المواراة والرجاء: العشوائيات في الجزائر

كل شيء تَغيّر بعد 57 عاماً على استقلال الجزائر.. ما عدا الإقصاء الاجتماعي، وقرينه، الإقصاء المجالي. مُساءلة العشوائيات تتعلق بالتفاوتات الاجتماعية – أي ب"اقتصاد الفقر". وفي 2007، قُدِّرعدد المواقع السكنية العشوائية في العاصمة الجزائر بـ569 موقعاً، مما يعني مئات الآلاف من الأشخاص.
2019-10-17

غنيّة موفّق

صحافية جزائرية


شارك
| fr
رائد شرف - لبنان

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

تخيلوا منحدراً ضيقاً، خلف سياجات من القصب والذرة وأشجار التين والصنوبر، عالقاً بين كتلة جبلية وواد تنبعث منه روائح كريهة. منحدر ممتد على مدى كيلومترات من أعلى الجبل، وصولاً إلى هذا الحقل الذي يكشف موقعه المناسب إطلالة أخاذة الجمال على البحر الأبيض المتوسط. هناك يعيش رجال ونساء، في منازل اقتلعوها بقوة من قلب البؤس، وهم يتقاسمون هذا الحي الذي لا يظهر في أية خريطة.

إذا ما سألت السكان عن اسم هذا المكان، فإن الأكبر سناً سيجيبون أنه "الغابة"، في حين أن الأكثر شباباً سيقولون لك: "حي 11 ديسمبر".

سؤال هاتين التسميتين يعني استرجاع ذاكرة هذه المنازل التي بنيت في الأصل على هوامش الاستعمار (1830-1962) قبل أن تلتحق بهامش وعود الجزائر المستقلة (1962). سوف تعرفون أن العشوائيات تسْتلف أسماء جيرانها مثلما نختلق عنواناً.

نحن الآن في بلدية عين البنيان التابعة لولاية (محافظة) الجزائر، على بعد 20 كيلومتراً غرب العاصمة. تأسست هذه البلدية سنة 1872 على يد الكونت "دي غيو"، قائد سياسة الاستيطان والمكلف بتوطين مستوطنين فقراء مثل النبي أيوب، وهي حملت اسم الرجل: غيوفيل.

وبينما كان هؤلاء المستوطنون يجنون ثروات من مزارع كروم العنب، استقر- على أطراف غابة جميلة تحيط بهم - أول السكان الجزائريين في هذه المنطقة العشوائية التي سيطلقون عليها اسم "لا فوري" (الغابة بالفرنسية)، كما يفعل الفرنسيون. لأغلبهم أصيلو منطقة "القبائل" الذين اضطروا للرحيل هرباً من المجاعة والبطالة، ثم بسبب حرب التحرير الوطنية ما بين 1954 و1962. وكانوا يكسبون قوتهم بالعمل ك "خماسة"، أي كعمالِ فلاحةٍ بسطاء.

كل شيء تَغيّر بعد 57 عاماً على استقلال الجزائر.. ما عدا الإقصاء الاجتماعي، وقرينه، الإقصاء المجالي. استرجعت البلدية اسمها الأصلي، "عين البنيان"، ثم خسرت في ظرف ربع قرن طابعها الفلاحي. امتدت الأبنية على مرتفعاتها، فاستبدلت - منذ أواسط الثمانينات الفائتة - مزارع العنب بأعمدة من "المساكن ذات الإيجار المعتدل" لامتصاص "أزمة الإسكان" غير القابلة للحل.

ومع إنشاء "حي 11 ديسمبر"، وهو مجمع للمساكن ذات الإيجار المنخفض، اتسعت حركة التعمير لتصل إلى حدود العشوائية التي غيّر الجيل الجديد من سكانها اسمها لتأخذ اسم الحي الجديد. يخترع كل جيل لنفسه عنواناً جديداً. ومن سخرية التاريخ أن اسم "حي 11 ديسمبر" اختير لإحياء ذكرى مظاهرات التأييد الشعبي الحاشد، التي خرجت انطلاقاً من العشوائيات المحيطة ب"المدينة البيضاء" (إحدى تسميات العاصمة الجزائرية) سنة 1960، والتي غيّرت مجرى الثورة الجزائرية: كلو- سالانبي، وادي المرأة البرية، ناظور... أسماء دخلت التاريخ، ولكنها استؤصِلت اليوم تماماً كما يفخر بذلك حكام الجزائر، متناسين أن الأسباب نفسها تؤدي إلى النتائج ذاتها.

