السوق النفطية تدخل مرحلة النقاهة؟

في شهر شباط/ فبراير الماضي، وإثر نشر تقرير عن تراجع أعداد الحفَّارات العاملة في الولايات المتّحدة، اضافة الى ما اعتُبر تضخيما لوضع التخمة التي تعاني منها السوق، قفز سعر البرميل من خام برنت لأول مرة في هذا العام إلى 61.52 دولارا، أو بنسبة زيادة بلغت 6 في المئة خلال أسبوع، و15 في المئة خلال شهر. وولد ذلك افتراضا بأن السوق النفطية وصلت إلى مرحلة من النقاهة وتأسيس أرضية يستقر عليها سعر البرميل بعد
2015-04-23

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
أنبوب نفط في السعوديّة

في شهر شباط/ فبراير الماضي، وإثر نشر تقرير عن تراجع أعداد الحفَّارات العاملة في الولايات المتّحدة، اضافة الى ما اعتُبر تضخيما لوضع التخمة التي تعاني منها السوق، قفز سعر البرميل من خام برنت لأول مرة في هذا العام إلى 61.52 دولارا، أو بنسبة زيادة بلغت 6 في المئة خلال أسبوع، و15 في المئة خلال شهر. وولد ذلك افتراضا بأن السوق النفطية وصلت إلى مرحلة من النقاهة وتأسيس أرضية يستقر عليها سعر البرميل بعد الهبوط الحاد للأسعار بأكثر من النصف (من نحو 115 دولارا للبرميل قبل أشهر قليلة ماضية إلى أقل من 50 دولاراً). صعود سعر البرميل مؤخراً (على الرغم من تراجعه بعد ذلك) يعطي أشارة لمرحلة نقاهة تمر بها السوق. ولكن ككل نقاهة، فهي معرضة لاحتمالين، أي للانتكاس أو لاستمرار رحلة التعافي ولو عبر مسار متعرج صعودا وهبوطا. فهناك العديد من الإشارات المتعارضة النابعة من حالة العرض والطلب والتطورات الجيوـ سياسية، مثل الاتفاق النووي الأمريكي ــ الإيراني التي يمكن أن تؤثر على الأسعار.
تجاوُز سعر البرميل عتبة الـ 60 دولارا دفع وزير النفط السعودي إلى التعليق، أبان حديث له في برلين مطلع آذار/مارس الماضي، بان السوق بدأت فعلا في تسوية أوضاعها وفق قانون العرض والطلب، وتتجه إلى الاستقرار بدون تدخل من أحد، ملمحا إلى استفادة المنتجين قليلي التكلفة من تحسن وضع الطلب. وكانت السعودية استبقت هذه التحركات عندما أعلنت شركة أرامكو عن أكبر زيادة في سعر شحناتها المتّجهة إلى السوق الآسيوية خلال ثلاث سنوات، وذلك في مؤشر على تنامي الطلب في أهم سوق للاستهلاك في الوقت الحالي. ووفق إعلان أرامكو، فقد تم تقليص حجم التخفيضات الممنوحة بنحو 90 سنتا في كل برميل لتصبح 1.40 دولارا بالنسبة لشحنات هذا الشهر (نيسان/ أبريل)، علما ان التخفيض كان قد بلغ في الشهر السابق 2.30 دولارا للبرميل، وهو أكبر تخفيض تعلن عنه أرامكو خلال 12 عاما.
وتشير مصادر مطلعة في الصناعة النفطية أن الزيادة تعكس نموا في الطلب، بدليل أن الإنتاج السعودي زاد بنحو130 ألف برميل يوميا، ووصل الى 9.8 ملايين خلال شباط/ فبراير من العام الجاري، وهو أعلى معدل إنتاجي للسعودية منذ أيلول /سبتمبر 2013، مما يشير إلى تنامي الإحساس بأن السوق في طريقها الى التعافي، وهو ما تعزز بإعلان الوزير السعودي أيضا بأن إنتاج بلاده تجاوز عشرة ملايين برميل يوميا الشهر المنصرم. واعتبرت خطوة أرامكو في أيلول/ سبتمبر 2014 خفض أسعار شحناتها المتجهة الى الأسواق الأوروبية والآسيوية والأمريكية مؤشرا على حالة الضعف التي تعتور السوق النفطية، وعزز ذلك رفض أوبك في اجتماعها في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي اقتراحا بخفض انتاجها.

