طنجة: نِساءٌ من قماش

تتخذ كلّ واحدة منهن مكانها أمام ماكينات الخياطة مثل روبوتات تعمل على روبوتات.. نساءُ المنطقة الصناعية بطنجة يبدأن يومهن منذ الخامسة صباحاً، ليَعُدن إلى بيوتهن بعد تسع إلى اثنتي عشر ساعة من العمل الشاق والمدمّر للصحة...
2020-03-01

عائشة بلحاج

صحافية وباحثة في حقوق الإنسان، من المغرب


شارك
فرات شهال الركابي - لبنان

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

تبدأُ حكاية بعض النساء من لحظة الانقطاع عن الدراسة، فيكون "المعمل" هو مصيرهن الوحيد، مع فقر الأسرة، وضعف أو انعدام التعليم، وغياب البدائل. بينما تبدأ الحكاية مع بعضهنّ الآخر من فشلٍ في الزواج، والخروج منه، ما يعني أنّهن عُدن عالة للمرة الثانية على الأسر الفقيرة، التي خفّت أعباءها بتزويجهن. لكن عودتهنّ تربك الأمور للجميع، فعليهن أن يُبرّرن وجودهن في البيت بجلب بعض المال. ولأنّ قليلات منهنّ يرضين بأعمالٍ من قبيل "خدمة البيوت"، يكون "المعمل" مصيرهن الوحيد.

وتبدأ حكاياتُ أخريات مع انكشاف حقيقة زوجٍ عاطل عن العمل أو شبه عاطل، فيكون المعمل وسيلة إعالة الأسرة بكاملها، مع عددٍ غير قليل من الأولاد، لم ينتبهن إلى أنّهم تضاعفوا مثل الأرانب في البيت، من دون أن يخطّطن، أو يحدّن من سلسلة ولاداتٍ بالغلط. كلّ شيء في حياتهن يأتي بالغلط... العمل، والزواج، والأولاد.

عددُ النّساء اللواتي يعملن في أحد أكبر القطاعات الصناعية الهشّة في المغرب، يتجاوز عشرات الآلاف.يشتغلن في ظروف سيّئة، مع ساعات إضافية بلا تعويض، ولا حقوق أو ضمان اجتماعي.بأجور هزيلة، واستغلال كامل لحاجتهن للمال، وقلة التأهيل والفرص، مضاف إليها التحرّش الجنسي.

هؤلاء هنّ عاملات قطاع النسيج في المغرب، الصناعة التي شكّلت لمدة من الزمن إحدى القطاعات الصناعية الأساسية في البلاد، قبل أن يتمّ الانفتاح على الصناعات التكنولوجية، وينحسر نسبياً الاعتماد على القطاع أمام ضغط الواردات من الصين وتركيا، الدولتان القويتان في مجال صناعة النسيج والملابس.

ويمكن معرفةُ أهمية الصناعة كمصدر لفرص العمل في طنجة، باعتبار المدينة تضم أربع مناطق صناعية، هي أولاً "طنجة أوطوموتيف سيتي"، أحدثها، وتشْغلها شركات صناعة السيارات وأجزاء الطائرات، ثم المناطق الصناعية التالية: اكزناية، مغوغة والمجد. وهذه الأخيرة هي الأكثر إقبالاً على صناعة النسيج. وأما أكبر هذه المناطق الثلاث، فالمنطقة الصناعية الحرة اكزناية، لأنها الأكثر استقطاباً للشركات العالمية الكبرى في مختلف المجالات الصناعية، وفي قطاعات رئيسية هي: السيارات، الطيران، النسيج، الصناعات الغذائية، الالكترونيات، والخدمات.

المعاناة باكراً

تبدأ نساءُ المنطقة الصّناعية بطنجة - ثاني مدينة اقتصادية في البلاد، والتي تضم أكبر عدد من شركات النسيج - يومهن منذ الخامسة صباحاً، ليعُدن بعد تسع إلى اثنتي عشر ساعة من العمل الشاق، والمدمّر للصحة، بلا استراحة، عدا نصف ساعة يتيمة في اليوم، تُخصّص للغذاء والحمام. تتخذ كلّ واحدة منهن مكانها مع الماكينات مثل روبوتات تعمل على روبوتات.

