ما أطاح بحلم "سلة الخبز" السودانية

تمثِّل مساحة الأراضي القابلة للزراعة في السودان، حتى بعد انفصال جنوبه، نحو 40 في المئة من اجمالي الأراضي القابلة للزراعة في المنطقة العربية. لكن معظمها مهمَل. فمن أصل 170 مليون فدان صالحة للزراعة يُستخدم ما لا يتجاوز ربعها، أي 40 مليون فدان، سواء في الزراعة المطرية أو المروية.
2019-05-09

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
من دفتر:
مسألة الأرض
فرات شهال الركابي - لبنان

تم دعم هذه المطبوعة من قبل مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المطبوعة أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

على الرغم من انفصال جنوب السودان الذي حمل معه أكثر من ثلثي الاحتياطيات النفطية المعروفة في السودان، وأكثر من 70 في المئة من الغطاء الغابي في البلاد، إلا أن مساحة الأراضي القابلة للزراعة لم تتضرر كثيراً، إذ كانت في حدود 200 مليون فدان (الفدان يساوي 4200 متر مربع)، وتراجعت إلى 170 مليوناً، مما يعني أن أحد موارد البلاد الأساسية، المتمثل في تلك الأراضي، لم يتأثر بالزلزال السياسي والاقتصادي الناجم عن الانفصال. كما أن هذه المساحة تمثل نحو 40 في المئة من حجم الأراضي القابلة للزراعة في المنطقة العربية. يبقى أن الأراضي المستغَلة فعلاً في السودان تتراوح بين 35 مليون إلى 37 مليون فدان فقط وذلك في الزراعة المطرية، وما يزيد على ثلاثة ملايين فدان في الزراعة المروية، الأمر الذي يشير إلى حجم الموارد الكبيرة التي يمكن الاستفادة، منها خاصة مع جوار سبع دول تُوفِّر كثافة سكانية ذات احتياجات متنامية للغذاء.

لكن بالمقابل، أدى غياب الرؤية والإرادة السياسية وتضارب القرارات إلى جعل الزراعة لا تحتل المكانة التي تستحقها في هذا البلد الغني بإمكانياته الطبيعية من أراضٍ ومياه. بل حتى أنه عندما توفرت الموارد المالية بسبب ارتفاع عائدات الإنتاج النفطي التي استمرت عقداً من الزمن، ودخلت خزينة الدولة مبالغ بالعملات الصعبة تقدر بحوالي 35 مليار دولار، هي الأكبر في تاريخ السودان، لم يتم استغلالها في دعم القطاعين الزراعي والحيواني اللذين تشير إليهما الدعاية الرسمية بأنهما "نفط السودان الدائم". لم توظف في مشاريع البنية الأساسية، مثل شق القنوات وتهيئة الأراضي للاستغلال الزراعي وتوفير البذور والماكينات الزراعية، إلى جانب بناء المسالخ وتوفير الخدمات البيطرية.

تُظهِر الأرقام عدم الاهتمام بهذا المورد المتجدد، والتركيز على الاقتصاد الريعي. ففي فترة السنوات العشر التي بدأ فيها تصدير النفط،وحتى العام 1999، تراجع متوسط معدل النمو السنوي في القطاع الزراعي من 10.8 في المئة، إلى 3.6 في المئة.

تراجُع الاهتمام بالقطاع الزراعي أدى إلى زيادة استيراد المواد الغذائية التي قاربت الوصول إلى ثلث قيمة الواردات الكلية والتي تقدَّر بنحو عشرة مليار دولار. من ناحية أخرى تراجعت عائدات البلاد من العملات الصعبة، إذ كان النفط المنتَج من الآبار في جنوب السودان يذهب للتصدير ليغطي أكثر من 75 في المئة من حجم تلك الإيرادات، وحوالي 45 في المئة من حجم التمويل العام المتاح للدولة. وهكذا تزامنت ظاهرة نمو الواردات الغذائية مع شح في العملات الصعبة من خلال فقدان نحو 300 مليون دولار شهرياً كانت تُضخ في الخزينة العامة من الصادرات النفطية، واستخدمت في شراء الولاء السياسي والصرف على الأمن بدلاً من تخصيصها للقطاعات الإنتاجية خاصة الزراعية، الأمر الذي أسهم في اتساع الفجوة في الميزان التجاري إلى ستة مليار دولار وهي في تصاعد مستمر، ما أدى إلى ضغوط شديدة على العملة الوطنية دفعت الحكومة إلى تخفيضها بصورة متتالية، ساعدت في مفاقمة الوضع مع وصول حالة التضخم المتصاعدة إلى 70 في المئة.

