تونس: الدولة وأراضيها المؤممة

الأرض ريع سلطوي، لها قيمة تبادلية وهي أحد مداخل السيطرة والتحكم. ولكنها ليست مجرد سلعة بل ما زالت في الأرياف أحد مكونات الهوية الجماعية، وتراث عائلي وتاريخ للأسلاف وإطار للشعور بالانتماء وصنو للشرف. ولذا فالصراع القائم حول "الحق في الأرض" متعدد الأبعاد.
2019-04-18

فؤاد غربالي

باحث في علم الاجتماع، من تونس


شارك
من دفتر:
مسألة الأرض
فرات شهال الركابي - لبنان

تم دعم هذه المطبوعة من قبل مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المطبوعة أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

في أيار/ مايو عام 1964، أي بعيد خمس سنوات من استقلال البلاد، تمّ تأميم الأراضي التي استولى عليها المعمرون الفرنسيون إبَّان فترة الاستعمار. قبل هذا التاريخ بثلاث سنوات، خاضت تونس معركة الجلاء التي غادر بموجبها آخر جندي فرنسي البلاد ذات تشرين الأول/ أكتوبر من العام 1961، وتحقق "الاستقلال العقاري". صارت الدولة الفتية أكبر مالك للأراضي التي تُعرف في السجل القانوني والسياسي في تونس ''بالأراضي الدولية" (أي "الدولتية"). وهي الأراضي التي تحتكر الدولة حق ملكيتها، والتي لا ينازعها أي طرف آخر فيها. قدرت مساحة الأراضي المؤممة في الستينيات السالفة بحسب "معهد الدراسات الاستراتيجية" بحوالي 828570 هكتاراً. إلا أنها ستتقّلص في عام 1987 بداية حكم بن علي، لتصبح حوالي 500 ألف هكتار!

لا أحد في تونس يعرف بالضبط أين ذهبت بقية المساحات والمقدرة بنحو 328570 هكتار. موضوع كيفية التصرف في الأراضي الدولية في تونس هو صندوق أسود وغامض. الأرقام التي تقدمها السلطات الحكومية مبعثرة وغير دقيقة. ولم يكن أحد ليتجرأ قبل الثورة على الحديث في موضوع هذه الأراضي (يشرف عليها "ديوان الأراضي الدولية"). التحقيقات الصحافية والبحوث العلمية المعمقة تكاد تكون نادرة جداً في هذا الصدد، لا لشيء سوى لكونها نطاق للتنازع بين مجموعات مصالح جلها يتمركز في دوائر النظام وتخومه.

دشنت "التجربة الليبرالية" (فترة حكم الهادي نويرة 1970-1980) دخول الفاعلين الاقتصاديين الخواص على خط استغلال تلك الأراضي عبر إكراء ما هو فلاحي منها، والتي استثمرتها برجوازية حضرية متنفذة. تمّ تدعيم هذا التوجه بقانون "إصلاح الهياكل الفلاحية" في 1969، أي بعيد أشهر من إعلان فشل التجربة الاشتراكية التي قادها كبير وزراء بورقيبة حينها، أحمد بن صالح. كان حلم الوزير بن صالح هو أن يجعل تونس تشبه البلدان الإسكندنافية، لكن التجربة فشلت أو أُفشِلت وكانت نتائجها عكس المتوقع، مزيداً من إفقار الأرياف وحركة نزوح كثيفة نحو المدن، ارتفعت خاصة في سبعينات وثمانينات القرن الفائت. فشل "التجربة الاشتراكية" كان مرده الأساسي موضوع الأرض ذاته، حيث شعر ملاك الأراضي الصغار والكبار أن دولة الاستقلال تعمل على مصادرة أراضيهم وإدراجها في إطار ملكيات جماعية، وأنها تعود بهم إلى دولة الجباية. لم تكن الذهنية السائدة حينها مؤهلة بالقدر الكافي لتقبل فكرة تحويل الأراضي الخاصة إلى أراضي اشتراكية، لهذا جوبهت بالمقاومة.

التجربة الليبرالية: الأرض في قلب التقسيم العالمي للعمل

التجربة الليبرالية التي دشنها الهادي نويرة في بداية حكمه عبر "قانون 72" الداعم للقطاع الخاص، هي إعلان عن إدراج الاقتصاد الوطني في منظومة التقسيم العالمي للعمل، حيث الأولوية هي للاستثمارات الأجنبية الموجه إنتاجها أساساً للتصدير. رأس المال الأجنبي يجيد اللعبة التنافسية في ما يتعلق بالأجور المنخفضة ووفرة اليد العاملة، لهذا جرى التوجه إلى القطاع الفلاحي الذي يوفر منتجات رخيصة الثمن، ويمكن بيسر مراقبة مسالكها التجارية. ولعبت الأراضي الدولية في هذا الإطار دوراً أساسياً في تعديل سوق الإنتاج الفلاحي، سواء على مستوى داخلي أو على مستوى التصدير.