تبدأ معاناة عاملات النسيج قبل طلوع النهار، مع مشكل النقل. إذ عليهن أن يستيقظن مبكراً للتوّجه صوب نقطة محدّدة بعيدة عن المنزل، حيث تتجمّع العاملات لتسهيل عمل حافلة النقل المخصّصة لإيصالهن إلى المعمل. ويرفض سائق الحافلة أن يتوقّف في أيّ نقطة أخرى غير النقطة المُحددة. وهذه الرحلة اليومية تتخلّلها بدورها أخطار التعرّض للسرقة، أو الاعتداءات والتحرّشات الجنسية، بما أنّهن يخرجن قبل الفجر فهن فريسة سهلة للصوص والمنحرفين.

يتجاوز عدد النساء اللواتي يعملن في أحد أكبر القطاعات الصناعية الهشّة في المغرب، عشرات الآلاف. يشتغلن في ظروف سيّئة، مع ساعات إضافية بلا تعويض، ولا حقوق أو ضمان اجتماعي، بأجور هزيلة، واستغلال كامل لحاجتهن للمال، وقلة التأهيل والفرص، مضاف إليها التحرّش الجنسي.

وإذا تأخّرن عن العمل بسبب مشكلة من هذه المشاكل، تُخصم أجرة اليوم من رواتبهن. ويجد سائق حافلة نقل العمال تبريراً لشكاوى العاملات، بأنّه ملزم بإتمام رحلة واحدة ذهاباً وإياباً، في ساعة واحدة، دون تأخير، لمتوسّط مسافة تزيد عن 20 كيلومتراً، تنضاف إليها الفترة التي يقضيها في المرور على أحياء مختلفة لنقل العاملات. وإذا تأخرّ السائق لأيّ سبب، فإن ربّ المعمل سيحتج لدى مالك شركة النقل، والأخير قد يفصل السائق.

إنّها دوامة تطحن الكادحين، نساء ورجالاً. لكنها تدوس النساء أكثر. فهنّ يتعرضّن للتحرش والابتزاز داخل المعمل، وفي حافلات نقل العمال، وفي الشارع أيضاً. تباشر العاملات عملهن من دون أيّ فرصة لالتقاط الأنفاس. يُمنع عليهن استخدام الهاتف والذهاب إلى دورة المياه، أو الحديث إلى عاملة أخرى، ولا يُسمح لهن بالتوقّف عن العمل إلّا في الثانية عشر والنصف، حيث يمنحهُن المشرف نصف الساعة الثمينة تلك. وتتمّ مراقبتهن عن قرب من قبل رجال أمن الشركة.

وقد نقل تحقيق تلفزيوني إسباني أجري في مطلع عام 2019 عن معامل النسيج بطنجة أن هناك خروقات تتعلق بظروف العمل السيئة، من ضيق أماكن العمل، وانعدام الشروط الصحية بها، واستغلال العمال والعاملات مقابل أجوز زهيدة لا تتجاوز 500 درهم (ما يعادل 50 دولاراً) في الأسبوع. وأوضح التحقيق أنّ العاملات في بعض مصانع النسيج بطنجة، يعملن ساعات طويلة في إنتاج ملابس ذات تكلُفة رخيصة، قبل بيعها بأثمان باهظة في المحلات الإسبانية. وأضاف أنّ العديد من المستثمرين الإسبان وجدوا في قطاع النسيج المغربي فرصة ذهبية، تحقّق لهم مكاسب ضخمة، بفضل العمالة الرخيصة، وكلفة الإنتاج المنخفضة. بينما تباع بعض الملابس بأكثر من 10 أضعاف تكلفتها الأصلية. ولا توجد إحصائيات رسمية لمردودية الشركات التي تعمل عن طريق المناولة لفائدة علامات إسبانية للملابس، لكن بعض المصادر تشير إلى أنّ حوالي 95 في المئة من شركات الألبسة والنسيج بالمناطق الصناعية بطنجة، تشتغل لفائدة الزبون الأجنبي، الإسباني خصوصاً، والفرنسي بالدرجة الثانية.