تحسن مؤقت؟

على أن تحسن السعر لم يستمر طويلا، لأن الأساسيات الخاصة بوجود فائض في الإمدادات في حدود مليوني برميل يوميا لا تزال تضغط على تحركات الأسعار. وجاءت الأرقام الخاصة بالمخزونات الأمريكية ــ وهي عامل مؤثر في تحديد وجهة سعر البرميل، إضافة الى كونها مؤشرا قويا على معدل الإمدادات ــ لتشير الى نمو قياسي في حجمها قارب 11 مليون برميل في الأسبوع الأول من هذا الشهر ليصل حجم تلك المخزونات الى482.4 مليون برميل، وهي زيادة للأسبوع الثالث عشر على التوالي. كما أن حجم الاحتياطي النفطي الاستراتيجي بلغ 690 مليون برميل ليصبح عنصرا ضاغطا على سعر البرميل. أحد نتائج هذا الوضع أن قدرة مواعين التخزين الأمريكية على استيعاب المزيد من الإمدادات أصبحت محدودة، وهو الأمر الذي يشكل تأثيرا سلبيا إضافيا على سعر البرميل. ودفع هذا الوضع بالوكالة الدولية للطاقة، التي تمثل الدول الصناعية الرئيسية المستهلكة، إلى القول في تقريرها للشهر الماضي أن حالة الاستقرار التي تشهدها السوق في الوقت الحالي تعتبر مؤقتة، وان تخمة الإمدادات لم تبلغ مداها بعد، مما يؤذن باستمرار حالة الضعف.
وربما يتحسن الوضع قليلا في النصف الثاني من هذا العام مع توقع حدوث تباطؤ في الإنتاج الأمريكي المحلي، الذي لم يتأثر بصورة واضحة بتراجع الأسعار حتى الآن. ويضيف التقرير أن معدل الإمدادات العالمية بلغ خلال شهر شباط/ فبراير الماضي 94 مليون برميل يوميّاً، بزيادة 1.3 مليونا خلال فترة عام، وان النسبة الكبرى من هذه الزيادة جاءت من قبل المنتجين من خارج أوبك، وبلغ حجم إمداداتهم إلى السوق خلال هذه الفترة 57.3 مليونا. ويعود ذلك بصورة أساسية إلى النمو في حجم الإنتاج الأمريكي.
ويتوقع تقرير الوكالة أن الطلب على النفط سيزيد هذا العام بنحو مليون برميل يوميا، بإضافة 75 ألف برميل عما قدره تقرير الوكالة السابق، ومقابل زيادة بلغت 680 ألفا للعام الماضي، مما يضع حجم الطلب الكلي خلال هذا العام في حدود 93.5 مليون برميل يوميا. ومع ان الربع الثاني من العام يشهد ضعفا عاما في الطلب بسبب عمليات الصيانة التي تشهدها المصافي، مما يجعل الطلب على نفط أوبك خلال هذه الفترة في حدود 28.5 مليون برميل يوميا مقابل إنتاج فعلي للدول الأعضاء في المنظمة يتجاوز 30 مليون برميل. على أن الوكالة تتوقع ارتفاع حجم الطلب على نفط أوبك خلال النصف الثاني من العام إلى 30.3 مليون برميل، وهو ما يعادل إنتاجها الحالي والسقف الرسمي الذي اعتمدته المنظمة في اجتماعها أواخر العام الماضي.

