الجزائر: مخاض ولادة رأسمالية متلعثمة

هل تعيش البلاد مخاض دينامية يتم فيها استغلال المظاهرات الشعبية المطالِبة بالمحافظة على إعادة التوزيع الجماعي، من قبل قوى اقتصادية تحس أنها نافذة بما يكفي لكي تطلب - على العكس - إزاحة العراقيل أمام المراكمة الفردية للثروة؟
2019-03-29

أحمد هني

استاذ جامعي وباحث، ترأس المديرية العامة للضرائب في الجزائر. آخر أعماله "رأسمالية الريع: من مجتمع الشغل الصناعي الى مجتمع الريعيين"، دار لارماتان، باريس، 2012 (بالفرنسية)


شارك
ثائر معروف - سوريا

كُتب هذا النص ونُشر (بالفرنسية) قبل الحدث الأخير: إقدام الفريق أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع وقائد أركان الجيش، على "الانقلاب" على بوتفليقة والدعوة الى تنحيته على أساس تفعيل المادة 102 من الدستور (عدم الأهلية). ويبدو ذلك وكأنه مخرج للتضحية بالرأس من أجل إنقاذ النظام...
والنص، على الرغم من أسبقيته على هذا التطور الجديد في الموقف، يضيء على عناصر في الصراع على السلطة من زاوية بالغة الأهمية، تتجاوز سطح هذه الصراعات. وفي قراءته مفاتيح لفهم الكثير من خصائص الظاهرة الحاضرة في الجزائر اليوم.
السفير العربي

حتى وقت قريب، كان رجال الأعمال في الجزائر يتحاشون العمل السياسي. فالسلطة القائمة التي تحتكر دولارات عائدات البترول كانت تمنحهم جزءاً منها على شكل أذونات لاستيراد منتجات مطلوبة بشدة يبيعونها في السوق المحلية أو مواد ومنتجات نصف مصنعة بهدف تحويلها. وهكذا يغتنون ويراكمون ثروات سرعان ما تُنقل إلى خارج البلاد. أما باقي الريع النفطي فكان يوجه لغرضين: الإنفاق على الجهازين العسكري والأمني، وشراء السلم الاجتماعي باستيراد المواد الاستهلاكية الأساسية (قمح صلب، سكر، أدوية، الخ)، وسياسة عمومية تتيح للناس التمتع بخدمات التعليم والعلاج والسكن والكهرباء والغاز والماء، الخ.. وأخيراً سياسة دعم المنتجات المعدة للاستهلاك الجماهيري (أساساً التغذية والطاقة). هذه المعادلة بقيت فعالة طالما كان النظام قادراً على التحكم في مراكمة الثروة وفي عدد رجال الأعمال، وذلك عبر انتقاء من سيجعل منهم زبائنه السياسيين والمطيعين بفضل التراخيص الإدارية. هذا أولاً. وثانياً ظلت هذه السياسة ممكنة طالما كانت أسعار البترول تسمح بتخصيص المبالغ اللازمة لشراء السلم الاجتماعي.

لكن هذا المتغير الأخير لا يمكن التحكم فيه من قبل السلطة، وإذا ما أضفنا إلى ذلك عامل الديموغرافيا –ارتفع عدد السكان من 10 ملايين سنة 1962 إلى 40 مليوناً حالياً - مصحوباً برغبة كل جيل في أن يحيا على الأقل في المستوى نفسه للجيل الذي سبقه، أي يتمكن من الانتفاع بتعميم إعادة توزيع الثروة، فسندرك أن هذه المعادلة لن تستقيم مع مرور الزمن. ففي حين كان الأب يستطيع شراء رغيف الخبز وليتر الحليب أو البنزين بسعر رمزي - لأنها سلع مدعمة - أو التعلم في مدرسة نظيفة، فإن الابن يجد نفسه اليوم مضطراً لأن يدفع ثمناً قريباً من السعر الحقيقي للسلع، وحتى في المساهمة بتنظيف مدرسته في بعض الحالات. وترْكب القوى السياسية المعارضة موجة هذا الحنين لزمن ذهبي.

