نساء تصبير السمك: لقمة عيش بطعم المهانة، بمقابل إنتاج ثروات مهولة

تتباهى السلطات المغربية بتصديرها لما يناهز 85 في المئة من إنتاجه إلى مئة دولة في القارات الخمس، يُبطن واقع معامل التصبير في البلاد مأساة وخروقات معيبة، تسائل مضمون الاتفاقيات، الدولية والمحلية، الموقعة في قطاع يعيش منه أكثر من 30 في المئة من سكان البلاد.
2020-03-17

خولة الجعيفري

صحافية من المغرب


شارك
فرات شهال الركابي - لبنان

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

في الوقت الذي يفتخر المغرب باحتلاله مكانة متميزة على مستوى صناعة تحويل منتجات الصيد البحري، ومعالجتها وطنياً لما يقارب 70 في المئة من إفراغات الصيد الساحلي، كما تتباهى السلطة بتصديرها لما يناهز 85 في المئة من إنتاجه إلى مئة دولة في القارات الخمس، يُبطن واقع معامل التصبير في البلاد مأساة وخروقات معيبة، تضع موضع التساؤل مضمون الاتفاقيات التي تم توقيعها في قطاع يعيش منه أكثر من 30 في المئة من سكان البلاد.

أكادير..الوجه المعتم لقطاع التصبير

لم يكن من السهل التقصي والبحث في موضوع النساء العاملات في معامل تصبير السمك بمدينة أكادير الكائنة جنوب المغرب (548 كلم عن العاصمة الرباط)، حيث تتمركز 12 وحدة تصنيع سمك.

هناك من جهة ذكريات أليمة ما زالت طرية يختزنها سكان المنطقة جراء حادثي سير متتاليتين أوديا بحياة 26 من العاملات في تلك المصانع بين شهري أيار/ مايو وآب/ أغسطس 2019، وهناك من جهة أخرى ظروف عملهن "القاسية" بل التي تعتبرها تلك النساء "لا إنسانية".

في السادسة صباحاً وصلنا "حي تدارت" حيث موقف الحافلة التي تنقل عاملات مصانع تصبير السمك إلى مكان العمل بمنطقة "أنزا" التي تبعد 10 كيلومترات. المنحدرات وعرة، والصقيع يلف المكان، كما الظلام الحالك، فلا تكاد تسمع سوى دبيب أقدام الكلاب الضالة وعويلهم. من بعيد تتراءى لك أجساد أشخاص قادمين، لا تساعدك الإنارة العمومية الخافتة، بل شبه المنعدمة، على تمييزهم. وعلى جوانب الطريق "شاحنات" و"باصات" واقفة مطفأة الأنوار. بدأتْ تظهر أجسام نساء ملثمات، لا يكاد يُرى من ملامحهن شيء سوى نظرات مترددة تتسلل من خلف حجاب التحفته بعضهن للتدفئة، فيما ارتدته أخريات لضمان "الوقار"، وفعلت بعضهن درءاً لهويتهن عن عيون المتلصصين والفضوليين.

فاطمة، السيدة الخمسينية، من صاحبات العيون الحائرة والأيادي التي أذابتها مياه السمك الساخنة، وزيته، في معامل تصبير السمك الإثني عشر بمنطقة "أنزا". جلستْ على حجر كبير في موقف الحافلة تنتظر تلك التي ستأخذها لمعملها. استغلت هذه الدقائق المتبقية لتتحدث إلينا عن ظروف اشتغالها "القاسية" على حد تعبيرها، في واحد من أكبر مصانع المنطقة الذي تشكّل السوق الأوروبية أهم الوجهات الرئيسية لمعلباته (بنسبة 47 في المئة) وتليها السوق الإفريقية (بنسبة 37 في المئة).

