ثورة "17 تشرين" اللبنانية: استدعاء شعارات الربيع العربي

ما الذي أثار غضب النظام؟ هل هو خوفٌ من تمرّد اللغة بكل ما يحمله من مؤشّرات؟ أم أنّ إعادة إنتاج بعضٍ ممّا سُمع في شوارع عربية أثار الرُعب وأعاد الكوابيس؟

منذ السابع عشر من شهر تشرين الأوّل/أكتوبر، واللبنانيون يحفرون عميقاً في هذا التاريخ. يحفرون به في الذاكرة، في المكتوب والشفهيّ من تاريخ البلد، وربّما يحفرون به طريقاً إلى الخلاص. يحضر لدى الثوّار الأفراد كمكان، الشوارع،التي صارت لهم بيوتاً جماعية.

فجأة طفا حسّ فكاهة أنقذ البلد من تردّي نكاته المُعتادة. تشعّب صراع استعادة الشوارع. بدأ باستعادةِ الأماكن العامّة (ولو رمزيّاً)، ولشوارع وسط بيروت الممنوعة عنهم، ليصل بكثيرين إلى العودة للاعتراض في شوارع ما قبل انتقالهم كـ"أولاد مناطق" إلى العاصمة. قَنَصَ الرصاص المطاطي عيون الثوّار. سكاكين، عصيٌّ، خراطيمُ مياه، وقنابل مسيّلة للدموع. سُحلت أجسادٌ على الإسفلت كقصاص على تمرّدها. سُحلت، وهذا ليس تجهيلاً للفاعل، بل مللٌ من التكرار.

قطعت الأجساد المتمرّدة الطرقات. بُحّت أصواتها من كثرة الهتاف. صار الشارع بيتاً، نمت صداقات، ظهر المولوتوف في بيروت ولوّنت كتيبة المفرقعات سماءها، بينما أعمى الليزر عيون القوى الأمنية بكل عتادها وعنفها.ابتلعت الهتافات الشوارع، علا الأدرينالين فقلّ النوم.

زاد الغضب وتمرّدت اللغة. خرجت الأخيرة عن المألوف أو المروّض منها. صارت أشرس فأبهرت وصدمت. ولأنّ تدجين اللغة مهمّة النظام- وبأبويّة مُعتادة– فهو رفع خطاباً مُقابلاً عنوانه "العيب". خطاب وبّخ الثوار وأعاب عليهم فعل السبّ. ثمّ كانت دعوة مفتوحة للعودة إلى المهذّب وحسن مخاطبة الكبار (...).استُنفِرت أخلاق النظام، وراح يُنقّح خطاب المعارضة الهادف للخروج عنه. خرج النظام على الخروج لإعادة اللغة إلى البيت، إلى سلطة الأبّ. علا حماس الشارع، وصار الهتاف يتبع الهتاف. ولكن ما الذي أثار غضب النظام؟ هل هو خوفٌ من تمرّد اللغة بكل ما يحمله من مؤشّرات؟ أم أنّ إعادة إنتاج بعضٍ ممّا سُمع في شوارع عربية أثار الرُعب وأعاد الكوابيس؟

قَطعتْ الأجساد المتمرّدة الطرقات. بُحّت أصواتها من كثرة الهتاف. صار الشارع بيتاً، نمت صداقات، ظهر المولوتوف في بيروت، ولوّنت كتيبة المفرقعات سماءها، بينما أعمى الليزر عيون القوى الأمنية بكل عتادها وعنفها. سُحلت أجسادٌ على الإسفلت كقصاص على تمرّدها. سُحلت، وهذا ليس تجهيلاً للفاعل، بل مللٌ من التكرار.

