اليمنيون يولدون دائماً في 1/1

الاحتفاء بميلاد فرد هو احتفاء مطلق بالحياة وتقدير للكرامة الانسانية، كما أن توثيق لحظة الميلاد تأريخاً هو غاية هذه الحفاوة وذروة سنامها. لكن ميلاد إنسان في العائلة اليمنية لم يمثل حدثاً اجتماعياً جديراً بالتدوين والاحتفاء. ويتعدى الجهل بتاريخ الميلاد على مستوى الهوية الشخصية أجيال ما قبل الدولة إلى ما بعدها.
2020-01-20

عبد الرزاق الحطامي

كاتب من اليمن


شارك
مبارك بليلي - المغرب

ما إن حلّ 2020/1/1 حتى انهالت على صفحات الناشطين في شبكة الفيسبوك إشعارات التذكير بأعياد ميلاد الأكثرية من أصدقائهم اليمنيين. ويفسر مسؤول في وزارة الخدمة المدنية ظاهرة ميلاد اليمنيين في الأول من كانون الثاني/ يناير كتأريخ افتراضي موحد، تعتمده الدولة، وتلجأ إليه الأجهزة الرسمية المعنية بإصدار وثائق الهوية الشخصية، حيال أي شخص لا يعرف تاريخ يوم وشهر ميلاده.

اضطرتْ الى مثل هذا الإجراء بلدان عربية تشكلت فيها الدولة بمفهومها المؤسسي في مراحل متأخرة من العصر الحديث، وما زالت أجيال من أبنائها ممن ولدوا في فترة ما قبل الدولة بلا تأريخ ميلاد. وعلى سبيل المثال، أقرت الحكومة السعودية الأول من شهر رجب تاريخ ميلاد افتراضي، لمن يجهلون تاريخ ميلادهم .

أما في الحالة اليمنية فيتعدى الجهل بتاريخ الميلاد حدوده الوقتية في الساعة واليوم والشهر، إلى العام أو السنة. وقد منحت الاضطرابات السياسية المتلاحقة والأزمات الاقتصادية، إلى جانب الكوارث الطبيعية، الآباء المعنيين بتوثيق ميلاد أبنائهم قاموساً هائلاً من الأحداث العامة التي يتوافق معها عام ميلاد الإبن .

وتأخذ هذه التوافقات التاريخية بين الحدث العام والميلاد الشخصي طابعاً كارثياً في الغالب، ربما لأن تاريخ اليمن هو في طبيعته كارثة مستمرة، أو متوالية أزمات وصراعات. فثمة من يخبرك إنه ولد في عام مقتل الرئيس ابراهيم الحمدي 1977، ومنهم من ولد في عام زلزال ذمار، وذاك الذي ولد في عام حرب صيف 1994 وآخر في عام حرب الخليج الثانية أو في عام انفلونزا الطيور..

ويتعدى الجهل بتاريخ الميلاد على مستوى الهوية الشخصية أجيال ما قبل الدولة إلى ما بعدها. ويختلف الأمر في اليمن الجمهوري بين شطريه الشمالي والجنوبي، ما قبل وحدة 1990، أو في فترة ما قبل الدولة اليمنية في عهد حكم الإمامية المتوكلية في الشمال (1918-1962) والاستعمار البريطاني في الجنوب، ما قبل ستينيات القرن الماضي. ففي المحافظات الجنوبية التي رزحت أكثر من قرن وربع القرن تحت الاستعمار البريطاني(1839-1967) ، اعتمدت سلطات الاحتلال شهادة الميلاد وثيقة شرطية، ولأسباب لوجستية ربما، لالتحاق أبناء اليمنيين بالمدارس النظامية في المستعمرات الجنوبية .

في يمن ما بعد الستينات، دوّن بعض الآباء والأجداد، ممن "يمسكون القلم" (يقرأ ويكتب) تاريخ ميلاد أفراد من أسرهم على خلفيات أغلفة المصاحف وألواح الخشب في المنازل والحوانيت. ومع الزمن تلاشى الحبر وتمزقت الأغلفة وأكلت الأرضة الخشب، وماتت تواريخ الميلاد المكتوبة عادة بالهجري. وحين حان وقت التحاق أصحابها بالمدرسة لم يجدوا تاريخا لميلادهم.