تقول فاطمة أنها و3300 من زميلاتها اللواتي يشتغلن في مجموع مصانع المنطقة، يتقاضين الحد الأدنى للأجر بصفة نصف شهرية، حيث يقدر المبلغ الذي يتقاضونه شهرياً ب 1250 درهم، مقابل 10 ساعات يومياً تبدأ من الساعة السابعة صباحاً إلى الخامسة مساءً: "وعلى الرغم من كوننا نشتغل في تصبير السمك وحرفتنا في يدنا مع هذه الشركة التي تصدِّر إلى الخارج وتربح ملايين الدراهم، إلا أنه لم يجرِ الاعتراف بنا قانونياً وتسجيلنا في صندوق الضمان الاجتماعي إلا في سنة 2001، وبالتالي لكِ أن تتخيلي كم سنة ضاعت علينا من التقاعد، ونحن على مشارفه". تقول فاطمة وهي تمسح جبينها، أن ما ساقها للعمل، هو "الفقر وقسوة الزمن". فهي تسعى لكسب قوت اليوم، وإعالة أفراد أسرتها المكونة من ابنين وزوج أقعده المرض. إذاً لا بدّ لها من تحمل ظروف التنقل وطول ساعات العمل وأخطار الطريق، وغير ذلك من الصعوبات التي تظل لصيقة ب"نينجا" معامل التصبير (بالنظر للباسهن الذي يغطي ملامحهن فلا تظهر سوى عيونهن). و"لابد من القول أننا نخرج بالذكر الحكيم، ونتضرع إلى الله بأن نعود إلى أبنائنا سالمات كل يوم"، مشددة على أن شركات تصبير السمك، وعلى الرغم من الأموال الطائلة التي تربحها مقابل عملهن، إلا أن أرواحهن بالنسبة لها لا تساوي "جناح ذبابة". وهن يجدن أنفسهن أيضاً أمام واقع "الطريق" حيث تخصص لهن الشركات حافلات مهترئة لا تخضع للصيانة..

ما تقوله فاطمة - التي سبق لها أن تعرضت لحادث سير في شهر نيسان/ أبريل الماضي، تسبب لها بكسر في معصمها، وفقدت فيه جارتها وصديقتها الثلاثينية سناء - أكده الفاعل النقابي، أحمد الراجي، الذي اعتبر أن تلك الحوادث يفترض أن تدرج كـ"حادثة شغل بموجب المادة الرابعة من القانون رقم 18.12، والمتعلقة بالتعويض عن حوادث الشغل، باعتبار أن النساء يكنَّ على متن حافلة تقلهن ذهاباً وإياباً بين المعمل وبيوتهن، وذلك بموجب عقد شراكة بين شركة تصبير السمك وشركة النقل. لكن يجري التلاعب بالقانون، ولا تعترف الشركات بمسؤوليتها عن أزيد من 7 حوادث مماثلة وقعت خلال الأشهر الأخيرة من سنة 2019 وأزهقت ما يزيد عن حياة 26 عاملة".

فاطمة الخمسينية التي أذابت مياه السمك الحارة وزيته أصابعها تقول: "نتقاضى 1250 درهم شهرياً (حوالي 120 يورو) لقاء عشر ساعات عمل.الشركة تصدِّر إلى الخارج وتربح ملايين الدراهم، إلا أنه لم نُسجّل في صندوق الضمان الاجتماعي إلا في سنة 2001. ضاعت علينا سنوات من التقاعد، ونحن على مشارفه".

النقابي وصف ظروف اشتغال النساء العاملات في معامل تصبير السمك بالكارثية. فـ"بغض النظر عن كونهن يتقاضين الحد الأدنى للأجر مقابل 44 ساعة عمل في الأسبوع، فإن طريقة نقلهن في حافلات النقل لا تحفظ كرامتهن، بحيث يجري تكديس ما يزيد عن 70 سيدة في تلك الحافلات المهترئة، والتي تسير في طرق وعرة كلها منعرجات وانحدارات، وبالتالي فإن هذه الحوادث متكررة ودورية هنا".. ثم يتساءل: "إلى متى ستتجاهل الدولة هذا الوضع؟".

