كنّا على حق!

العالم الحالي ليس فحسب كريهاً وظالماً، بل هو "مستحيلٌ" كذلك. وهذا ما كشفته جائحة الكورونا بلمح البصر ومن غير حساب. أن "عالماً آخرَ ممكنٌ": ممكنٌ.. وإجباري!
2020-03-20

نهلة الشهال

رئيسة تحرير السفير العربي


شارك
أديب فتّال (فنان سوري فلسطيني)

ليس تبجحاً. و"كُنّا" تلك جماعية، تضمر "نحن"، وإلا فلن يكون لها أية قيمة. هي جماعية بما يشمل الكرة الأرضية كلها، بغض النظر عن أي جغرافيا، وعن الأعراق والأديان.

"نحن" تعني من يناضل (على الدوام، وما زال) ضد النيوليبرالية المهيمنة، بما هي تفكيك للخدمات العامة من تعليم وصحة وسكن ونقل... باعتبارها حقوق الإنسان الأساسية، وباعتبارها تجسيد للعدالة الاجتماعية.. هذا بشكل عام وباختصار.

نحن من يقول (على الدوام، وما زال) أن الحرية حق أساسي للبشر، حرية التفكير والحركة والمبادرة والخيال والحلم... الحرية شرط لإنسانية البشر، وهي حامي تلمّسهم لطريقهم، وقدرتهم على التصدي لمن وما يؤذيهم. وأن من يرى في نفسه وصياً على صواب الناس وخطئهم، مقرِّراً أو زاجراً أو هادياً (و"الله يهدي من يشاء"!)، سواء كان سلطة سياسية أو دينية، فهو بالتأكيد والضرورة يضطهدهم لخدمة مصالحه الخاصة.

نحن من يرى (كان على الدوام، وما زال)، أن السياسي والاجتماعي صنوان، وأن من يفرّقهما أو يفصل بينهما مخادع، أياً يكن ومهما كانت المبررات التي يسوقها. وهاكم مثالاً بسيطاً، من "حواضر البيت": سلوك حزب الله اللبناني الذي تواطأ منذ أيام في إطلاق سراح "جزار الخيام" وعميلٍ أساسي من عملاء إسرائيل في لبنان، إرضاءً ل"حلفائه" في لعبة السياسة، بمعناها القذر. وهو نفسه قبلها من رفض المشاركة في انتفاضة الشعب اللبناني ضد الافتراس الذي يتعرض له، بل وشارك في قمعها، لأن همّه ليس اجتماعياً، بل جيوستراتيجيٌّ وسياسيٌّ، فضاع الإثنان!

نحن من رفع شعار "عالم آخر ممكن" بوجه توحش الاستغلال الرأسمالي في كل أطواره، وبالأخص أخيرها هذا. وإن "الإنتاجية" لا بد أن تخدم الناس كلهم، وأن تُفصّل على قياسهم، ووفق وتيرة حياة تحفظ آدميتهم. وإن أولويات الإنفاق الحكومي لا بد لها أن تتبع هذا المعيار.. فقالوا لا! وإنها أفكارطوباوية وشاعرية، ولا بد من أعلى إنتاجية ممكنة، مهما كان ثمن الوصول إليها، ولا بد من أعلى ربحية وأعلى تنافسية الخ.. وإن ذلك هو مقياس "النجاح". فقاموا بتدمير الطبيعة، وباستهلاك موارد الأرض - كلها - وبتهديد الحياة عليها، ساخرين من تحذيرات علماء الأحياء والبيئة والسوسيولوجيا، ومن الفلاسفة بالطبع.