تُوفّر الأراضي الدولية حوالي 20 في المئة من الإنتاج الفلاحي، وخاصة ما يتعلق بالمنتوجات الأساسية (الحليب ، اللحوم الحمراء، الخضر والغلال.. إلخ). بالمقابل شهدت تلك الأراضي تراجعاً كبيراً في المساحات. وقع التفريط فيها عبر سياسة التسويغ والبيع، التي تمّ استخدامها ضمن نظام الامتيازات والاقتصاد السياسي للهيمنة. لا أحد يعرف لمن تُعطى تراخيص الأراضي الدولية وما هي معايير تسويغها. تجربة التسيير الذاتي في واحة جمنة بعد ثورة 2011 بينت أن تلك الأراضي كانت تُكترى من مقربين من النظام السابق. عائلة زوجة الرئيس السابق نفسها استفادت أيما استفادة من الأراضي المملوكة للدولة من خلال كراء ما يسمى بـ"الضيعات الفلاحية" وكذلك الأراضي الفلاحية التي كانت تحول إلى صبغة عقارية بضغط من "لوبيات" متنفذة، لتُستغل فيما بعد في إطار المشاريع السكنية الكبرى التي التهمت الكثير من الأراضي الفلاحية دون أي مشروعية ودون أي تخطيط عمراني واضح.

سياسة التعديل الهيكلي: الأرض في مزاد النهب

بعد التجربة الليبرالية الأولى التي حافظت فيها الدولة نسبياً على دورها التوازني، دخلت تونس منذ منتصف الثمانينات الفائتة في اقتصاد السوق المعولم، إذ توسعت دائرة الخصخصة، وتراجع أكثر دور الدولة. صارت الأراضي الدولية، مرةً أخرى، مدخلاً لتكريس الخصخصة من خلال المزيد من التفويت (البيع أو المنح)، ودعم "شركات الإحياء"، والاستصلاح، والتنمية الفلاحية الخ.. لصالح مهندسين وتقنيين فِلاحيين. وكان كل ذلك يتم غالباً بطريقة هادئة وناعمة. وهي سياسة تعمقت باتخاذ قرار أساسي فيما يتعلق بالتصرف بالأراضي الدولية: تعميم كراء الأراضي للخواص (جزء منها للمهندسين، والبقية للفلاحين الصغار) والتقليص منها بالبيع. ساهمت هذه السياسة في تنامي شركات الإحياء الفلاحي واستصلاح الأراضي الدولية. ولتمويل تلك الشركات، عملت الدولة على خلق "بنوك التمويل التنموية" التي ستوكل لها مهمة توفير القروض. أموال تلك البنوك كانت متأتية من استثمارات خليجية (سعودية وكويتيه وإماراتية). نجحت هذه السياسة نسبياً في خلق تدفقات مالية ساعدت في إنشاء مزيد من الشركات. فتعمقت اللبرلة الاقتصادية وازدادت الأطماع في الرأسمال العقاري للدولة. هنا تحديداً تبرز مفارقات اللبرلة الاقتصادية في البلدان المحكومة بآليات الفساد . وبدل أن تكون المنظومة تحفز الإنتاج من أجل خلق الثروة فإنها تتحول إلى مدخل لتكريس الزبائنية. نحن هنا إزاء ليبرالية الريع التي تخضع لمنطق الهبة بالمعنى الأنثربولوجي، أي خلق علاقة وسوق للمنافع محكوم بمعادلة "من يأخذ عليه أن يُرجِع" والمقابل في هذا السياق هو الولاء والطاعة.

وكان المستثمرون ورجال الأعمال المقربون من عائلة الرئيس والمستفيدون من ريع السلطة قد استولوا على عدة أراضي وضيعات. لكن تمت مصادرتها بعد ثورة 2011. إلا أن أحداً لا يعرف حتى الآن مصير الأملاك المصادرة.