رحلة من الرعب.. تقود إلى نفق التحرش

في موقف الحافلات، إلتقينا أيضاً زينب، التي كانت مستندة على عمود الإنارة الخافتة، مرتدية منامتين مزركشتين وسروالاً سميكاً وثلاث جوارب. هي شابة في الخامسة والثلاثين من عمرها، لم تشفع لها إجازتها في الجغرافيا بأن تتجاوز جغرافيا قدرها الذي قذف بها إلى معمل تصبير السمك. تحكي لنا بأسى كبير كيف تستيقظ كل صباح مع طلوع الفجر، لتطبخ غذاء ابنها الذي تؤمنه عند جارتها، ثم تمشي لما يقارب ربع ساعة في الخلاء وتحت الظلام الدامس صباحاً، فقرار الحكومة المغربية المفاجئ بترسيم الساعة الصيفية (GMT+1) طيلة السنة، أثّر بشكل مباشر على العاملات في هذا القطاع، ممن يجدن أنفسهن مضطرات إلى الخروج قبل شروق الشمس.

زينب تحس بأن الطريق التي تقطعها وحيدة للوصول إلى موقف الحافلة "تطول جداً" في هذا الوقت من الصباح، فهي تمشي مردِّدة ما تيسر من القرآن لعله يحميها من قطاع الطرق، الذين سبقوا وتعرضوا لها أكثر من مرة تحت تهديد السلاح الأبيض: "هم أكيد لن يجدوا ما ينهبونه من امرأة ذاهبة إلى العمل في مصنع، ولا تحمل معها إلا 20 درهماً (2 يورو) على الأكثر، لكن ذلك الرعب الذي يتلبسنا وقتها لا يمكن وصفه أو تقديره"، مشددة على أن المخاطر لا تنتهي عند موقف الحافلة أو على متنها، وإنما داخل المعمل نفسه حيث تتعرض بعضهن للتحرش، وهي الظاهرة التي تمس العازبات والمتزوجات المطلقات على حد سواء، وأبطالها رؤساء مباشرون أو مكلفون بمهام داخل الوحدة، أي ممن لديهم سلطة على العاملات. وأحياناً أيضاً يأتي التحرش من زملائهن الرجال: "فالمرأة الحلقة الأضعف، لكن، أقول لكم وبكل جرأة أن العاملات يُساهمن في تفشي الوضع، وذلك بقبولهن للأمر والرضوخ لنزوات المتحرشين، وغياب الجرأة لديهن في الجهر أو تقديم الشكاية ضد المعتدين"، على حد تعبير المتحدثة.

وسجلت زينب أن العاملات في هذا القطاع تتسترن على الأمر بسبب الخوف من فقدان العمل، وبالتالي هن مضطرات للرضوخ لهذه الممارسات، التي تتعدّد أصنافها وأشكالها، على اعتبار أن العمل في المنطقة شبه منعدم، وهو هنا لا يتطلب شهادة أو دبلوماً، ولكنه يتطلب "سمعة طيبة". والكلام ينتقل بسرعة بين المعامل، وبالتالي فلا أحد سيشغل عاملة انتفضت ضد مشغّلها أو رئيسها، حتى وإن كانت صاحبة حق، فهي بالنسبة لهم صاحبة "مشاكل".

مرت نصف ساعة ثقيلة، وقدمت حافلة مهترئة عالية الصوت كنفاثة هربت من شريط سينمائي يوثق للحرب العالمية الثانية.. تكدست النساء اللواتي قارب عددهن 45 امرأة، ومعهن 22 عاملاً، في هذه الناقلة التي أقلّتهم ببطء إلى المعمل، حيث كان ينتظرهم "الكابران" (المسؤول عن العمال في المصنع) ليضع أمامهم لائحة الحضور من أجل التوقيع، قبل أن تنتقلن إلى غرفة تبديل الملابس لارتداء زي العمل، وهو عبارة عن وزرة زرقاء وقفازات يدوية بلاستيكية يُفترض أن تحمي أيديهن من التآكل، بسبب الزيت الحار المستخدم في تعليب السمك، أو خلال عملية التقشير اليدوية.