ومع بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة وما شهدته اليمن من اضطرابات سياسية وحراك جنوبي وضع القضية الجنوبية على صدارة القضايا اليمنية المركزية، (كما يظهر ذلك في مداولات ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل ووثيقته النهائية 2013-2014)، عادت شهادة الميلاد المستصدرة إبان الاستعمار البريطاني للجنوب اليمني لتكون الوثيقة الأهم المطلوبة رسمياً من لدن السفارة البريطانية في اليمن في إجراءات معاملات السفر إلى بريطانيا، وهي الوثيقة رقم واحد لليمنيين الراغبين في الحصول على الجنسية البريطانية، وبموجب شهادة الميلاد هذه يحصلون على تلك الجنسية بكل يسر .

أما في عهد الإمامية المتوكلية الزيدية التي حكمت يمن الشمال ما قبل 1962، فلم يكن ثمة وجود لتعليم نظامي، وظل التعليم خارج اهتمامات السلطة الثيوقراطية التي توارثت حكم اليمن سياسياً بعصا الكهنوت الديني ونظرت إلى التعليم بمفهومه العصري كجريمة عملت على مكافحتها، باعتباره أحد عوامل التفسخ الأخلاقي والانحلال الفكري، الضار بالمجتمع وبالإسلام.

وقد ساهمت هذه السياسة ليس فقط في تكريس الجهل بل في صناعته أيضاً، وهذا ما يتكرر حالياً على يد الحوثيين. وكثيراً ما تمت هذه الصناعة (التعليم من أجل الجهل) عبر كتاتيب بدائية للتعليم الديني في مساحات الخلاء وتحت الأشجار، أو مؤخراً في مدارس رسمية بعدد الأصابع لا تدخل العلوم المعرفية الحديثة ضمن مناهجها الدراسية ولا تنتج وعياً .

والجهل بأهمية تدوين تاريخ الميلاد الشخصي لا يرتبط بمستويات الأمية الألفبائية أو المعرفية في المجتمع اليمني، بقدر تمثيله ظاهرة سوسيولوجية، يمكن عبرها استقراء الواقع العام للمجتمع اليمني في سياق تحولاته الحضارية والسياسية وحتى الأيديولوجية في مراحل تاريخية مختلفة.

وعلى الرغم من أن الاحتفاء بميلاد فرد هو احتفاء مطلق بالحياة وتقدير للكرامة الانسانية، كما أن توثيق لحظة الميلاد تأريخاً هو غاية هذه الحفاوة وذروة سنامها، لم يمثل ميلاد إنسان في العائلة اليمنية حدثاً اجتماعياً جديراً بالتدوين والاحتفاء. وظل هذا قائماً حتى في ظل وجود الدولة القوية، وحضاريتها وحسن الحال التعليمي في اليمن الجمهوري .فعلى امتداد جيلين من يمن ما بعد الستينيات الفائتة، دوّن بعض الآباء والأجداد، وهم قلة، ممن يمسكون القلم (يقرأ ويكتب) أو ممن تلقوا تعليماً نظامياً تاريخ ميلاد أفراد من أسرهم على خلفيات أغلفة المصاحف وألواح الخشب في المنازل والحوانيت. ومع الزمن تلاشى الحبر وتمزقت الأغلفة وأكلت الأرضة الخشب، وماتت تواريخ الميلاد، المكتوبة عادة بالهجري، في مهد مواليدها، وحين حان وقت التحاقهم بالمدرسة لم يجدوا تاريخاً لميلادهم .

ثمة من يخبرك إنه ولد في عام مقتل الرئيس ابراهيم الحمدي 1977، ومنهم من ولد في عام زلزال ذمار، وذاك الذي ولد في عام حرب صيف 1994 وآخر في عام حرب الخليج الثانية أو في عام انفلونزا الطيور..

وكان تسجيل تاريخ الميلاد في المصحف يتم من منطلق ميثولوجي أكثر من كونه توثيقاً تأريخياً. فالكثيرون يعتقدون في أن التدوين في المصحف الشريف محط استنزال البركة، مع حسن الحظ وطول العمر، كما أن التدوين في الأعم لعام الميلاد يكون بالسنة الهجرية، ولا يشتمل اليوم والشهر.