بدل أن تحفز المنظومة الليبرالية الإنتاج من أجل خلق الثروة، تحولت إلى مدخل لتكريس الزبائنية. نحن هنا إزاء ليبرالية الريع التي تَخضع لمنطق الهبة بالمعنى الأنثربولوجي، أي خلق علاقة وسوق للمنافع محكوم بمعادلة "من يأخذ، عليه أن يُرجع" والمقابل في هذا السياق هو الولاء والطاعة.

السلطة كانت توزع الأراضي وتخصصها، ليس بالمعنى الليبرالي الصرف، لكن بمنطق الهبة التي تحيل دلالياً إلى منطق التبادل السائد في المجتمعات التقليدية. تشير الأرقام أن حوالي 12000 هكتاراً مُنحت لعائلة الرئيس والمقربين من السلطة. كان الرئيس بن علي هو من يتابع بنفسه توزيع هذه الأراضي. والأمر متوقع، فالأرض هي ريع سلطوي لها قيمة تبادلية، وهي كذلك أحد مداخل السيطرة والتحكم. هذه الممارسة ليست جديدة في تونس، فهي تعود إلى عهد البايات (*) حين كان الباي يوزع الأراضي الخصبة الشاسعة (تعرف في الدارجة التونسية ب"الهنشير") على المقربين والأكثر ولاء. من الناحية الشكلية تمنح السلطات الأراضي أو تؤجرها وفق دفتر شروط، ولكن في الغالب لا يتم تحصيل الكراء. ويتم هذا بشكل مستمر على حساب المزارعين الصغار الذين يحرمون من الولوج إلى الأرض.

هذا التكريس الجائر للسلطة عبر الأرض تجسد بشكل خاص في منطقة سمنجة بمحافظة زغوان، حيث منح أحد أصهار بن علي أكثر من 1300 هكتار. في سنة 2010 تم تدشين مشروع ضخم على تلك المساحة، تمثل في زرع 1200 شجرة زيتون ذات كثافة مروية عالية (1660 رجل في الهكتار). بسبب هذا المشروع استنفذت مياه بئر مشارقة التي حُولت إلى هذه الأراضي، على حساب المزارعين الصغار في المنطقة الذين صار أغلبهم أجراء بعد أن فرطوا في أراضيهم سواء بالبيع أو بالتخلي عن استغلالها، والنزوح إلى تونس العاصمة والمدن الكبرى.

الأراضي الدولية: حين تُكرّس اللاعدالة العقارية

من أثار سياسة تأجير أراضي الدولة أنها جاءت على حساب المزارعين الصغار، وساهمت في تكريس المزيد من الفساد في ظل غياب منظومات المراقبة والشفافية. هي حالة من اللاعدالة العقارية في القطاع الفِلاحي، وخاصة في المناطق الداخلية حيث المساحات الأكبر للأراضي الدولية غير المستغَلة مقابل إرتفاع كبير لنسب الفقر. وقد كانت هذه اللاعدالة محركاً لبروز مطالبات وتحركات اجتماعية رافقت شعار ''الحق في الأرض''، وطالبت بأن تكون تلك الأراضي لفلاحيها بما أنها ظلت لسنوات أرضاً بلا فلاحين.