تتكرر حوادث الشاحنات المهترئة التي تقل العمالفي طرقات وعرة وسيئة الانارة. العشرات يفقدون حياتهم كل عام أو يعطبون. ويفترض أن تُدرج تلك كحوادث شغل تستوجب التعويض بحسب القانون، باعتبار أن النساء يكنَّ على متن حافلة تقلهن ذهاباً وإياباً بين المعمل وبيوتهن، بموجب عقد شراكة بين شركة تصبير السمك وشركة النقل.

مليكة، واحدة من تلك النساء الـ30 اللواتي تعملن في قسم التقشير داخل المعمل. تقول أن الخطوط المرسومة على يدها الخشنة هي برهان لما قاسته طيلة الـ12 سنة عملت فيها بهذا القسم، مقابل دريهمات، مشيرة إلى أن هذا القسم من المعمل يُعد الأصعب وغالبية العاملين فيه هم نساء، لما تملكنه من دقة في التقشير والتنظيف: تقول المتحدثة وهي ترينا أصابع يديها المنتفخة، "أرباب العمل يفضلون النساء في مهمة التقشير، طبعاً لحرصهن على النظافة والدقة، ولكون النساء تعملن بضمير عال. ونحن نتخلى عن القفازات البلاستيكية المزعجة لننظف ونقشر السمك حتى يصير مادة خام من أجل التعليب، وهو القسم الذي يوظف فيه الرجال أكثر لأنه لا يتطلب مهارة خاصة".. "انظري، فتارة تصيبك وخزة سيخ السمك، وتارة يلسعك الزيت الحار، ولكن ما الفرق؟ الأهم بالنسبة لأرباب العمل هو أن تنهي عملك كما يجب، وبحرفية عالية دون أن تقولي أخ، أو أن تشتكي ألم الظهر الذي يبقى مقوساً طيلة 10 ساعات يومياً".

عند سؤالها عن حقيقة تفاوت الأجر بين العاملات والعمال داخل المصنع قالت مليكة "هذا غير صحيح، جميع الأجراء يتقاضون الأجر نفسه الذي يتراوح ما بين 1200 و1400 درهم في الشهر (120 يورو) حسب الساعات وموسم العمل، بما فيهم ذوو الأقدمية. صحيح هو أجر قليل جداً، ولكن هذا الموجود حالياً، وبالمقابل يحظى العمال والعاملات جميعهم بتصريح الضمان الإجتماعي، فضلاً عن استفادة بعضهن من الحضانة لأطفالهن إذا كانوا في عمر أقل من سنتين، والتي يُخصم أجرها من أجر العمل بمبلغ 50 درهماً (4.5 أورو) في الشهر".

آسفي .. وجه آخر للمعاناة نفسها

عرفتْ صناعة حفظ السمك في المغرب تطوراً كبيراً منذ ثلاثينيات القرن الماضي. ولعل هذا التراكم ساهم في اكتساب البلاد خبرة، حظي بفضلها على سمعة دولية مهمة في هذا المجال، سواء على مستوى جودة المنتوجات أو الكم، ليصبح المغرب من المصدرين الرئيسيين في العالم لنوع سردين البلشار. وكان المغرب قد خصص لهذا النشاط 47 وحدة تتمركز أساساً في آسفي (20 وحدة) وأكادير (12وحدة)، وتشغل 36.700 شخصاً، وتتميز بقدرة إنتاجية تفوق 3 آلاف طن يومياً. (1)

مدينة آسفي، التي تبعد عن العاصمة الرباط بأزيد من 331 كلم، معروفة بحركتها البحرية من خلال ترّكز عدد كبير من مصانع تصبير السمك على طول الشريط الساحلي، بعضها يشتغل والبعض الآخر مهجور. أبنية مشيدة بدون حياة..