كان واضحاً، منذ اليوم الأول، تداخل "ثورة 17 تشرين" مع ثورات عربية، والتقاء ناسها مع أشكال وأنماط مُجرّبة لقول "لا". ليس مقارنة ولكن للإشارة إلى التداخل بين الشعوب. كما أنّ فعل استعادة لبنان لشعارات من الربيع العربي تمّ على مراحل، ولم يظهر فجأة منذ اليوم الأول. أحدثت ثورات الربيع العربي نضوجاً سياسياًعند البعض، وحرفت بعضاً آخر عن سياقات وإيديولوجيات اضطرّوا لمساءلتها...اختبر كثيرون مع المتظاهرين العرب مشاعر الأمل والإحباط. تعرّفوا على الناشطين، تحمّسوا معهم، بكوا سحلهم في الشوارع، وحفظوا هتافاتهم وأشكال اعتراضهم. وعندما خرجوا في لبنان، استحضروا بعضاً منها.

موسم الـ"هيلا هيلا هو"

علا في بيروت هتافٌ طيّر النوم من العيون. أصاب المعترضين بالأرق، تماماً كما أصاب ابن النظام (حزناً) وحاشيته (خوفاً). هتاف لايت، ذكيٌّ وموجع: إنّه الهيلا هيلا هو. بقدرته الهائلة على الالتصاق في مقدمّة الرأس، وجعل تفاديه أمراً صعباً. إنّه موسم الهيلا هيلا هو. أهدى الثوّار هذا الهتاف إلى وزير الخارجية اللبناني السابق جبران باسيل. هذا الرجل، بكل ما يحمله من تكبّر وعناد وفساد واستهتار واستفزاز، أعدمته الثورة في يومها الأوّل إعداماً لفظيّاً. ولكن الهتاف لم يكن وليد اللحظة. تعود ملكيّته إلى ألتراس النادي الأهلي المصري. تتردّد "الهيلا هيلا هو" منذ السبعينات الفائتة، أي منذ خمسين عاماً، في مدرّجات كرة القدم المصرية... قبل أن يصير الهتاف في نهاية الـ 2019 واحداً من أجمل إنتاجات الاعتراض السياسي اللبناني. في المدرّجات يهتف جمهور النادي الأهلي دعماً وتشجيعاً لفريقهم. لهذا كانت تتمّة الهتاف بنسخته المصريّة: "الأهلي ما فيش زيّه". وعندما يشتدّ الصراع على "الطابة" وتحتدم المنافسة، يتّجه الجمهور إلى استفزاز الخصم، ليحطّ من معنويّاته، للضغط، لتسهيل مهمّة فريقه في تحقيق النصر. لهذا سمعنا الهيلا هيلا هو مع عبارة: "الزمالك (..) أمّه".

المعترضون في ثورة 17 تشرين خرجوا على الخصم، أي النظام. وتأكيداً على هذا الخروج أو الاعتراض، رفعوا شعارهم "كلّن يعني كلّن". وفي لعبة الخروج تكون المعارك مفتوحة، والهتاف بموضوعاته تعبيرٌ عن أسباب الخروج، أو فضحٌ لخطاب الخصم. لهذا لم تمرّ"الهيلا هو" بمراحلها المصريّة. استبدل المعترضون اللبنانيون نادي الزمالك بشخص جبران باسيل، وعلت الأصوات. حاول مناصرو باسيل إعادة إنتاج الهتاف، لإعادة الاعتبار إلى رئيس حزبهم: هيلا هيلا هو جبران باسيل منحبّه. لكن الردّ جاء خاوياً ومتوقّعاً.

لم تكن الهيلا هو الهتاف المصريّ الوحيد. تدين ثورة 17 تشرين بالكثير إلى ثورة 25 يناير. استعاد المعترضون كثيراً من هتافات الثورة المصريّة، فتردّدت في شوارع بيروت وغيرها من المدن اللبنانية التي خرج فيها اللبنانيون. تقاطُع الشارعين بمطالبهما ومشتركاتهما سهّل إعادة الإنتاج. في 25 يناير، هتف المصريون "يسقط يسقط حسني مبارك". ومع تطوّر اللحظة السياسية عدّل المتظاهرون في الشوارع خطابهم أو موضوع الهتاف، فصار "يسقط يسقط حكم العسكر". تردّد الهتاف في بيروت في حراك العام 2015، ثمّ عاد بقوّة في ثورة 17 تشرين. استخدمه المعترضون في وجه عنف القوى الأمنية "يسقط يسقط حكم العسكر". ولأنّ الاعتراض في أصله على الفساد وحكم الفاسدين، صار الشعار "يسقط يسقط حكم الأزعر" واحداً من أشهر الشعارات في المظاهرات.