تقنين الأرض

لفتت موارد السودان الطبيعية الضخمة أنظار الاستعمار البريطاني. وبما أن العنصر الأساسي في كيفية استغلال هذه الموارد هو الأرض، أصدر البريطانيون قوانين تجعل كل أرض ليس لديها تسجيل معتمد أرضاً حكومية، وهو ما تم التأكيد عليه في قانون الأراضي لعام 1970 وقانون المعاملات المدنية لعام 1984. وجوهره لا يزال كما هو، أي إعلاء قبضة الدولة على الأراضي، وأحياناً على حساب المجموعات السكانية المحلية، وهو ما ستكون له تبعاته في تأجيج بعض الصراعات القبلية والأثنية عبر ممارسات حكومية في العهود المتباينة والمتتالية منذ الاستقلال.

خلال فترة الحرب العالمية الثانية انتبه البريطانيون إلى أهمية السودان لتوفير بعض المواد الغذائية لجنود الحلفاء الذين يواجهون قوات "المحور" وكانت إيطاليا تمثلهم في الشرق. فركزوا على إنتاج الحبوب وتحديداً الذرة في مزارع داخل مناطق القضارف شرق السودان، فيما عُرف بالزراعة المطرية على أن يتم إنهاء التجربة عقب انتهاء الحرب. لكن بعض المفتشين الزراعيين السودانيين ممن عملوا في المنطقة وعرفوا امكانياتها الإنتاجية قرروا عشية الاستقلال في عام 1955 الاستمرار في استغلال المنطقة زراعياً وفتحها أمام الراغبين من رجال الأعمال، وهو ما يعتبر البذرة التي انطلقت منها فكرة الزراعة الآلية التي عضدها البنك الدولي في سلسلة مشاريع قام بتمويلها في السودان وتوسعت في مناطق القضارف هذه كما اتجهت غرباً إلى كردفان.

على أنه بمرور الوقت، وعبر عقود من الممارسات، اتضحت الجوانب السلبية للزراعة الآلية من خلال ظواهر تمثلت بصورة رئيسية في أن عمليات التراخيص لحيازة الأراضي لتحويلها إلى مزارع كانت تلعب فيها الصلات الاجتماعية والسياسية دوراً، خاصة في ما يتعلق بكبار الموظفين وضباط الجيش والبوليس. وبما أن معظم هؤلاء ينحدرون من مناطق بعيدة، خاصة من شمال ووسط السودان، وإقامتهم تكون مؤقتة في هذه المنطقة، فإن استثمارات الغالبية منهم كانت قصيرة أو متوسطة الأفق زمنياً، ويسعون خلال فترات اقامتهم تلك الى تحقيق أقصى عائد ربحي ممكن، والتحول إلى أراضٍ أخرى بعد أن يصيب الإجهاد منطقة الترخيص الأولى.

لفتتْ موارد السودان الطبيعية الضخمة أنظار الاستعمار البريطاني. وبما أن العنصر الأساسي في كيفية استغلال هذه الموارد هو الأرض، أصدر البريطانيون قوانين تجعل كل أرض ليس لديها تسجيل معتمد أرضاً حكومية، وهو ما استعيد في قانون الأراضي لعام 1970 وقانون المعاملات المدنية لعام 1984. وجوهره لا يزال كما هو، أي إعلاء قبضة الدولة على الأراضي.

أكسب اقتلاع مجموعات سكانية محلية من الأراضي التي كانت تعتاش منها لتُعطى لمستثمرين من خارج المنطقة، قضية الأرض أبعاداً سياسية واقتصادية واجتماعية، وتظهير مقولة "صراع المركز والهامش"، وترافق ذلك مع تأثيرات سلبية بيئياً وإيكولوجياً، ما ساعد على إفقار مجموعات أكبر من السكان ودفعهم للهجرة من الريف إلى المدينة، وساهم في بلورة التمردات المسلحة في بعض المناطق.

الأمر الثاني أن بعض المجموعات السكانية المحلية تعرضت إلى عمليات اقتلاع من الأراضي التي كانت تعتاش منها لتعطى إلى مستثمرين من خارج المنطقة، بسبب القوانين التي تتطلب وجود وثائق لإثبات الملكية، وعدم الاهتمام بالحقوق التقليدية للقبائل والمجتمعات المحلية، وضعف هذه الأخيرة اقتصادياً وعدم قدرة الكثيرين على دفع الرسوم الخاصة بالحيازة على أراضٍ، هذا بالإضافة إلى حق الدولة في السيطرة على هذه الأراضي. وأصبح هذا الوضع أحد عوامل الاستقطاب للانضمام إلى "الحركة الشعبية لتحرير السودان" التي بدأت التمرد في جنوب البلاد، وتمكنت من فتح جبهة جديدة، خاصة في منطقة جبال النوبة.