الجزائر، عاصمة خالية من العشوائيات

"القضاء على العشوائيات" هو مطمح جزائري قديم، منذ "ميثاق مؤتمر طرابلس" 1962. وهومطمح لم يتحقق إلى اليوم.

لكن هل يمكن القضاء على العشوائيات دون مساءلة الفقر؟ استدامة هذه العشوائيات يحكي تاريخاً اجتماعياً: فحين يتم استئصال عشوائية تنبت واحدة أخرى مكانها أو بقربها. حدث ذلك منذ الحقبة الاستعمارية مروراً بمرحلة "الاشتراكية المخصوصة" التي تلاها انتقال مباغت لنظام "اقتصاد السوق". وحدث هذا في بلد شكلت سياسة إسكان المواطنين الأكثر فقراً صداعاً حقيقياً ومزمناً نجم عنه اضطرابات وأعمال عنف حضرية، يشبه الأمر "منظّم إيقاع" يشير إلى توزيع مساكن "اجتماعية" من قبل إدارة تلتجئ إلى قوات الشرطة لإعادة فرض "النظام العام". في سنة 2007، قُدِّر عدد المواقع السكنية العشوائية بـ569 موقعاً في العاصمة الجزائر، مما يعني مئات الآلاف من الأشخاص.

"استطاعت ولاية الجزائر منذ 2014 وإلى حدود كانون الثاني/ يناير 2014 القضاء على أكثر من 316 عشوائية وأعادت إسكان أكثر من 44000 عائلة"، هذا ما نقرؤه في وثيقة عنوانها "الجزائر، عاصمة خالية من العشوائيات".

أريدَ لهذا الاستئصال في ظل حكم عبد العزيز بوتفليقة، أن يكون كلياً، وتم استدعاء الأمم المتحدة ووسائل الإعلام عند هدم هذا النوع من المساكن، وإعادة إسكان "فقرائه" وسط التصفيق. لكن من دون جدوى.

مساءلة العشوائيات هي مساءلة الفروقات الاجتماعية – أي "اقتصاد الفقر" حسب عبارة الباحث في علم الاجتماع والمختص في التخطيط العمراني رشيد سيدي بومدين، مؤلف كتاب "مدن الخرسانة مقابل مدن الصفيح"، وهي مواضيع أصبحت من المحرّمات. يكتب سيدي بومدين قائلاً: "اختفت التمفصلات بين خلق فرص العمل ورفع مستوى العيش، وهي التي تشكل خلفية جهود القضاء على العشوائيات حيث يتركز البؤس، لتترك المجال مفتوحاً أمام سياسة امتصاص مادي للعشوائيات بعنوان سياسة الإسكان". ويستنتج من ذلك أن: "الرأسمالية الجزائرية نجحت بشكل غير معلن في أن تعاود تشكيل - على مستوى آخر - المدينة المنظّمة و"المدينة الشعبية" حيث يعيش سكان العشوائيات. هكذا، ومرة أخرى، يُجمَع في تلك أحياء الأهالي المحليون (أو الأصلاء). وقد جرى ذلك بمقاييس أخرى بكل تأكيد ولكن مع النتيجة نفسها عموماً".

الذهاب اليوم إلى عين البنيان لطرح أسئلة على السكان الجدد لهذه المنطقة النيو- عشوائية يعني أن نكتشف كيف أن المواراة هي بناء سياسي يصنع حالة من الانعدام الكامل للأمن الاجتماعي، بالإضافة إلى الفقر.

اختير اسم "حي 11 ديسمبر" كتحية لذكرى مظاهرات التأييد الشعبي الحاشد، التي خرجت من العشوائيات المحيطة بالمدينة سنة 1960، وغيّرت مجرى الثورة الجزائرية. دخلت أسماء تلك العشوائيات التاريخ، إلا أنها استؤصِلت تماماً اليوم، كما يفخر بذلك حكام الجزائر.

