برلمان الأطفال ومعضلة التمثيل الشعبي في الإمارات

ليس الهدف من برلمان أطفال الإمارات ترسيخ الوعي بينهم بقيم الديمقراطية وممارسة حقوقها، بما فيها حق الاختيار عبر انتخابات فعلية حرة ونزيهة، وحق الناخبين في مساءلة "نوابهم" والمسؤولين عن تسيير شؤون البلاد. بل هم يأملون أن يوفر لهم برلمان الأطفال زينة لم يوفَّق في توفيرها لهم "برلمان الكبار".
2020-03-18

عبد الهادي خلف

أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة لوند ـ السويد، من البحرين


شارك
توقيع اتفاقية انشاء برلمان الطفل الإماراتي. أبو ظبي، 22 شباط/فبراير 2020.

الإمارات دولة اتحادية من طراز خاص. ففي كل واحدة من إماراتها السبع عائلة حاكمة، وعلى رأس كل عائلة حاكمة منها شيخٌ يحكم شعب إمارته ويتمتع بحقٍ مطلق في إدارة شؤونها. وحسب الدستور الاتحادي، يتشارك حكام الإمارات السبع في عضوية "مجلس أعلى" يقوم بإدارة شؤون الدولة، أي رسم السياسة العامة والتصديق على المعاهدات الدولية والقوانين الاتحادية، بما فيها الميزانية العامة للدولة. وبحسب الترتيبات الدستورية السارية، تتساوى أصوات الإمارات السبع في "المجلس الأعلى". إلا أن تلك الترتيبات ذاتها منحت حق الفيتو في "المسائل الموضوعية" لمشيختَي أبو ظبي ودبي بحجة حجمهما السكاني وبحكم قوتهما المالية.

قبل تأسيس الاتحاد، كان حكام الإمارات يعيشون في كنف الحماية البريطانية إلى أن اضطُرت بريطانيا إلى الانسحاب من الخليج ومن بقية مستعمراتها شرقي السويس. وقبل إتمام الانسحاب نجحت بريطانيا في إقامة اتحاد يجمع الإمارات السبع في كيان سياسي دون أن تتخلى العوائل الحاكمة في كل إمارة عن امتيازاتها ضمن حدودها التي قررتها بريطانيا.

لم تكن المسائل المتعلقة بالتمثيل الشعبي، ناهيك عن الديمقراطية، تؤرق حكام الإمارات السبع عند إعلانهم تأسيس دولة الإمارات في 1972. فلقد كان أغلب اهتمامهم يتمحور حول أمرين، أولهما ضمان استمرار سيطرة كل عائلة حاكمة على إمارتها. وثانيهما درء الأخطار الخارجية بما فيها أطماع الجارتين الكبيرتين، المملكة السعودية وإيران الشاهنشاهية، علاوة على درء تأثيرات كل من الثورة العُمانية وجمهورية اليمن الجنوبي والتحركات الشعبية والعمالية في البحرين والكويت.

الحل المؤقت الذي توصل إليه الحكام السبعة في 1972 هو تشكيل مجلس استشاري وطني ليقوم بملء خانة التمثيل الشعبي أو بدور البرلمان في الدول الحديثة. عيَّن حاكم كل إمارة من الإمارات السبع ممثلي إمارته في المجلس الاستشاري طبقاً لمعادلة الثقل السكاني والمالي لكل إمارة. وعلى نسق البرلمانات الحقيقية أصبح لدى المجلس الاستشاري لجانه المتخصصة، ولائحة داخلية تنظم مداولاته وتضبط إجراءات التصويت فيه. إلا أن هذا المجلس لم تكن لديه الصلاحية لممارسة سلطات تقارب تلك التي تمارسها البرلمانات الحقيقية. فأقصى ما يستطيع أعضاءه منذ تأسيسه وحتى الآن، هو مناقشة ما تحيله لهم الحكومة من أمور. بل هم لا يستطيعون حتى اقتراح القوانين أو رفض القوانين التي يصدرها مجلس الحكام.

تغيرت تركيبة المجلس الاستشاري بعد 2006 بتغيير طريقة تعيين مندوبي الإمارات فيه وذلك بالمزج بين الانتخاب والتعيين، بحيث يقوم حكام الإمارات بتعيين نصف أعضاء المجلس، بينما يتم انتخاب النصف الآخر عن طريق "الهيئات الانتخابية". رافق ذلك الإعلان ضجيجٌ إعلامي عن توجه لـ"إعطاء فرصة لمواطني الدولة لاختيار ممثليهم في المجلس الوطني من أجل تعزيز الانتماء الوطني، وتغليب المصالح العامة للشعب، وإتاحة الفرصة للمشاركات المحلية من قبل الفئات الشابة والمتعلمة، فضلاً عن تمكين المرأة". إلا أن ذلك التغيير كان أقل بكثير من الضجة التي أثيرت حوله. إذ أن حاكم كل إمارة هو من يختار أعضاء "الهيئة الانتخابية" من بين مواطني إمارته. وحاكم الإمارة هو الذي يحدد "طبيعة وصفات وشروط الناخب، ويمكنه وفقاً لتقديره تخصيص نسبة للإناث أو البالغين أو كبار السن".