أسهمت هذه الممارسات في إكساب قضية الأرض أبعاداً سياسية واقتصادية واجتماعية، وساعدت على تظهير مقولة "صراع المركز والهامش"، مع تنامي التأثيرات السلبية لهذه الممارسات بيئياً وإيكولوجياً، الأمر الذي ساعد على إفقار مجموعات أكبر من السكان ودفعهم للهجرة من الريف إلى المدينة. ويمكن الإشارة إلى أن منطقة جبال النوبة التي شكلت من ناحية إحدى مناطق نشاط الزراعة الآلية، أصبحت في الوقت ذاته ومن ناحية ثانية، ميداناً خصباً لفتح جبهة ثانية للتمرد الذي بدأ في جنوب السودان في طبعته الثانية عام 1983 كما بلورها الراحل جون قرنق في برنامجه المعنون "السودان الجديد".

ومع أن اتفاقية السلام المعروفة باسم "منتجع نيفاشا" الكيني التي أنهت في العام 2005 الحرب الأهلية المستمرين لعقدين من الزمن، كانت قد وضعت الأساس لتحول ديمقراطي، إلا أنها وفيما يتعلق بموضوع الأراضي لم تتناول حقوق السكان التقليدية وكيفية تطويرها عبر تقنين متفق عليه سياسياً وقانونياً. ومن الأشياء الملفتة للنظر أن مفوضية الأراضي التي نصت الاتفاقية على إنشائها لم تنشأ قط.

سلة الخبز

برزت أول فرصة حقيقية لاستغلال موارد السودان الطبيعية الضخمة إبِّان حكم الرئيس الأسبق جعفر النميري في مطلع السبعينات الفائتة، نتيجة لتطورات داخلية وأخرى خارجية. وكان على رأس التطورات الداخلية تخلي نظام النميري وقتها عن السياسات اليسارية التي بدأها في فاتحة عهده بعمليات التأميم والمصادرة، وأهم من ذلك توصله إلى اتفاق مع المتمردين في جنوب السودان في العام 1972 لينهي بذلك 16 عاماً من الاقتتال الأهلي، الأمر الذي حقق للبلاد قدراً من الاستقرار، وهو ما تزامن مع تطورات خارجية أبرزها "حرب أكتوبر" (1973) بين العرب واسرائيل وما صحبها من حظر نفطي أسهم في تعزيز الشعور القومي من ناحية، والاستفادة من الفوائض النفطية التي توفرت لتدوير جزء منها في عمليات ذات بعد وطني من ناحية أخرى. وكان أن تبلورت كل هذه الاتجاهات في شعار "السودان سلة خبز العالم العربي"، حيث عملت الصناديق العربية على تمويل مشاريع عديدة في مختلف المجالات، خاصة في البنية الأساسية. ويعتبر مشروع "كنانة" لإنتاج السكر الذي مولته الدول العربية من خلال شراكات بين السودان والدول الخليجية، أنجح نموذج لهذا التوجه.

تُظهِر الأرقام عدم الاهتمام بهذا المورد المتجدد، والتركيز على الاقتصاد الريعي. ففي فترة العشر السنوات التي بدأ فيها تصدير النفط، وحتى العام 1999، تراجع متوسط معدل النمو السنوي في القطاع الزراعي من 10.8 في المئة إلى 3.6 في المئة.

وعلى الرغم من أن الحصيلة النهائية لفكرة تحويل السودان إلى سلة خبز العالم العربي تبدو متواضعة، إذ أن إجمالي المبالغ العربية التي تمّ استثمارها لم تزد كثيراً عن 800 مليون دولار وقتها، إلى جانب أن العديد من المؤسسات العربية التي عُهِد إليها تنفيذ هذه الاستراتيجية وجدت نفسها مكبلة بالكثير من القيود البيروقراطية والصراعات العربية - العربية، الأمر الذي دفعها إلى التركيز على وضع رؤوس أموالها في ودائع استثمارية نقدية تعود عليها بفائدة سريعة بدلاً من ضخها في مشاريع إنتاجية ذات مردود مشكوك فيه بسبب المدى الزمني الأطول المطلوب لها، والكثير من العوائق. كذلك هناك العوامل التي تعود بصورة رئيسية إلى تركيبة نظام النميري كونه نظام الرجل الواحد، وما يتبع ذلك من ضعف جهاز الدولة وبروز بؤر للفساد وعدم ترتيب الأولويات ثم التدهور الاقتصادي والوقوع في مصيدة برامج صندوق النقد الدولي بوصفتها المعروفة من خفض للعملة والإنفاق العام ورفع الدعم عن السلع، الأمر الذي ساهم في مفاقمة الأزمة الاقتصادية وتحولها إلى سياسية مع انطلاق التمرد مرة أخرى في جنوب السودان، وهي العوامل التي أدت في النهاية إلى الإطاحة بنظام النميري في نيسان/ أبريل 1985.