لا ينعم السكان بالسلام أبداً، حتى حين يبعَدون إلى هوامش العالم . فصنّاع القرار في هذا البلد – المتأرجِح بين فلاحة مستنزَفة وصناعة مهمَلة وريع نفطي متناقص – يطمحون اليوم إلى تحويل هذه العشوائية إلى "إلدورادو" جديد بفضل نعمة السياحة: "موقعها الجغرافي المطل على البحر (...) يمنحها نقاط قوة جلية ومكاناً في سجل المدن الساحلية التي تتمتع بقابلية للاستغلال السياحي". هذا بالنسبة لكتيب الدعاية السياحية. أما بالنسبة للمنطقة العشوائية فنجد جملة موجزة : "القضاء على العشوائيات (...) يعتبر هدفاً استراتيجياً له الأولوية".

الاستماع إلى شيخ الجبل، وهو واحد من أقدم الذين سكنوا هذا الجزء من العشوائية بعد الاستقلال، يعني إدراك حجم الطاقة الرهيب اللازم لمقاومة التشيُّؤ وللتحكم بمصيرك، عبر استراتيجيات مرهقة وغير قابلة للإنهاء. الموارة لا تمنع الرجاء.

شيخ الجبل

كانت حكاية شيخ الجبل لتكتب كقصة نجاح، لو لم تكن قد بنيت فوق الرمل.

مرتدياً "قندورته" المخصصة ليوم الجمعة، يستقبلنا شيخ الجبل الثرثار والمزّاح في صالون متواضع بنيت جدرانه من كتل خرسانية: "في السابق لم يكن هناك أي شيء هنا، لا طرقات ولا مياه ولا كهرباء".

يقودنا شيخ الجبل، البالغ من العمر 80 سنة، في جولة في عقاره. وهو كان بالأصل مبنى قديم متهالك تركه المستوطنون الفرنسيون فقام شيخ الجبل بتحويله، خلال 40 سنة، إلى منزل حقيقي مع حديقته المغروسة تيناً ورماناً. وحولها استطاع أبناؤه الأربعة أن ينتزعوا بدورهم من أرض "البيليك" (1) الحق في بناء منازلهم الفردية. تتركز هذه المنازل في بداية المنطقة العشوائية أعلى التل، وتحكي ورشة حياة بأكملها.

حلت الكتل الخرسانية تدريجياً مكان الصفيح، باستثناء الأسقف. أضيفت إلى الغرف تباعاً، وفي كل مرة كان يجري بناؤها وطلاؤها بالإسمنت وتبليط أرضيتها وتهيئتُها، وبعد كل هذا تثبيت الأبواب الحديدية العالية لتكون بمثابة سياج. لا تنتهي الأشغال أبداً، والنتيجة مدهشة، فحتى الطريق الإسمنتية بنيت بمجهودات هذه العائلة. "في الماضي كنا نعيش كالدواب، ابني البكر لا يعرف القراءة ولا الكتابة". عكس أبنائه الأصغر سناً، الذين درسوا وأصبح أنجبهم متخصصاً في علم الأحياء.

"الرأسمالية الجزائرية نجحت بشكل غير معلن في أن تعاود تشكيل المدينة المنظّمة و"المدينة الشعبية" حيث يعيش سكان العشوائيات. وهكذا، ومرة أخرى، يُجمَع في تلك الأحياء الأهالي المحليون أو الأصلاء. وقد جرى ذلك بمقاييس أخرى بكل تأكيد ولكن مع النتيجة نفسها عموماً".

يتميز منزل الشيخ عن بقية المنازل بواجهاته البيضاء المطلة على البحر. الحسبة بسيطة : لماذا تشتري قطعة أرض بثمن باهظ جداً في حين أنها متاحة بالمجان هنا، والمدينة أصبحت بالقرب منك؟

لا ترغب هذه العائلة في الانتقال إلى مكان آخر، فهنا صنعت حياتها واستثمرت كل مواردها دون أن تمتلك أية وثيقة قانونية تثبت ملكيتها لعقاراتها، ماعدا فواتير مواد البناء التي يحتفظ بها الشيخ كإثباتات، ومعها فيض من قصص النزاع مع الدرك حول حدود قطعة الأرض خلال التعدادات السكانية المتكررة التي لا تفضي إلى شيء. يكفي أن يصدر قرار إداري حتى تأتي الجرافات مصحوبة بالدرك لكي تمحي ماضي هؤلاء الناس وحاضرهم ومستقبلهم. يتعامل الشيخ مع الإدارة بازدراء شديد: "لو كان لدي رأس ماعز لما استأمنتهم عليه".