لم يكن موضوع التمثيل الشعبي يؤرق حكام الإمارات السبع عند إعلانهم تأسيس دولتهم في 1972. فاهتمامهم كان يتمحور حول أمرين: ضمان استمرار سيطرة كل عائلة حاكمة على إمارتها، ودرء الأخطار الخارجية بما فيها أطماع الجارتين الكبيرتين، السعودية وإيران الشاهنشاهية، وتأثيرات كل من الثورة العُمانية وجمهورية اليمن الجنوبي، والتحركات الشعبية والعمالية في البحرين والكويت.

العدد الرسمي لمن يتم اختيارهم لعضوية "الهيئات الانتخابية" في جميع الإمارات السبع كان وما زال فضائحياً. فهو لم يزد على 6595 شخص في 2006 أي أقل من 1 في المئة من مواطني الدولة. ثم ارتفع العدد في عام الربيع العربي (2011) ليزيد قليلاً على 135 ألف شخص، وعاد فارتفع في 2015 ليصل إلى 224 ألف شخص. وفي الانتخابات الأخيرة (2019) وصل عدد المواطنين الذين تم اختيارهم لعضوية الهيئات الإنتخابية إلى 338 ألف شخص.

حين يتزين الاستبداد

لا يجد المسؤولون الإماراتيون نقيصة في أعداد من يتاح لهم/ لهن المشاركة في الهيئات الانتخابية. بل يرونها تمثل "نقلة نوعية، ومؤشراً واضحاً على حرص القيادة الرشيدة على استكمال مسيرة التمكين السياسي"، وأنها تؤكد "الخطى الثابتة والمدروسة التي تسير بها الدولة نحو تحقيق خططها الاستراتيجية الطموحة لإرساء النموذج الإماراتي المتميز في العمل البرلماني".

لا غَرْوَ أن يعتبر حكام الإمارات نموذجهم المتميز في العمل البرلماني "استثماراً جيداً". شيئاً فشيئاً يتيقن أكثرهم استبداداً وعنجهية أن الدور التزييني الذي يلعبه تنظيم "انتخابات" دورية لبرلمان صوري يبرر كلفة إقامته وإدامته. فعلى الرغم من صورية "المجلس الاستشاري" وهشاشة شرعيته الانتخابية، إلا أنه يواصل تمثيل نظام بلاده في الاتحاد البرلماني العالمي، وفي الاتحاد البرلماني العربي. مثله في ذلك مثل برلمانات حقيقية.

برلمان الأطفال: زينة إضافية

في أواخر شباط/ فبراير الماضي نشرت وكالة الأنباء الإماراتية تفاصيل مؤتمر صحافي تحت رعاية الشيخة فاطمة بنت مبارك – أم محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي (ورئيسة الاتحاد النسائي العام، ورئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة والرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية). في ذاك المؤتمر الذي سبقه وتلاه ضجيج إعلامي يتناسب ومركز الشيخة، كُشف النقاب عن إنشاء "برلمان الطفل الإماراتي". وحسبما ذكرت وكالة الأنباء، فمن المقرر أن يبدأ برلمان الأطفال أعماله في منتصف هذا الشهر (آذار / مارس) لتأكيد اهتمام الدولة ومؤسساتها بدور الأطفال والناشئة ليكونوا "اللبنة الفاعلة في بناء الدولة الحديثة في مختلف مجالات الحياة". أظهرت وكالة أنباء الإمارات خبر إنشاء برلمان الأطفال في صيغة جادة. واحتفت وسائل الإعلام الرسمية بالخبر وتفاصيله، ولم تهتم بالتوقف عند المفارقة الواضحة بين الخبر وواقع الحال في الإمارات التي تعاني من نظام حكمٍ استبدادي متعدد الرؤوس. وإلا كيف يكون للأطفال برلمان، في حين لا يتوفر مثله لآبائهم وأمهاتهم؟

ليس الهدف من برلمان أطفال الإمارات ترسيخ الوعي بينهم بقيم الديمقراطية وممارسة حقوقها، بما فيها حق الاختيار عبر انتخابات فعلية حرة ونزيهة، وحق الناخبين في مساءلة "نوابهم" والمسؤولين عن تسيير شؤون البلاد. بل هم يأملون أن يوفر لهم برلمان الأطفال زينة لم يوفَّق في توفيرها لهم "برلمان الكبار".

مقالات من الإمارات

للكاتب نفسه