توجت الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالنميري بعودة تجربة التعددية الحزبية والبرلمانية. لكن أداؤها السياسي والاقتصادي جاء ضعيفاً للغاية، خاصة في ضوء استمرار التمرد والفشل في تحقيق السلام، مما مهّد المسرح للانقلاب العسكري الثالث بقيادة العميد عمر البشير بعد سنوات أربع من الإطاحة بالحكم العسكري السابق.

انقلاب البشير لم يكن عادياً وإنما كان يعتمر قبعة أيدولوجية تستند إلى "الجبهة القومية الإسلامية" ببرنامجها الإسلاموي الأممي، الذي شكل تحدياً لأقرب جارين إلى السودان، مصر من الشمال والسعودية من الشرق، وأدى إلى تقوية علاقة الحكم الجديد بإيران، ما أقلق القاهرة والرياض ووتر العلاقة معهما.

وعلى الرغم من عدم توفر المعلومات بصورة دقيقة عن الاستثمارات العربية والخليجية تحديداً في المجال الزراعي في السودان، إلا أن المتاح من أرقام يعطي صورة عن الوضع. ومن هذه الأرقام أنه في الفترة ما بين عامي 2004 -2008 فأن ثلثي عدد المشاريع التي تمت الموافقة عليها تعود إلى مستثمرين من ست دول هي: السعودية 18.4 في المئة، تركيا 12.8 في المئة، سورية 12 في المئة، مصر 9.3 في المئة، الأردن 8.2 في المئة ولبنان 8.2 في المئة، كما أن لبقية الدول الخليجية حصة بلغت 6.7 في المئة. ووفقاً لأرقام رسمية، فإن إجمالي المشاريع المنفذة بين عامي 2000 -2010 بلغت 505 مشروعاً لكن دون تفاصيل عن تأثير هذه المشاريع على الوضع الاقتصادي العام.

انتباه وجدل

من بين المشاريع التي أثارت الانتباه وقدراً من الجدل، مشروع أعالي نهري "عطبرة" و"ستيت" الذي يقع على بعد 460 كيلومتراً من العاصمة الخرطوم، ويغطي مساحات من ولايتي كسلا والقضارف تصل إلى مليون فدان، وتم تخصيصه للسعودية وذلك في إطار استراتيجيتها للسيطرة مباشرةً على موارد طبيعية لتأمين بعض وارداتها الغذائية. التزمت الرياض باستثمار ما يزيد قليلاً عن المليار دولار لبناء خزان بهدف تقليل الطمي المتراكم في خزان "خشم القربة" الواقع على بعد 80 كيلومتراً شمال المشروع، وتخزين المياه لصالح ولاية القضارف، وزيادة مساحة الرقعة الزراعية. واستغرق العمل في السد حوالي سبع سنوات، وبدأ تشغيله في عام 2017 بعد اكتمال طاقته التشغيلية البالغة 3.6 مليار متر مكعب. وفي بعض الدراسات الاجتماعية فإن مشروع سد أعالي نهري عطبرة وستيت هذا أسهم في التأثير على أوضاع 155 ألف نسمة من صغار المزارعين والرعاة الذين لم تتم مشاورتهم عند التخطيط له، لا في كيفية استيعابهم اقتصادياً، ولا حتى في الإحدى عشرة قرية سكنية التي أقيمت لينقلوا إليها فتكون مقرهم الجديد.

