير النفط وأسامة عبدالله وزير الكهرباء والسدود وكمال عبد اللطيف وزير المعادن، وكلهم من الأعمدة الأساسية للدولة والتنظيم. ثم تمَّ تغيير الجدد، مثل الدكتور ابراهيم غندور الذي كان المسؤول الأول في الحزب وتم نقله وزيرا للخارجية.
وهكذا بدأ البشير العشرية الثالثة من حكمه مطلق اليدين، وفي حالة سيطرة كاملة على الحزب والدولة. فالنظام جاء بانقلاب عسكري نفذته العناصر العسكرية والمدنية في حزب الجبهة الإسلامية القومية التي كانت تحتل المرتبة الثالثة من ناحية الثقل البرلماني في فترة 1986-1989 إبّان تزعم الصادق المهدي لتلك الفترة. وشهدت العشرية الأولى هيمنة شبه مطلقة لقائد الجبهة الإسلامية الدكتور حسن الترابي، لكن البشير ورجال الصف الثاني نجحوا في إبعاد الترابي عن صدارة المشهد ليتحكموا في مفاصل الحياة السياسية خلال فترة العشرية الثانية. ويبدو الآن أن البشير نجح في إزاحة هؤلاء أيضا وسيطر هو ومجموعته من العسكريين على السلطة، وانتهى الأمر بالحركة الإسلامية في مكتب صغير في شارع فرعي في وسط الخرطوم...

فراغ سياسي

فهل صدور مثل هذه الأحكام من "الدستورية" مؤشر على رفع الغطاء السياسي عن بعض رموز الفترات السابقة؟ قضية بورتسودان مثلاً التي سمحت فيها "الدستورية" بفتح ملف التقاضي ولم تقبل دعاوى سقوط القضية بمرور الزمن، يمكن أن تطال بعضاً من القيادات الأمنية وخاصة منهم من تم اعتقاله لفترة لاتهامه بالمشاركة في التخطيط لانقلاب ضد البشير. ولا يعني هذا ان هناك توجيهات وردت الى قضاة "الدستورية" لإصدار الأحكام على النحو الذي صدرت به، فدستور 2005 الذي لا يزال ساريا يعطيهم هذا الحق، وفيه الكثير من الحقوق لمصلحة المواطنين الذين بدأ بعضهم في قراءة المشهد السياسي واتخاذ الساحة القانونية مسرحا لاستعادة حقوقهم. كما لا يعني هذا، من ناحية أخرى، ان الدولة أصبحت خاضعة لحكم القانون والدستور تلقائيا. ففي مطلع الشهر الماضي، تم اعتقال بعض منسوبي حزب المؤتمر السوداني المعارض الذين اتهموا بالإزعاج العام لانتقادهم بعض أوضاع البلاد السياسية والاقتصادية وتم عرضهم أمام القاضي في محكمة جنايات أم درمان الذي قضى بجلدهم، رغم أن مادة الإزعاج العام لا تتيح له هذه العقوبة. وتم تنفيذ العقوبة بعد سبع دقائق فقط من النطق بالحكم، قبل أن يُسمح لمحاميهم بالاستئناف، وكأن الرسالة كانت بإيقاع الإذلال بهؤلاء المعارضين المشاغبين.
ودفعت هذه الحادثة بعض الباحثين والناشطين الى انتقاد المعارضة السياسية وأذرعها في المجال القانوني، إذ لم تتخذ مما جرى ميداناً لمنازلة النظام قانونيا، مثل الامتناع عن الترافع أمام هذا القاضي تحديداً، والطلب الى رئيس القضاء وقفه عن العمل، ورفع عريضة لسائر منظمات حقوق الإنسان داخل وخارج السودان لوضع اسمه في قائمة سوداء.. أي أن تصبح مثل هذه الممارسات عرضة للتحدي والمساءلة المستمرة من قبل المعارضة، وألاّ تنتظر يوم تفوز بعضويتها في انتخابات نقابة المحامين التي تشتكي دائما من تزويرها وسيطرة العناصر الموالية للسلطة عليها.
التغييرات التي تشهدها البلاد، خاصة بعد إبعاد البشير للعديد من قيادات الصف الأول من الإسلاميين الذي تسيدوا المشهد السياسي خلال العقدين الماضيين، تشير الى وجود فراغ سياسي واضح. وفي مثل هذا الوضع، ومع غياب مرجعيات تمتلك برامج سياسية واضحة، ينفتح الباب أمام مختلف أنواع الاتجاهات ويصبح في الإمكان التقيد ببعض القوانين والأسس التي كان يتم تجاهلها في السابق. ويزداد الإحساس بهذا الفراغ السياسي، خاصة وان المعارضة لم تتقدم لملئه، وكأنها تنتظر من البشير أن يقوم بإبعاد نفسه وتفكيك نظامه! وفي هذا الهامش من الفراغ السياسي، تَحرَّك أفراد وكسبوا قضاياهم لأن الدستور معني بحقوقهم. ويبدو أن السلطة، في القضايا المشار إليها تحديدا على الأقل، قررت رفع يدها والسماح للبعض بأخذ حقوقهم وعدم إسباغ حمايتها على بعض مؤسساتها ومنسوبيها.

للكاتب نفسه

ربيع سوداني مختلف

بحكم طبيعته كتنظيم نقابي، يبدو أفق تجمع المهنيين السياسي، القوة الابرز في تحالف قوى الحرية والتغيير، محدوداً لتولي قيادة التغيير المنتظر. التحدي الآخر الذي يواجه عملية التغيير يخص الأحزاب السياسية....