من التسيير الذاتي إلى الانفتاح

ولد الشيخ سنة 1939 في جبال منطقة القبائل على بعد حوالي 200 كيلومتر من العاصمة. لكنه لم يقرر القطع مع حياته البائسة كفلاح بدون أرض، إلا في سنة 1963. كان عمره آنذاك 24 سنة، وعاش بعد ذلك وطيلة 14 سنة، حياة تشرد بين الجزائر العاصمة ومنطقة القبائل. كان ينام ليلاً في الحمامات العمومية أو على فراش من القش، وكان في النهار يعرض خدماته للقيام بالأعمال الشاقة. يقول الشيخ: "كنت فلاحاً بسيطاً، ماذا كان بإمكاني أن أفعل غير ذلك؟". ثم اتبع خطى خاله الذي نجح في "ضمان وضع اجتماعي مقبول" في عين البنيان، فاستقر بدوره في المنطقة سنة 1977 برفقة زوجته وأبنائه الذين استقدمهم من بلدته الأصلية "على متن سيارة 403 (2)".

تمتزج مسيرة الشيخ المهنية مع تاريخ الفلاحة في فترة ما بعد الاستعمار. ففي سنة 1963 ساهم شيخ الجبل في حكاية الفلاحين الجزائريين الفريدة، الذين سيطروا على الأراضي التي كان المستوطنون الفرنسيون قد استولوا عليها، ليقيموا تلقائياً تجربة "تسيير ذاتي" بهدف تأمين الحصاد وتوفير الغذاء. نجا الشيخ من الجوع لكنه لم ينجُ من الفقر.

ابتدعت الجزائر في 1987 انفتاحها الاقتصادي. وُزعت الأراضي على شكل امتيازات استغلال تصل مدتها إلى 40 سنة لصالح مجموعات من الفلاحين، الذين تُرِكوا بعد ذلك ليتدبروا أمرهم ويصبحوا "مستثمِرين". كانت تجربة فاشلة. فبعد عشر سنوات من تطبيقها جرى التخلي عن هذه الأراضي.

وبعد مدة، اختفت الأراضي المسيرة ذاتياً، وحوّل الكولونيل بومدين تجربة التسيير الذاتي إلى "ثورة زراعية" وذلك خلال الفترة الممتدة ما بين 1973 و1982. وعاش الشيخ هذا التحول. فلقد أصبح له الحق في "دفعات" تعادل أجر الحد الأدنى مع منحه جزءاً من هذا الأجر على شكل منتجات فلاحية. وهكذا تغيرت وضعيته. فلأول مرة في حياته أصبح له الحق في وثيقة راتب وفي الضمان الاجتماعي الذي يسميه "التأمين".

ابتدعت الجزائر في 1987 انفتاحها الاقتصادي. فبعد "الثورة الزراعية" أرسي تنظيم جديد لاستغلال الأراضي العمومية التي ظلت ملكاً للدولة، إذ وزعت هذه الأراضي على شكل "امتيازات استغلال" تصل مدتها إلى 40 سنة، لصالح مجموعات من الفلاحين تُرِكوا بعد ذلك ليتدبروا أمرهم، ويصبحوا "مستثمِرين". كانت تجربة فاشلة. فبعد عشر سنوات من تطبيقها جرى التخلي عن هذه الأراضي.

تأقلم الشيخ مع الوضع الجديد. وبما أن الفلاحة لم تعد تضمن القُوت فمرحباً بأعمال البناء. اشتغل الشيخ طيلة 18 سنة كبنّاء ودهّان وكعامل أجير في شركة عمومية مختصة بالبناء. وهو متقاعد اليوم، يعيش بفضل معاشه الذي يبلغ 19000 دينار جزائري، أي حوالي 80 يورو شهرياً! وهذا ترف ربما لن يبلغه أصغر أبنائه. فهذا الأخير يعيش "البطالة" ويتدبر أمره عبر العمل المتقطع في قطاعات الاقتصاد غير المهيكل ومجالات الخدمات، بين محلات البيتزا ومقاهي الإنترنت. ولم يصرّح عن نشاطه ودخله لدى الجهات الرسمية، وهو لا يتمتع بضمان اجتماعي أو بوثيقة راتب.