تعود صناعة التصبير بآسفي إلى سنة 1930، وقد تنامت وتكاثرت حتى بلغ عدد الوحدات في فترة ذهبية 130 وحدة صناعية، تقوم بتصدير السردين و"الانشوا" و"الكابايلا" وغيرها من الخيرات. بل استغلت تلك المصانع لفترات من السنة في تصبير المنتجات الفِلاحية أيضاً كالطماطم والمشمش والكبار(وهي نبتة شوكية يعد المغرب أول منتج ومصدر لها، وتستعمل في علاج التهابات الجهاز الهضمي، وفتح الشهية وتحسين عملية الهضم..).وكان هذا القطاع يشغل أكثر من 30 ألف من العمال والتقنيين والإداريين، إضافة إلى القطاعات المرتبطة به كالصيد البحري، والنقل، والتجارة بكل أنواعها، التي كانت تعرف انتعاشاً ملحوظاً في فترة عمل هذه المصانع، فتسميها العاملات "العفسة"، والتي تعني بالدارجة المغربية "وقت الذروة".

تتعرض بعض العاملات للتحرش، سواء كن عازبات أو متزوجات، وأبطال التحرش رؤساء مباشرون أو مكلفون بمهام داخل الوحدة، أي ممن لديهم سلطة على العاملات... اللواتي يتسترن على الأمر ويخضعن له خشيةالطرد على اعتبار أن العمل في المنطقة شبه منعدم.

غير أن قطاع التصبير بالمدينة، وعلى الرغم من تقدمه، لم يعرف تطوراً كبيراً لا على المستوى التقني ولا على مستوى رفع الجودة، الشيء الذي عرّضه لهزة حقيقية في تسعينات القرن الماضي، مع قوانين السوق كما فرضها الاتحاد الأوروبي، وهي تتعلق بالحصص وكذلك بمعايير الجودة. فتراجع إنتاج ميناء آسفي من صيد السردين نظراً لارتفاع نسبة التلوث وبداية هجرة السردين نحو الجنوب، الشيء الذي دفع المصانع إلى جلبه من موانئ الصحراء، وهو ما رفع أيضاً التكلفة بشكل ملحوظ وتسبب في إقفال أغلب المصانع، فتم تسريح أزيد من 20 ألف عامل وعاملة في السنوات الأخيرة من القرن الماضي.

كانت مدينة آسفي تضم زهاء 70 معملاً لتصبير السمك، ومصانع للصناعة الغذائية لل"كوانو" (طحين السردين)، ومصانع إنتاج "الكبّار"، ليتقلص العدد مع الكساد المعلن، وتقلص الثروة السمكية على امتداد الساحل، إلى 28 معملاً لتصبير السمك إلى حدود العام الجاري، 3 منها مصانع ل"كوانو"، و19 لتعليب السمك، و2 منها مختصة في منتوج "الكبّار". وبالتالي لا يعمل اليوم في مصانع التصبير سوى 5197 عاملاً، 481 منهم دائمين: 404 رجالاً و77 نساءً. ويقدر عدد العمال الموسميين في قطاع التصبير بمدينة آسفي ب4716 عاملاً، جميعهم نساء، موزعين بين 5 شركات تصارع من أجل البقاء، بينما لجأت أخرى إلى الاندماج فيما بينها لتتمكن من الوقوف بوجه الأزمة، بحسب المعطيات التي أمدتنا بها وزارة التشغيل.

وجوه شاحبة تكتسيها تجاعيد شيخوخة مبكرة، وعيون مترددة تعتلي ظهوراً تقوست من كثرة الانحناء. هذه اللوحة البائسة تتقاسم تفاصيلها النساء العاملات في معامل التصبير، سواء في أكادير أو هنا في آسفي، حيث تلك النسوة وبعضهن في ربيع العمر، وأخريات في خريفه، والبعض الآخر قاصرات، تنتظرن جميعهن في ساعات مبكرة قدوم شاحنة مهترئة لتقلّهن إلى معامل التصبير، مكدسات. الصورة نفسها في مدينتين مختلفتين تبعدان عن بعضهما أزيد من 314 كلم.