غيبت هذه الدينامية المتعلقة باللاعدالة المجالية، ولم تحظ بالتمحيص الأكاديمي اللازم فيما يتعلق بالعوامل التي تفسر "الثورة التونسية". منطلق الثورة كان من محافظة سيدي بوزيد الواقعة في الوسط الغربي للبلاد، وأكثر المحافظات اعتماداً على القطاع الفلاحي المتأزم. كما أن هذا النموذج الزراعي السائد يعتمد على الري المكثف، وهو ما ساهم في استنفاذ المائدة المائية، تقابله مردودية ضعيفة بحكم عدة عوامل أبرزها ضيق مسالك توزيع الإنتاج في السوق المحلية وتخلي الدولة عن دعم المزارعين الصغار، وفرض شروط قاسية من قبل "البنك الوطني الفلاحي" فيما يتعلق بمنح القروض الفلاحية. بالمقابل سعر المحروقات والأدوية الزراعية مرتفع، ما يساهم في مزيد من إفقار الفلاحين الصغار في المنطقة وجعلهم "متروكين لحسابهم". وقد تخلوا عن أراضيهم بأثمان رخيصة. بالمقابل فتح لمستثمرين لهم قدرة على الوصول إلى القروض البنكية و بتسهيلات في أغلب الأحيان، وحتى القروض التي تمنحها وكالة دعم الاستثمار الفلاحي والمفترض أنها مخصصة للذين يمتلكون تكويناً في المجال الزراعي، فقد منحت لرجال أعمال. لقد هجم الأغنياء على الفقراء! جل ملاك الأراضي الجدد هم من خارج المحافظة، وجزء من فلاحي سيدي بوزيد تحولوا إلى مجرد أجراء، فهم خارج معايير النظام البنكي. جلهم شعر أن أرضهم قد أخذت منهم أمام أعينهم بفعل نظام بنكي غير عادل. والأنكى من ذلك أنهم ظلوا ضحية توصيم سائد مفاده أنهم لا يحبون العمل، وأنهم تخلوا عن أراضيهم طواعية! وكنتيجة مباشرة لتأزيم القطاع الفلاحي، وجد جيش ''من الفلاحين بلا أرض" شكل وقوداً للثورة التي أطاحت ببن علي. وانخرط هؤلاء في ظل "الديمقراطية" في منازعات حول الأرض من منطلقات عدة أهمها تحقيق التنمية، وحل مشكلة البطالة المتفشية في المناطق الداخلية. مدينة "الرقاب" التابعة لمحافظة سيدي بوزيد، وهي معروفة بأراضيها الزراعية الخصبة، عرفت تحركات اجتماعية قوية طالب فيها شبان عاطلون عن العمل وحاصلون على شهادات جامعية بالحق في أن تمنح لهم أراضي يستغلونها. والأراضي التي يطالبون بها هي ملك الدولة وهو ما شكل مدخلاً لتعزيز ''المقاومات المحلية". في أحد الأفلام الوثائقية القصيرة المنجزة من أحد الشبان في الرقاب، والذي يتناول التسلسل الزمني لأحداث الثورة، صورت إحدى اللقطات تجمهراً احتجاجياً للتضامن مع سيدي بوزيد أمام "البنك الوطني الفلاحي" وكانت في 24 كانون الأول/ ديسمبر عام 2010. في اليوم التالي، أحرق الموزع الآلي للبنك.

تخلى معظم الفلاحين الصغار المفْقرين عن أراضيهم بأثمان رخيصة. بالمقابل فُتح المجال لمستثمرين لهم قدرة على الوصول إلى القروض البنكية، وحصلوا عليها بتسهيلات في أغلب الأحيان. وحتى القروض التي تمنحها "وكالة دعم الاستثمار الفلاحي" والتي يفترض أنها مخصصة للذين يملكون تكويناً في المجال الزراعي، فقد منحت لرجال أعمال.

هجم الأغنياء على الفقراء! جل ملاّك الأراضي الجدد في محافظة "سيدي بوزيد"، منطلق ثورة 2011 – وهي واقعة في الوسط الغربي للبلاد، وأكثر المحافظات اعتماداً على القطاع الزراعي - هم من خارج المحافظة، وجزء من فلاحي سيدي بوزيد تحولوا إلى مجرد أجراء، فهم خارج معايير النظام البنكي.

كانت الأراضي الدولية الرهان الرئيسي لهذه المنازعات. ففي منطقة المكناسي التابعة أيضاً لمحافظة سيدي بوزيد طالب السكان المحليون بـ"ضيعة النصر" المملوكة للدولة عبر تغيير صبغتها، ومراجعة السجل العقاري من أجل تمكينهم من استغلالها. الضيعة أعطيت لمناضلين ضد الاستعمار من قبل الرئيس بورقيبة سنة 1974 كنوع من الاعتراف بالجميل، ولكنها بقيت مسجلة باسم الدولة، وهو ما خلق إشكالاً في استغلالها زراعياً. كما تحول جزء من "الأراضي الاشتراكية" في منطقة المكناسي ليصبح ملكاً للدولة بعد فشل تجربة التعاضد في نهاية الستينيات الفائتة، ولم يتم إصلاح وضعيته القانونية مما خلق منازعات بين عائلات ومجموعات محلية تعتبر أن تلك الأراضي تعود لها بالملكية، ولديها الشرعية لاستغلالها، وبين السلطات المحلية التي تعتبر أن ذلك الاستيلاء هو تعدٍ على أملاك الدولة. أراد المتساكنون المحليون النسج على منوال تجربة "جمّنة"، لكنهم جوبهوا برفض قاطع من السلطات. التوجس الرسمي مرده الخوف من ''نموذج إشتراكي" يتعارض مع الخيار النيوليبرالي الذي يعتبر أن لا مجال للفلاحة خارج منطق اقتصاد السوق والتدفقات المالية. ويندرج في هذا الإطار إتفاق ال"أليكا" مع الاتحاد الأوروبي الذي يفرض مزيداً من "تحرير" القطاع الفلاحي.