قاموا برمي عشرات الملايين على طرقات النزوح، أو في عشوائيات وأحياء بائسة ومكتظة، وفي البطالة والجوع والمرض.. بينما يلهث "المنتجون" من الباقين خارج هذه المعادلة حتى لا يُطردوا من أعمالهم - وهو الطرد الذي صار يسيراً بعد تفكيك قوانين العمل، المنجز الأكبر ل"الحداثة" - وحتى يُثبتوا جدارتهم بالتخلي عن آدميتهم.فغرقوا في استهلاك المهدئات، بينما يرتفع كل يوم معدل الانتحارات نتيجة مصطلح جديد اختُرع للمناسبة: "الاحتراق" في العمل (Burn-out). نسُوا أهلهم وأصدقاءهم، فلا وقت لذلك، وصاروا يعوضون عن بؤس حياتهم وخوائها بالاستهلاك الفاحش، عساه يبعد شبح الانسحاق... والمشهد يشمل الجميع، أما الفروقات فكمية بين البلدان "المتقدمة" وبلادنا، وهو ما له أهميته بالطبع، ولكن المضمون يبقى هو نفسه، وهو معتل بعمق.

وفي بلادنا، وعلاوة على استنساخ مشوه لهذا النموذج بما يخص قلة من السكان "المحظوظين" والعاملين في خدمة وسطاء المراكز الرأسمالية العالمية، أُنجِزت هندسات لا حصر لها لتفْهمنا أننا عموماً بلا أية قيمة، فتُشن علينا الحروب الطاحنة والمتكررة، ويُدفع ناسنا إلى "الحرقة"، أو النزوحات بكل أشكالها التي تصطدم بالدوريات والحواجز العسكرية، فيعلق أهلها في "لا مكان"، وهو ما يصح على حدودنا مع أوروبا، كما يصح على حدود المكسيك مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وأما القادة السياسيون فبلا خجل. هاكم الرئيس الفرنسي الذي قال منذ وقت قريب، أثناء مقابلة له مع الأطباء والممرضين المضربين لأشهر – ليس من أجل زيادة معاشاتهم البائسة في القطاع العام، وبالتالي تناقص أعدادهم، والإنهاك الذي يعانون منه - بل من أجل منح المستشفيات العامة، المجانية وفائقة المهارة، أسرّة إضافية ومعدات طبية ناقصة بشكل خطير.. والقطاع الصحي العام كان عماد العناية الصحية في فرنسا، حينما كانت الدولة –الرأسمالية- تُعرّف نفسها ك"دولة رعاية"، قبل قرارها الالتحاق بالنموذج النيوليبرالي، الذي عيّب عليها تأخرها عن تاتشر وسواها في تبنيه.. قال لهم إيمانويل ماكرون إن "المال لا يتوفر بشكل سحري" وأن ما يطلبونه " مكلف للغاية". هاكم الرئيس نفسه يوجه لهم اليوم التحية، ويقول أنه "لا بديل عن المستشفى العمومي". هل كان يلزم أن تغزو العالم جائحة كورونا ليكتشف، هو وسواه، ذلك؟

ولكنه ما زال يراوغ على الرغم من هذا الاعتراف: لن يُخصَّص للمستشفيات سوى 2 مليار يورو من أصل ال45 مليار الاستثنائية، التي قررت الحكومة إخراجها من جيوبها لمواجهة الأزمة! وهي لا تكفي حتى لترميم ما جرى تفكيكه في الصحة العامة: 70 ألف سرير ألغي من تلك المستشفيات منذ 2003 وحتى الأمس، بلا توقف!

وهل هناك تفسير آخر لكارثة إيطاليا اليوم، التي تعاني من نقص مريع في عددالأسرّة في المستشفيات العمومية (5 آلاف سرير ل65 مليون نسمة!) غير البرلسكونية وأذيالها مذاك؟

هل ننسى أن الحكومات اللبنانية المتعاقبة أهملت المستشفيات الحكومية بحيث صارت بلا فائدة، وكانت تنوي حتى الأمس القريب إغلاق أحدثها، "مستشفى رفيق الحريري الجامعي" في بيروت، وهو المستشفى الحكومي الذي يستقبل اليوم مرضى الكورونا ويعالجهم بكفاءة، فيما هُدِّد أطباؤه وممرضوه منذ وقت قريب – قبل الجائحة– باختصار معاشاتهم. وينطبق الأمر نفسه على الجامعة اللبنانية، وعلى الضمان الاجتماعي، وعلى كل المؤسسات التي نظر إليها أهل الحكم كعبء لا بد من التخلص منه، عوض تدعيمه.. مثلما يتبين الآن.