ساعاتٌ أكثر وحقوق أقل

تمتدّ ساعات العمل أحياناً إلى حدود التاسعة ليلاً، إذا كان ربّ العمل يريد مضاعفة الإنتاج، لاستعجاله من قبل الزبون، أو لكثرة الطلب. وبالمقابل، يدفع أجرة الساعات العادية من العمل، التي يحددها قانون الشغل بسبع ساعات، وبحد أدنى يبلغ11.77 درهم للساعة الواحدة. وهو الأجر الذي لا يتعداه المشغِّل نهائياً، بل يقتطع منه أقساط التأمين، التي نادراً ما يدفعها، في حال كان قد صرّح بالعاملات لدى مصلحة الضمان الاجتماعي. يتنصل رب العمل من أداء الواجبات المستحقّة لصندوق الضمان الاجتماعي، والتي تتراكم بمرور الشهور والسنوات، وبفعل غياب الرقابة، وتواطؤ بعض الجهات المسؤولة. وتكون الضحية هي العاملة. وإذا بلغت الديون المتراكمة لفائدة الضمان الاجتماعي مبالغ ضخمة، قد تعلن المقاولة إفلاسها للتهرّب من أداء تلك الديون.

بحسب مذكرة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تتعلّق بحضور العنصر النسوي في الأنشطة المؤدّى عنها، فإنّ عدد الأجيرات المُصرّح بهن لدى الصندوق انتقل من 184.623 عاملة سنة 1990 إلى مليون و109.737 ألفا في سنة 2018.

وعدا مصانع المنطقة الصناعية بالمدينة، هناك مئات "الكراجات"في الأحياء السكنية التي يتمُّ استعمالها كمصانع نسيج. لذا لا تعكس الأرقام الرسمية العدد الحقيقي للمعامل المنتشرة بطنجة. ويزيد عدد العاملات في المعمل إجمالاً عن 350 عاملة، في مساحة لا تتجاوز في أحسن الأحوال 500 متر مربع. وأغلب العاملات في هذا القطاع لا يتوفّرن على عقود عمل. واللواتي لديهن عقود، لا يتمُّ التصريح بأجورهن كاملة إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.. وحتى اللواتي يُصرِّح بهن المشغّلون، غالباً ما يُفاجأن بأنّ ربّ العمل لا يدفع أقساط التأمين الخاصة بالضمان الاجتماعي. ويأتي الاكتشاف مبكراً، أو بعد سنوات من العمل. وهناك قضايا كثيرة من هذا القبيل، يصل بعضها إلى المحاكم، ويبقى بعضها الآخر مرتبطاً بجهود بعض الجمعيات الحقوقية التي تنشط في مجال الدفاع عن حقوق النساء العاملات بشكل خاص.

وبلغت نسبة النساء الأجيرات (العاملات في كل القطاعات، بما فيها النسيج) المصرّح بهن لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي 31 في المئة، كمعدل من مجمل الأجيرات، وذلك للفترة الممتدة ما بين 2000 و2018. وحسب مذكرة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تتعلّق بحضور العنصر النسوي في الأنشطة المؤدى عنها، فإنّ عدد الأجيراتالمُصرّح بهن لدى الصندوق انتقل من 184.623عاملة سنة 1990 إلى مليون و109.737 ألفا في سنة 2018 (معدل تطور سنوي محدد ب6.6 في المئة).

وعلى صعيد التقاعد، سجلت المذكرة ارتفاعاً ملحوظاً في معدل عدد الأيام التي راكمتها النساء المتقاعدات خلال ال 29 سنة الماضية، حيث انتقلت من 4858 إلى 6172 يوماً، أي بارتفاع قدره 27 في المئة، مقابل 3 في المئة فقط بالنسبة للعنصر الرجالي. وهذا يُفسّره كون عدد النساء اللواتي دخلن سوق الشغل في المغرب عرف زيادة كبيرة في الربع الأخير من القرن الماضي، بينما استقر معدل الرجال.. بالنظر إلى أن المرأة العاملة ظاهرة جديدة في المجتمع المغربي، لم تتكرّس إلا في العقود الأخيرة.