تمثل هذه الوضعية إعاقة حقيقية للشاب، تمنعه من الانتفاع من الآليات القانونية للسكن الاجتماعي نظراً لأنه لا يملك ما يثبت أنه قادر على سداد المبالغ اللازمة. إنها عقوبة مزدوجة، فالابن يخضع لاستغلال أرباب العمل في القطاع الخاص من جهة، والسلطات العمومية من جهة ثانية تتخلى عنه. وكما كان عليه الأمر بالنسبة لأبيه في الماضي، فإن الابن ينتمي إلى جيش يد عاملة احتياطية يمكن تسخيرها بشكل فاحش وبلا حدود، في وضعٍ من الهشاشة الممنهجة التي تخدم المصالح الخاصة واستغلال الجهد والاحتقار.

أما الشيخ فحياة بأكملها من العمل والكد لم تمكنه - على الرغم من كل شيء - من التخلص من "السكن الهش" ومن حدود الفقر، في بلد يعاني من ندرة المساكن، مما يجعلها باهظة الثمن.

معول وحبل للحصول على عدّاد

تصرّف الشيخ طيلة حياته لمجابهة هذا الوضع، وصارع كمخطِطٍ استراتيجي حقيقي، ليمنح عائلته سقفاً وحدّاً أدنى من الرفاهية المدينية: "هنا يجب عليك أن تتدبر أمرك بنفسك، نحن من قمنا بجلب الماء والكهرباء بأنفسنا".

اعتمد الشيخ في البداية على مياه الينبوع للحصول على الماء الصالح للشرب: "استعملتُ معولاً وحبلاً ودلواً وحفرت بئراً. وفي أحد الأيام قدم موظف من البلدية وقال لي "اهدمه". واجهته وقلت له لن يحدث هذا أبداً. وما زال البئر موجوداً إلى حد اليوم ولم أدفع أبداً مقابل الماء".

لم يتم ربط الحي بشبكة المياه العمومية إلا في سنة 2001 وذلك عقب زيارة قام بها وزير الموارد المائية الذي قدم مصحوباً برئيس البلدية. شكلت الزيارة حدثاً حقيقياً في هذه المنطقة التي استعرت فيها الحرب الأهلية (1992 - 2000) بشكل عنيف جداً، مقسِّمة الأهالي بين "الجماعات الإسلامية المسلحة" و"مجموعات الدفاع الذاتي" التي التحق بها الشيخ بعد أن سلحته السلطة العاجزة. "حربٌ" ستأتي بدورها بمجموعة سكانية جديدة فرّت من مناطق القتال، مما أدى إلى اكتظاظ سكاني لم يعد من الممكن أن يعيش على مياه الينبوع. "استدار الوزير إلى رئيس البلدية وقال له: "هؤلاء الناس هم بشر، نعم أم لا؟ يجب عليك إذاً أن تجد حلاً وتوفر لهم قنوات الماء"، كما لو أنه كان يسدد ديناً.

قام رئيس البلدية بتنفيذ الأمر بما أنه مجبر على ذلك، لكنه اقتصد: أنبوب واحد لمئات العائلات. "كانت فوضى، وشجار في الصباح والمساء بين الأهالي، فكل واحد يريد ملء "مستوعباته" العشرين. وفي إحدى الليالي وبمعية الشباب - حفظهم الله - حفرنا الأرض، وبواسطة مثقاب أوصلنا ماسورة لبيت كل واحد منا". لم تغفل البلدية عن الأمر وحاولت أن تعيد تنظيم الأشياء، فمدت بدورها أنابيب فردية مطابقة للمواصفات، مع تثبيت عداد لفوترة استهلاك المياه. وافق الشيخ على حل وسط بعد سنوات طويلة من المفاوضات: يقوم بدفع مبلغ مقطوع للاشتراك لكن دون أن يدفع مقابل الماء، مواصلاً استخدام "الماسورة غير القانونية".