ولم تدخل شهادة الميلاد ضمن الوثائق المطلوبة رسمياً في معاملات استصدار الوثائق الثبوتية للهويات الشخصية، ووثائق الالتحاق بالتعليم إلا في العقدين الأخيرين في اليمن. وحتى الآن لم يتشكل وعي اجتماعي عام بأهمية توثيق تاريخ الميلاد رسمياً في حينه الزمني، وعادة ما يتم استصدار شهادة الميلاد عند الحاجة إليها بعد سنوات، خاصة عند اجراءات الدخول إلى المدرسة، كما لا يزال الأمر قاصراً على مدارس المدن، دوناً عن الريف .

وثمة حالياً مبادرات ذاتية في الريف اليمني للقيام بعملية توثيق الأحداث الثلاثة الهامة في سيرة أي شخص، الميلاد والزواج والموت. وعلى سبيل المثال، يقوم عبده زيد السجيري بمستواه التعليمي الألفبائي بتوثيق هذه الحالات في ريف مديرية وصاب من محافظة ذمار. والتوثيق هنا يشمل المضمون المعلوماتي لتاريخ الميلاد، بما يشكل أرشيفا تاريخيا على أعلى درجات الدقة المعلوماتية في بيوغرافيا الاحداث الرئيسة الثلاثة لكل مولود في المنطقة.

اقرأ/ي أيضا

وتتسم المعاملات الرسمية لاستصدار شهادة الميلاد بمحدوديتها على المدن بالبيروقراطية الإدارية إلى جانب فرض رسوم مالية عالية قياساً بمستوى دخل الفرد، فيما المفترض أن تكون خدمة حكومية مجانية، تشجيعاً للمواطنين على الاقبال على استصدارها وحتى تغدو وعياً مدنياً عاماً وليس مجرد مسألة إجرائية ومتطلب رسمي.ولذلك كثيراً ما يتأجل استصدار شهادة الميلاد إلى حين الاحتياج إليها، لتحمل شهادات الميلاد المستصدرة في غير حينها تواريخ ميلاد تقديرية، في اليوم والشهر وربما العام .

وعندما سألت زوجتي عن تاريخ ميلاد طفلتنا، بعد أن طلبت إدارة المدرسة شهادة ميلادها في منطقة نزوحنا في مأرب، كان ردها : حملت بها مع بداية ثورة شباط/ فبراير 2011 ثم وضعتها في اليوم الذي أطل منه الرئيس السابق علي عبد الله صالح من شاشة التلفزيون، من مشفاه في الرياض بجسده المحروق. قلت لها ممازحاً: طلبت منك شهادة ميلاد وليس شاهد قبر .

تبدو شهادة الوفاة ووثيقة الموت بطابعها التدويني قاسماً مشتركاً في كل حضارات العالم القديم وعصور ما قبل الميلاد وحتى الآن، وهو ما يضعنا أمام حقيقة انطولوجية مؤلمة علينا أن نتقبلها بمرارة: في البدء ابتكر الانسان شاهد القبر، وبعد آلاف السنين اضطرته الحاجة لتذكر شهادة ميلاده .. لكنه كان قد نسي تاريخها تماماً .

مقالات من اليمن

نادية: أشياءٌ لا تُحكى

ريم مجاهد 2020-02-14

"المكان العام كله خطيئة". فكيف لفتاة ان تتجرأ على دخول مقهى مختلط؟ وما العقاب الذي يستحقه هكذا فعل؟ حلقة من رواية اليمن اليوم.

حرائق

ريم مجاهد 2020-01-09

... حين امتلأت المستشفيات في اليمن بمرضى إنفلونزا الخنازير، ولم تعد هناك أسرّة لاستقبال أي مريض إضافي.

للكاتب نفسه

النزوح الصامت في اليمن

ما زال النزوح الداخلي في اليمن عموماً حالة استاتيكية تفتقر إلى ديناميات الظاهرة ومفاعيل تدويل الألم وإدراجه تحت مبادئ القانون الدولي الإنساني وبرامج الرعاية والحماية المعنية.