وفيما يتعلق بالتّعويضات العائلية، فقد تمّت الإشارة إلى أنّ 13 في المئة من المستفيدين هم من العنصر النسوي، على أنّه عندما يكون الزوج والزوجة مؤمَّنان، ولهما الحق في الاستفادة من التعويضات العائلية، فإنّ هذه التعويضات تدفع حصرياً للزوج. وفي المقابل أشارت المذكرة إلى وجود حالات يتمُّ فيها نقل الحق في التعويضات العائلية إلى النساء، منها حدوث الطلاق -شريطة تكفّل المرأة بحضانة الأطفال- أو عدم ممارسة الزوج أي نشاط. وأظهرت المذكرة أيضاً أن 39 في المئة من النّساء المُصرح بهن لدى الصندوق سنة 2018، استفدن من تعويضات خاصة بملفات المرض ضمن إطار التأمين الإجباري. بينما لم تستفد البقية بسبب عدم أداء مستحقاتهن للصندوق، أو اكتشاف خلل في عملية التسجيل والأداء.

ظروفُ عمل شاقة وتسريحٌ بلا إحسان

الحديث عن معاناة نساء النّسيج، غالباً ما تسبقه دموع ظلّت سجينة لسنوات طويلة، تصل في بعض الأحيان إلى ثلاثين سنة من الصمت، فقدت بسببها إحدى العاملات بصرها بعد أن قضت كل تلك المدة في معمل للنسيج بميناء طنجة المدينة، لتجد نفسها رفقة 270 من زملائها بدون عمل، بعد أن أقدم صاحبُ المعمل على إقفال المصنع دون إخطار العمال والعاملات عام 2018.

عاملة أخرى، بدأت العمل في مصنع للنسيج في بداية العشرينات من عمرها، ثم وجدت نفسها،بعد أكثر من عقدين من العمل،غير قادرة على إدخال الخيط في ثقب الإبرة،. فما كان من ربّ العمل إلّا أن حوّلها إلى عاملة نظافة، بعد انتهاء "صلاحيتها" كأيّ آلة من آلات الخياطة. ولم تتوقف معاناتها عند فقدان بصرها، مقابل أجر لا يتعدى 2300 درهم شهرياً في أحسن الحالات، بل إنّ المشغِّل لم يصرّح بها كأجيرة لدى الضمان الاجتماعي إلا في العام 1993، أي بعد عشر سنوات من العمل "في السوق السوداء". وحتى عندما أصبحت تمتلك بطاقة الضمان الاجتماعي، فإنّها لم تستفد منها لأنّ المشغل لم يكن يؤدي أقساط التأمين.

فيما يتعلق بالتّعويضات العائلية، فإن 13 في المئة من المستفيدين هم من العنصر النّسوي.على أنّه عندما يكون الزوج والزوجة مؤمَّنان، ولهما الحق في الاستفادة من التعويضات العائلية، فإنّ هذه التعويضات تدفع حصرياً للزوج.

وعلى الرغم من أنّ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يسعى، من خلال مديرية المراقبة والتفتيش، لتطبيق التشريع المتعلّق بالحماية الاجتماعية، لجهة الانخراط والتسجيل والتصريح بالأجور لأجراء القطاع الخاص من قبل جميع المقاولات الخاضعة لذلك النظام، إلا أنّ المشغّلين يجدون طرقاً للتّحايل على تدابير الصندوق.