تحاول أولئك النسوة رسم ابتسامة مصطنعة، وهن يرددن داخل الشاحنة مزيجاً من الأغاني العربية والأمازيغية، الممزوجة بالزغاريد، كنوع من التحفيز الصباحي لبعضهن على مجابهة قسوة الحياة التي جعلتهن يعملن بجهد مقابل راتب يومي يتراوح ما بين 6 و 8 دراهم للساعة الواحدة، وأحيانا يتقاضين الأجر بناء على عملية "التوناج" أو "البراكة" أو بعدد صناديق السمك. ذلك أن مردودية الشاحنة هي التي تتحكم في عملية دفع الأجر.

أساليب لسرقة ساعات كل يوم من جهد العاملات

سعيدة، اسم مستعار لإحدى العاملات. كانت تسير بخطًى مسرعة وهي تحمل حقيبة بلاستيكية بداخلها خبز حاف وبرتقالة، من أجل إسكات جوع يوم بكامله. كانت مشيتها تسابق عقارب الساعة لتلتحق بالركب. هي تشتغل مياوِمة بمعمل لتصبير السمك بآسفي، فتحرص على أن تكون في الصفوف الأمامية للشاحنة التي تقل العاملات إلى المصنع، لتضمن بذلك عملاً يومياً حتى وإن كانت تشتغل أكثر من الوقت القانوني. وهي تتقاضى أجرها الهزيل ( 1200 درهم شهرياً أو 120 يورو)، على دفعة واحدة آخر الشهر، عكس عاملات التصبير بأكادير اللواتي يتقاضين أجورهن بصفة نصف شهرية.

"أرباب العمل يفضلون النساء في مهمة التقشير، لحرصهن على النظافة والدقة، ولكون النساء تعملن بضمير عال. ونحن نتخلى عن القفازات البلاستيكية المزعجة لننظف ونقشر السمك حتى يصير مادة خام من أجل التعليب، وهو القسم الذي يوظف فيه الرجال أكثر لأنه لا يتطلب مهارة خاصة".

تحكي لنا سعيدة عن دواليب "سرقة ساعات العمل" في مصانع التصبير في آسفي، فهي تعمل بـ18 درهماً مقابل تعليب كل "كارتونة" من علب السردين في المصنع، وهذا الرقم يتم ضربه من طرف المشغّل بعدد "الكارتونات" التي أنتجت في اليوم: على سبيل المثال إذا جرى إنتاج 1000 وحدة يكون المجموع هو 18 ألف درهم. تتم قسمة هذا الرقم على عدد العاملات في المصنع، والذي قد يصل إلى 400 عاملة، وبالتالي تكون أجرة كل عاملة هي 45 درهماً، ويتم تقسيمها مجدداً على 10.70 درهم (ثمن العمل مقابل الساعة في قطاع الصناعة الغذائية، منذ عام 2007 وفقاً للقانون المغربي) وهكذا يتم احتساب 4 ساعات وبضع دقائق في اليوم لسعيدة والأخريات من صديقاتها، بينما هي أثناء عمليات تعليبها تكون قد عملت زهاء 6 أو 8 ساعات ليلاً أو نهاراً.

تقول سعيدة، أن ظروف العمل داخل المصنع "هزيلة"، إذ أنها وزميلاتها اللواتي يشتغلن في قسم التقشير، مضطرات لمجابهة درجات الحرارة المنخفضة صيفاً وشتاءً، ما يجعلهن عرضة لأمراض الظهر والروماتيزم الذي أصابها منذ مدة بسبب التبريد الذي "يحافظ على السمك، ويستنزف صحتنا" على حد تعبيرها.

10 سنوات مضت على اتفاقية " لم تسمع بها العاملات"

في شهر آذار/ مارس من عام 2009، وقع الاتحاد المحلي لنقابة الاتحاد المغربي للشغل، و"مشغِّلو صناعة التصبير في آسفي" (أرباب العمل أو ما يسمى هنا نقلاً عن الفرنسية "الباطرونا") الذين يتكتلون في جمعية، على اتفاقية جماعية، من أجّل حل مشكلة التعويضات العائلية، التي حددها مرسوم صادر في تموز/ يوليو 2008 (المادة الثانية منه). غير أنه وبعد مرور ما يزيد عن 10 سنوات من توقيع الاتفاقية المذكورة، لم يتحقق للعاملات شيء مما ذكر فيها، بل إن أغلبهن لا تعلمن أساساً بوجود هذه الاتفاقية التي تنص إحدى بنودها على أنها تتجدد كل 3 سنوات بتمديد ضمني، بعد توقيعها بين الطرفين (الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل المحلي، وممثل للغرفة النقابية لصناعيي التصبير بآسفي).