تراجع الاستثمارات

إلى جانب تحركات السوق اليومية، هناك بعض المؤشرات التي يمكن أن يكون لها تأثير على المدى الطويل، على أساس أنها تمثل رد فعل الصناعة النفطية على انخفاض الأسعار. ومن هذه، توجه الشركات النفطية الرئيسية إلى تقليص إنفاقها الاستثماري، وهو ما يضع الأساس لتصاعد في الأسعار مستقبلا بسبب زيادة الطلب وتراجع الاستثمار الذي يسهم عادة في تقليل إمكانيات توفر الإمدادات المستقبلية. فشركة أكسون موبيل، وهي أكبر شركة نفط أمريكية على نطاق العالم، أعلنت عن خفض في استثماراتها النفطية لهذا العام بنسبة 12 في المئة لتستقر عند 34 مليار دولار، تليها شركة شيفرون، ثاني أكبر شركة نفط أمريكية وهي أعلنت بدورها عن خفض في مخصصاتها الاستثمارية لهذا العام بنسبة 13 في المئة لتستقر عند 35 مليارا، وكذلك أعلنت كونوكو فيليبس قبل شهرين عن أكبر خفض بنسبة 33 في المئة (الى 11.5 مليار دولار خصصتها للاستثمار هذا العام كونها أكبر شركة أمريكية عاملة في ميدان العمليات الأمامية من استكشاف وحفر وتنقيب، وهو ما يقل بملياري دولار عما كانت أعلنته قبل شهرين. لكن من المهم الإشارة إلى أن معظم الخفض طال مشروعات خارج الولايات المتحدة في ميدان العمليات الأمامية، من تنقيب واستكشاف وإنتاج، كما أن تأثير هذا التقليص على النفط والغاز الصخريين يبدو محدودا بدليل استمرار تصاعد حجم الإنتاج الأمريكي المحلي حتى الآن.
شركة رويال دتش/شل التي تعتبر أكبر شركة نفط أوروبية، أعلنت عن خفض طفيف في استثماراتها لهذا العام، لكن بالنسبة للأعوام الثلاثة 2015-2017 فإن حجم الخفض سيصل إلى 15 مليار دولار ويطال 40 مشروعا ما بين تأجيل أو إلغاء.
المدير التنفيذي لشركة شيفرون لخص الوضع بقوله أن الكثير من المشروعات لن تجد طريقها إلى التنفيذ فيما إذا استمرت الأسعار في معدل يقل عن 50 دولارا للبرميل، وذلك بسبب التبعات المالية لكلفة عمليات الاستكشاف والإنتاج، وان ذلك الوضع سينعكس حتى على صناعة النفط الصخري التي ستستجيب إلى وضع الأسعار، وهو ما يمكن أن يؤدي بمرور الوقت إلى وضع الأساس لتصاعد سعري جديد مستقبلا.
ومع أن تأثير تقليص الإنفاق الاستثماري سيكون له نتائج مستقبلية، إلا أن آثار الوضع الحالي المتدني لأسعار النفط بدأت تتضح في وضع الخدمات المُصاحبة للنشاط النفطي، خاصة في ميدان الحفر. وتقول أكبر ثلاث شركات عاملة في هذا المجال وهي شلومبيرجر وهاليبرتون وهيوز بيكر أن حجم الانخفاض في نشاطها في السوق الأمريكية تجاوز معدلات انخفاضها في الأسواق الأخرى. فمعدلات الإنفاق على الخدمات المرتبطة بالعمليات الأمامية تراجعت بنسبة تتراوح بين 25 ــ 30 في المئة في السوق الأمريكية مقابل 10ــ 15 في المئة في الأسواق الأخرى. وأدى هذا الوضع كما قال الرئيس التنفيذي لشركة شلومبيرجر إلى حالة من ضبابية الرؤية، وهو ما دفعها إلى التركيز على القيام بنشاطها ومتابعتها في فترة كل ثلاثة أشهر فقط.
عدد الحفارات العاملة يمثل مؤشرا على حيوية ونشاط السوق، والقدرة على توفير الإمدادات التي يحتاجها المستهلكون. ووفقا لجداول أعدتها شركة هيوز بيكر، فقد تراجع عدد الحفارات العاملة في الولايات المتحدة حتى العاشر من هذا الشهر وللأسبوع الثامن عشر على التوالي إلى 760 حفارة، مما يشكل انخفاضا بنسبة 50 في المئة من القمة التي كانت عليها في تشرين الأول/ اكتوبر الماضي حيث بلغت 1609 حفارات. وبالمقابل، فإن عدد الحفارات العاملة في السعودية مثلا شهد تراجعا محدودا جدا بمقدار حفارة واحدة من 67 حفارة، وذلك خلال الشهرين الأخيرين من العام الماضي، مما يؤكد على قدرة المنتجين قليلي التكلفة على الصمود.
كل هذا سيلقي بتأثيره على وضع الإمدادات، الذي سينعكس على الأسعار. وقامت وكالة بلومبيرغ الإخبارية المتخصصة في القضايا الاقتصادية، والنفطية تحديدا، بإجراء مسح مؤخرا شمل عشرة من مكاتب السمسرة والتسويق العالمية العاملة في القطاع النفطي. وخلص المسح إلى ان اثنين من الذين استُطلعت أراؤهم اعتبروا أن معدل الأسعار هذا العام سيتراوح في حدود 58.8 دولارا للبرميل من خام برنت، أي ما يقل بنحو 4 في المئة عن معدل 61 دولارا الذي بلغه في شباط/فبراير، بينما بقية الثمانية المستطلَعين يعتقدون أن سعر البرميل سيتخطى عتبة 60 دولارا، بل ويرتفع تدريجيا ليبلغ 74.6 دولارا للبرميل خلال العام المقبل، مع احتمال حدوث هزات في السوق تنبع بصورة رئيسية من مدى ونوعية الانطباع السائد، وما اذا كان يتركز حول وجود تخمة أو أن هناك تراجعا كبيرا في حجم النشاط التنقيبي. على أن القاعدة السائدة تقول أن الطلب يستجيب عادة إلى حالة ضعف الأسعار، والانتعاش الذي تشهده الصين والهند دليل على ذلك، لأنهما دولتان مستوردتان رئيسيتان للنفط، وتراجع سعر البرميل انعكس خفضا في فاتورة وارداتهما البترولية، الأمر الذي يمكنهما من استيراد كميات أكبر من النفط بسعر أقل ومن ثم تعزيز نشاطهما الإقتصادي.

 

للكاتب نفسه