"نادية" تعمل في معمل للنسيج بحيّ سكني، قالت إنّها تشتغل داخل المعمل منذ سنة كاملة، ولم يُصرّح بها المشغل لدى الضمان الاجتماعي، رغم مطالبتها بذلك. وغالباً ما يواجهها المُشغّل بجواب قاطع "إذا لم يعجبك الوضع، هناك من سيعجبها، وتنتظر فرصة لذلك". فتعاني العاملات في صمت، تحت وطأة الاضطهاد اليومي. وهن لا يستطعن التوجّه بالشكوى إلى مفتشية الشغل لأسباب عديدة: فالمسؤولون دائماً ما يقفون في صفّ المشغِّل، أما العاملة فهي مجرد رقم ضعيف في المعادلة. كما أنّ الغالبية العظمى منهن لا ينتظمن في نقابات عمالية تحمي مصالحهن، إما خوفاً من الطرد والمضايقات، وإمّا لرفضهن الانتماء إلى نقابة أصلاً، لأنّ ثقافة الانتماء النقابي ضعيفة لدى هؤلاء النّساء، ذوات التعليم البسيط لدرجة أنه يكاد ينعدم. يضاف إلى ذلك تحذير أصحاب المقاولات للعمال من الانتماء النقابي، وإمكانية الطرد، مع كونهن عديمات الحيلة والإمكانيات والبدائل، مما يجعلهن أكثر خضوعاً لبيئة العمل المُستغِّلة. وهو السبب الأساسي في جعلهن عاملات مثاليات لأرباب الشّركات.

وكشفت عاملة أنّها لم تقرر الانتماء إلى نقابة إلّا بعد أن وجدت نفسها بدون عمل. فعندما كانت تعمل، كان صاحب المعمل، يقول: من يريد الانتماء النقابي سأطرده، ولن تطالني أيّ تبعات عن ذلك. وبعد التخلّي عن خدماتها، قال لها ولزميلاتها: "اذهبن إلى السلطة، قدمن شكاية لها، وسنرى ما سيحدث. لا حقوق لكنّ عندي".

بعد الطّرد، يبقى الاحتفاظ بالوثائق الحلّ الأسلم لضمان الحقوق، لكنّ تعليم معظم العاملات بسيط إن لم يكن معدوماً، لذا غالباً ما تضيع حقوقهنّ. هكذا تروي إحدى العاملات قصتها، حيث لجأت لمفتشية الشغل.فاستدعت مسؤولة بتلك المفتشية بطنجة صاحب المعمل وواجهته بها. وهي كانت تحتفظ بإيصالات الأجرة، ووثائق الضمان الاجتماعي التي لا يدفع مشغّلها أقساطها. وهكذا لم يكن أمام المشغل إلّا أن حلّ النزاع ودياً، أمام ضغط المسؤولة، وأعادها إلى العمل بعد شهرين من توقيفها. لكنّها حالة واحدة بين حالات كثيرة ضاعت حقوقها.

وحسب تقرير لجمعية "أتاك المغرب" (ATTAC)، (هي جمعية يسارية تنشط في مجال حقوق العمال وغيرها من الأنشطة المناهضة للعولمة، منشأها في فرنسا، ولها فروع في دول مختلفة، منها المغرب)، بتاريخ 23 تشرين الاول/ أكتوبر 2018، يعمل المستثمر صاحب الشركة على سرقة بعض ساعات العمل (قد تشتغل العاملة 9 ساعات لكن المشغل لا يسجل في حسابها إلا ثماني ساعات)، وعدم التعويض عن الساعات الإضافية المنصوص عليها في قانون الشغل (المادة 201)، الحرمان من المنح المخصصة للأعياد. أضف الى ذلك حرمان الشغيلة من عقود عمل مكتوبة، ما يجعلهم دائماً في وضعية هشة وتحت التهديد خوفاً من الطرد.

ويضيف التقرير أن جزءاً غير يسير من العاملات محرومات من الضمان الاجتماعي، ومن التغطية الصحية، وأنه لا يتم احترام معايير الصحة والسلامة في أماكن العمل: معاناة العاملات من آلام الظهر بسبب الكراسي غير المناسبة، إمكانية نشوب حريق في أي لحظة نظراً لضيق مساحة المعمل، حيث آلات الخياطة متقاربة ولا تفصل بينها مسافات كافية، غياب أدوات الإسعافات الأولية. أما المطعم- إذا توفر- فلا يستجيب لشروط السلامة الصحية، وغير كاف من حيث مساحته، وأثمانه جد مرتفعة.

الاحتيال على القانون للتخلّص من العاملات

تفاجأ العاملات بتوقّف الإنتاج في الشّركات التي تعملن بها، ليتمّ تسريحهن من دون أيّ إشعار مسبق، وما يستلزمهُ ذلك، حسب مدوّنة الشغل، من أداء التّعويض على "العطالة التقنية"، وغيرها من الحقوق المضمونة في ذلك القانون. وحدث أنه لم يتسلمّ عمال وعاملات إحدى الشركات أجورهم لمدة ثلاثة أشهر.