تحاول أولئك النسوة رسم ابتسامة مصطنعة، وهن يرددن داخل الشاحنة مزيجاً من الأغاني العربية والأمازيغية، الممزوجة بالزغاريد، كنوع من التحفيز الصباحي لبعضهن على مجابهة قسوة الحياة. ففي مصانع آسفي، تتقاضين أحياناً الأجر بناء على عملية "التوناج" أو "البراكة" أو بحسب عدد صناديق السمك، وتضيع عليهن بهذه الحسبة ساعات عمل كثيرة.

كان الهدف من الاتفاقية المذكورة "تمرير قانون التعويضات العائلية، الذي فرض على العامل أن يتقاضى 60 في المئة من الحد الأدنى للأجور خلال "الشهر" إذا أراد الاستفادة من هذه التعويضات. ولايتعدى الحد الأدنى للأجور في قطاع الصناعة والتجارة 1200 درهم بالشهر، أما في قطاع التجارة، فبالكاد يصل إلى 800 درهم. غير أن عمال التصبير، ومع "ألاعيب سرقة ساعات العمل"، من خلال عدم التصريح بجميع الساعات التي اشتغلنها طيلة الشهر، فإن دخلهن الشهري لا يتعدى الحد الأدنى للأجور، وبالتالي حُرم الآلاف من العاملات والعمال من التعويضات العائلية إلى حدود مطلع 2020.

نقابة تتحول لخصم للعمال قبل رب العمل

حليمة البالغة من العمر 61 سنة، والتي كانت تشْغل منصب "كابرانة" (مراقبة عمال) تحكي كيف أن الانتماء لنقابة بعينها أصبح إجبارياً داخل معامل التصبير، إذ "أنهم وإلى الآن، يفرضون على العاملات والعمال الانتماء إلى نقابة معينة من دون الأخرى، ومن ترفض، سرعان ما يتم طردها بالاتفاق مع صاحب المعمل، لأن الكاتب العام للنقابة متفق أساساً مع صاحب المعمل". وتقصد حليمة في حديثها إحدى النقابات المعروفة وطنياً، والتي لا تزال محتكرة لوحدها منذ أزيد من 25 سنة قطاع تصبير السمك في آسفي، "حتى أصبحت كل وافدة جديدة على العمل تُريد دخول المصنع، عليها أولاً زيارة مقر النقابة".

انتهت رحلتنا بين مدينتي أكادير وآسفي، غير أن جحيم الرحلة يومي ومستمر بالنسبة لأكثر من 3000 عامل وعاملة في مختلف مصانع التصبير بالمغرب التي تواري وراء أبنيتها الضخمة واقعاً يطال النساء بشكل خاص، اللواتي قذفهن شظف العيش إلى هذا القطاع.

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

______________

1- معطيات أمدنا بها "قطاع الصيد البحري" التابع لوزارة الفلاحة والصيد البحري.

مقالات من المغرب

الأرض والسلطة السياسية: السياسات الزراعية في المغرب

مع استقلال المغرب، برزت طبقة اجتماعية من الملاكين، أرادت لنفسها أن تكون وريثة المصالح الاستعمارية القديمة على الأرض. وكان عليها بالتالي التشبث ببنى السلطة والتسيير الموروثة من المرحلة الاستعمارية، مما...

للكاتب نفسه

اغتصاب الأطفال جنحة؟

المغتصَبة طفلة في السادسة، والمغتصِب جار أهلها الأربعيني، والأب تنازل عن دعواه، والمحكمة أطلقت سراح المجرم على أن يحاكَم وهو حرّ، والبلاد كلها استنكرت.. فأعيد إلى السجن.