تعود ملكيّة هتاف "هيلا هيلا هو" إلى ألتراس النادي الأهلي المصري،رددوه منذ السبعينات الفائتة في مدرّجات كرة القدم، ثم في ثورة 25 يناير.حاول مناصرو باسيل قلب الهتاف، لإعادة الاعتبار إلى رئيس حزبهم: "هيلا هيلا هو، جبران باسيل منحبّه".. لكن الردّ جاء خاوياً، ومتوقّعاً.

ومن بين الهتافات المصريّة التي استعادتها الثورة في لبنان، كان: "ثوّار أحرار ح نكمّل المشوار"، "بكرا الثورة تشيل ما تخلّي"، "مش ح نخاف مش ح نطاطي إحنا كرهنا الصوت الواطي"، "الداخلية بلطجيّة"...

لم تكن الهتافات وحدها ما تمّ استدعاؤه من الثورة المصريّة. منذ الأيّام الأولى في ثورة لبنان، استدعى الثوّار حضور ماهينور المصري وعلاء عبد الفتّاح، عبر الكتابة على جدران وسط بيروت دعوات بالحريّة للناشطَين المصريين المعتقلَين في سجون النظام المصري. كانت ماهينور المصري قد هتفت باسم نساء مصر "نسوان مصر قالت كلمتها.. العسكر على جزمتها". تردّد الشعار في بيروت بعد استدعائه للاعتراض على كلام أحد رجال الدين، الذي "اعتذر" عن سلوك النساء اللبنانيات في الثورة. خرجت مجموعة من النساء في المظاهرات، لترداد هتاف ماهينور بعد وضعه في قالب محليّ: "النسوان قالت كلمتها.. سامي خضرا ع جزمتها".

أغاني القاشوش: استدعاء اللحن

لا "هتّيف" يقود المظاهرات في لبنان. منذ 17 تشرين، والأصوات تتداخل في بعضها. هتافات كثيرة، أصوات عالية وعبارات مكتظة على الجدران. انتصار الفرد على الجماعة. فكانت ثورة المُستجدّ على المألوف، ثورة الأصوات على الكلمة الموحّدة، ثورة كلّ القضايا في لحظة غافلة من الجميع. ازدحم الشارع لتشعّب لغته وموضوعاته.استحضر البعض أدواته من مصر، وبعضهم الآخر من سوريا، والتقى كثيرون مع ثوّار العراق الذين كانوا مشتعلين هم الآخرون في التاريخ نفسه.

عندما ضجّت شوارع بيروت بألحان بعض شعارات الثورة السورية، جُنّ النظام بكلّ فروعه:إنه تورّط عاطفي مع الثورة السورية، وربّما تأييد سياسي. المعترضون يأخذون البلد إلى الحرب. والدليل؟ أغاني إبراهيم القاشوش تتردّد في بيروت!

استخدم المعترضون كلّ ما قد ينفع في رفع خطابهم، وفي إخراجه إلى العلن. حاول النظام محاصرة بعض المجموعات الهاتفة لنفيها من داخل فعل الاعتراض. حاول ردّ لغة المعترضين إلى لغته، آخذاً عليهم الخروج عن لغته. فكان العنف. وعندما ضجّت شوارع بيروت بألحان بعض شعارات الثورة السورية جنّ النظام بكلّ فروعه. هل استدعى الثوّار لحناً وكلمات من الثورة السورية؟ نعم. لهذا أعاب النظام على الثوّار فعلهم، وكشف "مؤامرتهم" وكانت لهم تهمة جاهزة: تورّطٌ عاطفي مع الثورة السورية، وربّما تأييدٌ سياسي! اكتشفت تقارير صحافية المؤامرة. إنّه بعبع الثورة السورية: المعترضون يأخذون البلد إلى الحرب. والدليل؟ أغاني إبراهيم القاشوش تتردّد في بيروت.