"الصفقة" التي تنظِّم الأمور في الجزائر بين المستبعَدين اجتماعياً والإدارة، تقوم على أن يأخذ المواطنون الأكثر فقراً ما تبقّى من الممتلكات العمومية، كقطع أرض صغيرة وماء، كما لو أنهم يقتطعون حصتهم من الريع النفطي، وبالمقابل تغض الدولة الطرف لحفظ السلم الاجتماعي.

وفي حالة من التنظيم الذاتي اللافت للانتباه، انتزعت عائلة الشيخ رفقة جيرانها - كأنهم عائلة واحدة - وبالطريقة نفسها، حقها في الكهرباء من برج نقل الطاقة الكهربائية الذي تمّ تركيزه عند بناء مجمعات المساكن ذات الإيجار المنخفض. وأمام الأمر الواقع، لم يبقَ للشركة الوطنية للكهرباء من حل غير تركيز عدادات فردية، لكي تستخلص مستحقات هذه الخدمة التي فُرضت عليها.

وإذا ما كانت قصص العدادات هذه تأخذ حيزاً كبيراً فلأن فواتير الماء والكهرباء الفردية مكّنت العائلات أخيراً من الحصول على عنوان قانوني لأول مرة في حياتهم. أصبحت لديهم اثباتات.

سيكون من الخطأ أن نختزل العلاقات الملتبسة بين الدولة ومتساكني هذه العشوائيات، وألا نرى منها إلا الجانب الفوضوي، وتغشى أبصارنا عن "الصفقة" التي تنظم الأمور في الجزائر بين المستبعَدين اجتماعياً والإدارة: وهي تقوم على أن يأخذ المواطنون الأكثر فقراً ما تبقّى من الممتلكات العمومية، كقطع أرض صغيرة وماء، كما لو أنهم يقتطعون حصتهم من الريع النفطي، وبالمقابل تغض الدولة الطرف لحفظ السلم الاجتماعي.

لكن هذه "الصفقة" غير مستقرة، فما مُنِح بطريقة ملتوية يمكن أيضاً أن يُسترد بالطريقة نفسها. وهذه الأراضي العمومية، "المهملة" طالما بقيت معتبرة بلا أهمية، يمكنها في حقيقة الأمر تشكيل رصيد احتياطي لتنمية الثروة بين الأثرياء الجدد "حاملي المشاريع المهيكلة"، وفساد الموظفين. اليوم، يقبع محافظ الجزائر العاصمة في السجن بتهمة الفساد، وهو كان ناشطاً فعالاً في مشروع استئصال المناطق العشوائية، في حين يتظاهر "الشارع الجزائري" منذ 22 شباط / فبراير صارخاً: "لقد ابتلعتم البلاد يا عصابة اللصوص". إلا أن آلة الإقصاء ستواصل "استئصال" العشوائيات، ليس لأن السكن سيصبح حقاً معترفاً به، ولكن لإخلاء أراضٍ تمثل هدفاً لكل المضاربات.

وخلف هذه المظاهر الخارجية الودية، فقد تأخذ العلاقات منحى عنيفاً جداً، يترك أثره على الأجساد والذاكرة. هنا، يستذكر الأهالي كيف قدم الدرك قبل بضعة أشهر، ترافقهم شاحنات، بهدف طرد بضعة آلاف من العائلات، "حتى أن دركياً كان يختبئ ليبكي". المطامع السياحية تتقدم بصمت. أما الشيخ فإنه يواصل صقل جدران بيته: "نحن لم نرغب أبداً في أكل الحرام، هذه أرض الله. لو وجدنا وضعية عادلة وقانونية لما كنا على هذا الحال. حتى الوزراء يسرقون. نحن مستعدون لشراء هذه الأرض، لكنهم لا يريدون بيعنا إياها ولا يعطونا مسكناً. سنظل هكذا إذاً، معلقين".

محتوى هذه المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

ترجمه عن الفرنسية: محمد رامي عبد المولى

______________

1 - كلمة تركية مشتقة من كلمة "الباي" وتعني الأراضي الأميرية.
2 - سيارة "بيجو 403" الشهيرة والتي كانت لديها حظوة خاصة في بلدان المغرب.

مقالات من الجزائر

للكاتب نفسه