تكشف هذه النزعات التي تصاعدت بعد الثورة عن وجود رهان على الأرض في سيدي بوزيد بشكل خاص، وفي بقية المناطق الداخلية عامة. وهي تكشف عن العلاقات بين المتساكنين المحليين والمؤسسات الجهوية، من خلال إعطاء هذه الأخيرة الأولوية للفضاءات ذات الإمكانات الاقتصادية الواعدة. في حين تترك النزاعات حول الوصول إلى الأرض دون حلول واضحة محددة، الأمر الذي يحوّلها أحياناً إلى صراعات ذات بعد "عروشي" (عشائري) وقبلي. فالأرض ليست مجرد سلعة ذات قيمة تبادلية ومجال للملكية ولتحقيق التراكم. بل هي أحد مكونات الهوية الجماعية. فالأرض هي تراث عائلي وتاريخ الأسلاف وإطار للشعور بالانتماء وهي صنو الشرف. وبالتالي، فالصراع من منطلق "الحق في الأرض" لا يرتبط فقط بحاجة اقتصادية للمجموعات المهيمَن عليها، بل يحيل كذلك إلى صراع من أجل الإعتراف.

الثورة والأراضي الدولية، إعادة التأميم

لعل منجز الثورة هو أنه وضع سياسة التصرف بالأراضي الدولية موضع مساءلة. هذا ليس بالأمر الهين، وقد جسدت الحركات الاحتجاجية التي تنازع حول الحق في الأرض هذه المسألة. وهي، كما يبين الباحث محمد اللومي، تتعلق بـ"الاحتلال الداخلي" الذي قامت به البرجوازية الحضرية لتلك الأراضي بعد أن كانت محتلة من قبل المعمرين الفرنسيين. وهي مطروحة بغرض تأميمها من جديد على قاعدة العدالة الاجتماعية.

في بداية الثورة تمّ الاستيلاء من قبل متساكنين محليين، فهوجمت حوالي 100 "ضيعة" -وهي التسمية المغاربية للأراضي الزراعية المركزة - وقدرت الخسائر اللاحقة بها بحوالي 30 مليون دينار تونسي. كانت تلك ملك لعائلة زوجة بن علي والمقربين منهم. بالمقابل عملت حكومات بعد الثورة على استعادة بعض الضيعات بحجة سوء التصرف، لكنها لم تُعدْ حتى الآن التفكير بشكل جدي في إعادة رسم سياسة التصرف في الأراضي الدولية، وكأن حكومات ما بعد الثورة المتعاقبة لا تعرف ماذا عليها أن تفعل برأسمالها العقاري. وأما "اتفاقية تحرير القطاع الفلاحي" المزمع التوقيع عليها مع الاتحاد الأوروبي، فهي تفتح الباب من جديد نحو التخلي عن الأراضي الدولية تحت شعار "دعم الاستثمار الخارجي" و تحقيق النمو. وستكون مآلات هذا التوجه المزيد من الفقراء، والمزيد من التوترات على قاعدة ''الحق في الأرض".

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

_______________
(*) كلمة تركية تعني الأمير، وفي الأصل هو والي تونس الممثِل للدولة العثمانية، ومقره في مدينة تونس، ثم صار في عهد الحسينيين مستقلاً بحكمه عن العثمانيين، وأول البايات حسين بن علي، وهو مؤسس الدولة الحسينية سنة 1705، وآخرهم هو محمد الأمين باي. وحكم البايات وراثي ملكي وقد استمر لمدة 252 عاماً وانتهى بتأسيس الحكم الجمهوري في 25 تموز/ يوليو 1957.

مقالات من تونس

تونس: اختراقات تمهد للتطبيع؟

مسألة التطبيع توضّح المسافة الكبيرة التي تفصل "روح" الثورة التونسية عن حسابات/ سياسات الحكام الجدد. اذ يبدو ان الإسلاميين و"الدساترة" لديهم قناعة راسخة بأن اغضاب إسرائيل سيجلب عليهم غضب الأوروبيين...

للكاتب نفسه

نساء يكتبن المعتقل: عن الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال

تجربة أسيرة فلسطينية من مخيم "جنين" أمضت عشر سنوات في المعتقل، وذاقت صنوف التعذيب الشديد لأنها كانت مقاوِمة، وكذلك حقداً على مخيمها المقاوِم.. وإشارات إلى معاناتها في مجتمعها بعد تحررها...