من هو القاشوش وما علاقته بثورة 17 تشرين؟

مقالات ذات صلة

إبراهيم القاشوش، سوريٌّ من حماة انتفض على النظام. امتلك صوتاً جميلاً وشعارات وأغانٍ ألهبت الثورة السورية. يكفي وضع "يلاإرحل يا بشار" كي تظهر نسخات هذا الهتاف بصوت القاشوش. في بيروت، استقدم المتظاهرون الهتاف، معدّلين عليه، فصار "يلاّ ثوري يا بيروت" و"يلا إرحل ميشال عون" (رئيس الجمهورية اللبناني). ومن الهتافات التي لفتت الانتباه في ثورة 17 تشرين كانت تحيّة المناطق. الهتّيف يتوسّط المتظاهرين، ويعدّد أسماء عواصم عربية مطالباً بتوجيه التحيّة لها، فيردّ الجميع بعبارة: حيّينا. تحيّة المناطق بدأها السوريون في ثورتهم.

لا يمكن ذكر كلّ ما قيل في ثورة 17 تشرين، أو ما تمّ استدعاؤه من شعارات المتظاهرين العرب إلى بيروت ومناطق لبنانية. ولكن هذه الحيوية بذاتها تُرعب الأنظمة. وهذا غاية بذاته. دبّ الذعر في قلوب الأنظمة. يتشابهون في قمعهم، لغتهم وفسادهم. لهذا هي لغة واحدة التي يهتف بها الخارجون عن هذه الأنظمة. تتشابه الأصوات، تُستنسخ التجارب والهدف واحد: ثورةٌ في كل البلدان.

مقالات من لبنان

"متحضّرات": إحراج الماضي والحاضر في لبنان

صباح جلّول 2020-06-19

فيلم "متحضّرات" دعوة للوقوف ومواجهة الإحراج والفضيحة والعلّة التي يعرفها الجميع ويتسترون عنها... بينما اعتبرت الرقابة الفيلم "غير وطني"، ويبدو "كارهاً للبنانيين" و"فاضحاً" للانقسام الطائفي! لكن الشتائم في الفيلم مهما...

مدينة طرابلس: من يقوى على الحلم؟

لطالما حلمتُ أن أجد معادلاً لمدينتي طرابلس (اللبنانية) داخل نماذج إيتالو كالفينو الخمسة والخمسين. قرأتُ "المدن غير المرئية" في كل الاتجاهات، بدءاً من أكثرها تفاؤلاً وحتى تلك الغارقة في الدمار...

إعلام الأزمة اللبناني: سرديات مخادِعة

صباح جلّول 2020-04-17

على الرغم من كون مفهوم "المخادِع/ المحتال" يتصل بالثقافة أساساً، متجلّياً بشخصيات مثل الإله ديونيس لدى الإغريق أو "الجوكر المخرّب" أو حتّى جحا صاحب الأحجيات، فإن هذا المفهوم تمدّد ليشمل...

للكاتب نفسه

عندما ترتاد امرأة شاطئاً عامّاً..

التهديد بالعري مقابل "حشمة" الحجاب المفروض، كما يحدث الآن بخصوص المايوه في الجزائر، هو الوجه الاخر للعملة نفسها. الاصل أن النساء لسن عورات للستر وان لهن حقوقاً مساوية للرجال في...

رمضان في تولوز: هل ترغبين بالتذوّق؟

عند السادسة مساءً يكتظّ الوسط التجاري الخاص بباغاتيل. تنزل النسوة مع أزواجهنّ وأولادهم لشراء ما ينقصهم قبل الإفطار. صفّ الناس لسحب المال من ماكينة البنك تجاوز الرصيف ليصل إلى الطريق...

الجيل الثالث من الحروب

تنتمي "القبة الحديديّة" التي نشرتها إسرائيل بعد انتهاء حرب تموز/يوليو 2006 مع لبنان، الى "الأسلحة الهجومية المستقلة" القائمة على "الذكاء الاصطناعي". إسرائيل كانت سبّاقة في اعتماد هذا النظام، والوظيفة التي...