ولماذا كل ذلك؟

لمصلحة الربح المالي المفرط لحفنة طفيلية تقدر بأحسن الأحوال بواحد في المئة من البشرية. أخضعوا السلطات السياسية حيثما كانت، فصارت متطابقة بالكامل معهم ومع مصالحهم، ملغية ذلك الهامش، ولو الضيق، من وظيفتها المعلَنة (منذ الثورة الفرنسية وقدوم مرحلة سلطة البرجوازية، ولا بد أن الفيلسوف وعالم الاجتماع الاشهر، ماكس فيبر، يتقلب في قبره اليوم!)، كقَيّم على "المصلحة العامة" باعتبار أن المفهوم نفسه ألغي. أليس هؤلاء من عاملوا الانتفاضات الكبرى، وآخرها انتفاضة "السترات الصفراء" في فرنسا، التي استمرت لأكثر من عام، وضمت الملايين.عاملوها بقمع لا سابق له، وبإهمال واحتقار؟

.. سلطات في خدمة رأس المال الذي لم يعد منتِجاً، ولم يعد مرتبطاً ولو بشكل استغلالي بالمجتمع، بعماله ومستهلكيه. بل صار مضارِباً يستند إلى الريع، وإلى الكوارث، ومنها إنتاج السلاح وتنظيم الحروب. ما وصف ب"رأس المال المالي": ريع النفط وغيره مما تختزنه الأرض، وريوع ناتجة عن حركة عوالم افتراضية، ومنها أو على رأسها ريع التلاعب بالمال نفسه... أبطاله قلة القلة.

لا بد اليوم، وبمواجهة الكارثة العالمية التي لم توفِّر بلداً – لحسن الحظ!– أن نعيد التفكير بمستقبل مجتمعاتنا، وبطبيعة ونوعية حياتنا. وماذا نريد. وأن نعترف بأن ما قيل لنا أنه "حتمي" أو إجباري، ليس كذلك.. بدليل توقّف كل شيء الآن! من كان يتخيل أن حركة الطيران العالمية ستتوقف ولأجل غير معلوم، وأن التبادل والتجارة المعولميَن سيتوقفان هما كذلك لأجل غير معلوم، وأن الذهاب للعمل والاشتغال لساعات بلا حساب يمكن تنظيمه بشكل مختلف..

العالم الحالي ليس فحسب كريهاً وظالماً، بل هو "مستحيلٌ" كذلك. وهذا ما كشفته جائحة الكورونا بلمح البصر ومن غير حساب. وهي مختلفة تماماً في هذا عن أزمة 2008 المالية، والتي سُخِّر فيها المال العام لإنقاذ البنوك المضارِبة. كشفت الجائحة الصحية أن العالم، كما هو منظّم اليوم، قاتلٌ بالمعنى الحرفي البسيط للكلمة. قاتل لكل الناس، حتى لو كانت الفروقات الطبقية هنا لاتزال فاعلة: فمن يملك الانعزال وكل مستلزماته، ليس كمن يكتظ بيته وعمارته وشارعه بالمئات، ويفتقر للماء الصالح والغذاء والدواء. وهؤلاء هم الأكثرية الساحقة في هذا العالم.

قالت جائحة كورونا إن "عالماً آخر ممكنٌ"، ممكنٌ.. وإجباري! هل "سننسى" بعد انحسارها، وننتظر كارثة أخرى لا ندري شكلها؟

مقالات من العالم

للكاتب نفسه

قطاع الطرق

ليس المجرم هو الموظف الذي خزّن المواد الخطرة فحسب، بل الزعماء السياسيون ممن يظنون أنفسهم "دولة" بينما هم متسيبون إلى حد الجهل التام بكل شؤون البلاد. شغلهم هو نهب الناس،...