وفي حين يتشبّث كلّ من العاملات والعمال المعتصمين أمام مبنى الشركات المُستغنية عن خدماتهم، بمحضر نزاع جماعي، تتم بالمقابل محاولات لدفعهم إلى النّزاع الفردي عبر القضاء. كما يسجلّ المعتصمون والمعتصمات غياب الجهات المعنية، من مديرية الشّغل، والسلطات المحلية واللّجنة الإقليمية للبحث والمصالحة (التي لم تنعقد)، التي يفترض بها التدخّل للضغط على أصحاب الشركات، لإيفاء واجبات الشّركات المادية.

عاملات النّسيج يعانين أيضاً من عدم تأدية أجور أيام الراحة مدفوعة الأجر (الأعياد الوطنية والدينية)، وعدم تأدية أجور العطلة السنوية. أما بخصوص المرافق الواجب توفّرها بالشركات، فقد أكد أحد العمال النقابيين، وهو موقوف مؤخراً من شركة نسيج، على أنّ أغلب الشركات الكائنة بالمنطقة الصّناعية الثانية بالمدينة، لا تتوفّر على مرافق ضرورية من قبيل المرفق الطبي.

وتتعرض العاملات والعمال للسبّ والشتم، حسب تقرير للجنة عمالية بالمنطقة الصناعية، وتتعرض العاملات للتحرّش الجنسي والاستغلال من طرف المشغّل، أو المسؤولين المباشرين عن العاملات. ويعملُ أرباب الشركات بالمناطق الصّناعية على تنسيق الجهود لمحاصرة انبثاق أو نجاح أيّ فعل نقابي، بحيث يتمُّ تخفيف الضغط، وتلبية طلبات الإنتاج من قبل شركات أخرى بدل الشركة التي تعرف اضراباً عمالياً.

في المقابل يبقى التضامن والتنسيق العمالي ضعيفاً، في غياب كلّي لدور المركزيات النقابية في التأطير، وحماية العمال من شطط أرباب العمل ("الباطرونا"، نقلاً عن الفرنسيةPatronat ) المتمثلين بـ"اتحاد المقاولات في المغرب". وتحاول تجارب عمالية نقابية ذاتية تنسيق الفعل النقابي، لكنّ حضور النساء فيها يبقى ضئيلاً.

قلّة الخيارات وضُعف المراقبة

لا بديل عن العمل في النّسيج لمعظم العاملات، فالعمل هناك أفضل من البدائل المتاحة لنساء بلا تكوين أو تعليم. على الأقل، في معامل النّسيج الأجور أفضل، مقابل أجور أقلّ بكثير في العمل بالمنازل، أو المتاجر، أو في روضات الأطفال، أو معامل أخرى أقل مردودية، أو أقل تنظيماً.

سميرة كانت تعمل في حضانة، وتتلقى أجراً لا يتجاوز ألف درهم في الشّهر، مقابل ما يقارب اثني عشرة ساعة عمل. صحيح أن عملها في الحضانة، أقل إرهاقاً لأنّه يتطلب العناية برضع لا يتجاوز عددهم أربعة، إلا أنّه يستهلك كلّ يومها، وهي أم لطفلين. تعود مساء لتُعد غذاء الغد، وتنام من دون أي نشاط آخر. بينما في المعمل يبدأ الأجر من 2500 درهم مقابل ثماني ساعات في الأيام العادية، إذا لم يكن هناك ضغط يستدعي ساعات إضافية تصل في المجمل إلى اثني عشرة ساعة.

وبالنسبة لسميرة فهنا الحال أفضل، لدرجة أنّها مستقرة في هذا العمل أكثر منذ عشر سنوات، وأصبحت مكلّفة بآلة الفصالة، وتجاوز أجرها ال 4000 آلاف درهم الآن. بالنّسبة لها، مع مستواها التّعليمي الذي لا يتجاوز الإعدادي، فعملُها في النسيج أفضل ما يمكن في ظلّ انعدام الخيارات، وعمل زوجها متواضع المردود.