وهناك أيضاً مشروع "الراجحي" في ولايتي نهر النيل والشمالية، ومشروع "أمطار" الإماراتية. حصل الأول على مساحة 300 ألف فدان عند منحنى النيل في الولاية الشمالية، وكانت البداية بزراعة سبعة آلاف فدان قمح كتجربة لزراعة القمح، إلى جانب ألفي فدان تقاوي (بذور Seeds) وذلك في إطار استصلاح المرحلة الأولى البالغة مساحتها 100 ألف فدان، باستخدام 54 محوراً للري اعتماداً على المياه الجوفية في تلك المنطقة. وقد خطط لأن يصل عدد المحاور إلى 250 مع نهاية العام الماضي. وحققت التجربة نجاحاً ملحوظاً بإنتاج نحو 30 جوالاً (الجوال وحدة قياس شائعة في السودان وهو يعادل 100 كلغ) للمشروع، وهو رقم قياسي مقارنة بالمعدلات السائدة في السودان، التي كانت تتراوح بين 8 و10 جوالات.

خُصص للسعودية مشروع أعالي نهري "عطبرة" و"ستيت" ومساحته مليون فدان. مس المشروع أوضاع 155 ألف نسمة من صغار المزارعين والرعاة الذين لم تتم مشاورتهم عند التخطيط له، كما لم ترتّب كيفية استيعابهم اقتصادياً حتى في القرى السكنية التي أقيمت لتكون مقرهم الجديد.

يسود معظم هذه المشاريع الغياب الكامل للشفافية. فقد عُرض مشروع أعالي نهري عطبرة وستيت الذي تموله السعودية، على البرلمان لإجازته لأنه يتضمن تأجير الأرض مدة 99 عاماً، لكن في جلسة سرية وضُغط على النواب لإجازة مشروع القانون المقدم كما هو.

أما مشروع شركة "أمطار" الإماراتية فقد أقام شراكة مع الحكومة السودانية بنسبة 60 في المئة للإمارات، و40 في المئة لحكومة السودان. وحصلت الشركة على ترخيص للعمل في العام 2005 على مساحة 130 ألف فدان، تبدأ باستصلاح 20 ألف فدان من تلك الأراضي لزراعة وتصدير الأعلاف للإمارات بكميات تجاوزت 300 ألف طن سنوياً. كما حصلت على تصديق ثلاثة مشاريع أخرى في ولاية نهر النيل المجاورة إلى الشمال، على رأسها تسمين 8 مليون رأس من العجول، وزراعة 240 مليون نخلة، وإطلاق مشروع لعشر قرى منتجة يمكن أن تصل في نهاية البرنامج الى ألفي قرية. على ان مشروع زراعة النخيل تلقى ضربة قوية قبل عامين عندما تمت إبادة 20 ألف من شتول النخيل نسبة لإصابتها بأمراض ستؤثر على النخيل والتربة، الأمر الذي أدى الى تباطؤ في نشاط الشركة ان لم يكن توقفه كلياً.

ويلاحظ في معظم هذه المشاريع الغياب الكامل للشفافية، ويكفي أن مشروع أعالي نهري عطبرة وستيت الذي تموله السعودية قد تم عرضه على البرلمان لإجازته لأنه يتضمن تأجير الأرض للسعودية مدة 99 عاماً، لكن في جلسة سرية وضغط على النواب لإجازة مشروع القانون المقدم كما هو. وإلى جانب عدم الشفافية، فإن معظم هذه المشاريع لم تتضمن نصوصاً تلزم المستثمرين الأجانب بتوفير فرص العمل للسودانيين، أو تخصيص نسبة من الإنتاج للسوق المحلية عبر صيغ يُتفق عليها. كما تصاعد النقد لكثير من الممارسات مثل تركيز المستثمرين الخليجيين وبعض المحليين كذلك على زراعة مختلف أنواع العلف مثل البرسيم والرودس لتصديرهما وسرعة تحصيل العائد بالعملات الصعبة، وهو ما اعتبره العديد من المختصين بأنه تصدير لسلعة ثمينة هي الماء بينما كان بالإمكان تحقيق قيمة مضافة واستغلال هذا المورد المهم في صناعات تحويلية تقام داخل البلاد، وتحقيق عائد أعلى من مبيعاتها.

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

مقالات من السودان

عشوائيات الخرطوم: على حافة الحياة

وصف لـ"جبرونا"، إحدى العشوائيات المحيطة بالخرطوم، والمنتمية إلى الجيل الثاني من النزوح (1980-2000) الذي تسببت به الحروب والنزاعات المسلحة في البلاد. أغلبية السكان هناك من جبال النوبة وتحديداً من إقليم...

للكاتب نفسه

ربيع سوداني مختلف

بحكم طبيعته كتنظيم نقابي، يبدو أفق تجمع المهنيين السياسي، القوة الابرز في تحالف قوى الحرية والتغيير، محدوداً لتولي قيادة التغيير المنتظر. التحدي الآخر الذي يواجه عملية التغيير يخص الأحزاب السياسية....