يصل حجم معاملات قطاع النسيج الموجّهة نحو التصدير إلى 39 مليار درهم (نحو أربعة مليارات دولار)، في حين يعاني سوق النسيج والألبسة المحلية من عدم هيكلة القطاع والعمل خارج القانون، بالإضافة إلى التّهريب. ويشتكي العاملون في القطاع من المنافسة بعد فتح السوق بموجب اتفاقيات التبادل الحرّ.

نادراً ما تترقىّ النساء العاملات في النسيج، لأنّ المشرفين عادة يكونون من الرجال. والترقية الوحيدة المتاحة أمامهن، بعد اكتساب الخبرة في العمل، هي أن يصبحن مشرفات على مجموعة عمل ضمن المعمل. لذا تبقى معظمهن في المهام نفسها، وعلى الآلة نفسها..

كل العاملات يشدّدن على ضعف المراقبة، مع أن من مهام مفتشية الشُّغل أن تحرص على مطابقة ظروف العمل لقانون الشّغل المغربي. لكن مع قلّة عدد المفتشين، وإمكانية التواطؤ بينهم وبين المشغّلين، يفقد دورهم فعاليته المرجوة،بحيث لا يؤدّي إلى تحسّن حقيقي في ظروف الشغل بالنسبة للنساء العاملات في النسيج.

سوقٌ نازل وفرص عمل أقل

تعاني النساء من تقلص فرص العمل في النسيج، مع تراجع هذا القطاع في المغرب، نظراً لمنافسة المنتوج المستورد للمنتوج المحلي. ومن ناحية الشكل الإنتاجي، يعمل غالبية المهنيين في قطاع النسيج بالمغرب عبر المناولة (التّعاقد من الباطن أو عملية تكلف بموجبها مؤسسةٌ مؤسسةً أخرى بإنتاج سلعة ما لصالح الأولى)، وتشكل السّوق الإسبانية الوجهة الأولى للصادرات بنسبة تتجاوز 40 في المئة.

يواجه قطاع النسيج المغربي تحدّيات كبيرة، على الرغم من كونه المصدر الأول لتوفير فرص العمل في المجال الصناعي في المغرب: 600 ألف فرصة، منها 200 ألف بالقطاع الرسمي وحوالي 400 ألف في القطاع الموازي أي غير الرسمي، بحسب معطيات الجمعية المغربية لصناعة النسيج والألبسة (AMITH).

ويصل حجم معاملات القطاع الموجّهة نحو التصدير الى 39 مليار درهم (نحو أربعة مليارات دولار)، في حين يعاني سوق النسيج والألبسة المحلية من عدم هيكلة القطاع والعمل خارج القانون بالإضافة إلى التّهريب. ويشتكي العاملون في قطاع النّسيج من المنافسة بعد فتح السوق بموجب اتفاقيات التبادل الحرّ، التي تربط المغرب بحوالي 56 دولة، وما ينتج عنه من إغراق بالبضائع الجاهزة، خصوصاً من تركيا والصين، بحسب توصيف المهنيين في القطاع.

وحسب ما تقول مصالح كتابة الدولة للتجارة الخارجية، فقطاع النسيج والألبسة في المغرب، يُعد قطاعاً استراتيجياً وحيوياً، إذ يُشكل ما يعادل 35 في المئة من الوظائف الصناعية الوطنية و4 في المئة من إجمالي العمالة في المغرب. وكشفت كتابة الدولة المكلفة بالتجارة الخارجية التابعة لوزارة الصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي، بداية عام 2019، أنّ الارتفاع المستمر لصادرات المنتوجات التركية إلى المغرب، والذي وصل200 في المئة ما بين سنتي 2013 و2017، أدى إلى فقدان حوالي 46 ألف منصب شغل في الفترة الممتدة ما بين 2013 و2016. أما الحصة السوقية للإنتاج المحلي، حسب هذه الإحصائيات، فقد انخفضت من 79.70 في المئة سنة 2013 إلى 69.30 في المئة سنة 2016.

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

مقالات من المغرب

للكاتب نفسه