تهدف المظاهرات إلى الحفاظ على إعادة التوزيع الجماعي للثروة. لكن هناك قوى أخرى تشعر بأن لها النفوذ الكافي لكي تطلب، على العكس، إزالة العراقيل التي تعطّل المراكمة الفردية للثروة. وقد دخلت معترك السياسة قوى مالية عرفت حتى الآن بتحفظها. هل أن الجيش لم يعد المتحكم الوحيد في خيوط اللعبة؟

عدم لجوء "صانعي القرار" في الجزائر للقمع يعني أن هناك عملية تحكيم جارية وتتداخل فيها قوى جديدة. استخدم الطرفان المظاهرات - وهي تعبِّر عن الغضب لأسباب أخرى تماماً - كذريعة لتعزيز مواقفهم المتضادة. ويبدو أن هذه الخصومات هي التي جعلت قوى القمع تتريث وتنتظر.

تلعب الديموغرافيا دوراً هاماً بالنسبة لرجال الأعمال أيضاً. فلقد دفعهم التخفيف التدريجي للتقييدات التشريعية إلى التعويل على ذواتهم لكسب الدولارات بأنفسهم. لكن تبين أنهم غير قادرين على ذلك، فهم لا ينتجون تقريباً أي شيء قابل للتصدير. وما زال رجال الأعمال يطرقون شبابيك السلطة للحصول على العملات الصعبة. ولم تفضِ التخفيفات التشريعية المتعددة إلا لزيادة عددهم، فلقد انطلق وافدون جدد في مغامرة المتاجرة بالسلع المستوردة أو الصناعات التحويلية الخفيفة. نتج عن هذا الوضع تنافس حاد بين رجال الأعمال القدامى والجدد للظفر بالعملات الصعبة القيمة. ولكي تدعم كل مجموعة حظوظها، فإنها تسعى للانخراط في واحدة من الشبكات الزبائنية لرجال السلطة، أو تدفع شخصيات "صديقة" نحو مركز السلطة. كما زاد هبوط سعر البترول عام 2018 إلى احتدام التنافس على العملات. وعندما وصل السيد بوتفليقة إلى السلطة في 1999 أتى بوافدين جدد احتلوا مواقع قرار تمنحهم سلطة التوقيع على التراخيص. سعى الوافدون الجدد إلى اشباع أطماعهم الشخصية (شقيق الرئيس مثالاً) وفي الوقت نفسه حاولوا الحد من المخصصات المسندة لرجال أعمال قدامى ينشطون منذ عقود ليجدوا أنفسهم فجأة بدون نفوذ. تتضح الصورة عند قراءة بيانات مجمع "سيفيتال" الذي أسسه واحد من رجال الأعمال هؤلاء، السيد يسعد ربراب، صاحب الثروة المرتبطة عضوياً بتراخيص الاستيراد والذي التحق بالمظاهرات الاحتجاجية.

فقد أصدر المجمّع بياناً للعموم أواخر شباط/فبراير 2019، نقرأ فيه ما يلي: "في هذه الفترة الانتخابية تتعدد تصريحاتكم ]أي بوتفليقة [ الداعية بإسم استمرارية معينة إلى ضرورة تطوير وتنويع اقتصادنا. والحال أنه إلى حد الآن ليس هناك إلا عراقيل وتعطيلات لهذا التنويع". وأشار المجمع في بيانه إلى أنه ما زال عاجزاً بعد 700 يوم عن المضي قدماً في مشروعه لتأسيس مطحنة لسحق البذور الزيتية في ولاية بجاية. وأنه سبق أن تم رفض الترخيص للكثير من مشاريعه الأخرى. وإذا ما كان في السابق يكفي أن تغتني فقد بدا للمجمع أن كل مراكمة لرأس المال أصبحت ممنوعة الآن. وللاحتجاج ضد تعطيل هذا المشروع، تشكلت لجنة مكونة من بعض موظفي "سيفيتال" ومن مواطنين آخرين نظموا مظاهرات في بجاية وتيزي أوزو رافعين شعارات: "لا لتعطيل استثمارات سيفيتال"، "نعم للتوزيع العادل لثروات البلاد"، و"لا لسياسة الكيل بمكيالين التي تستهدف منطقة القبائل".

بقيت المعادلة فعالة طالما كان النظام قادراً على التحكم في مراكمة الثروة وفي عدد رجال الأعمال، وذلك عبر انتقاء من سيجعل منهم زبائنه السياسيين والمطيعين بفضل التراخيص الإدارية. هذا أولاً. وثانياً ظلت هذه السياسة ممكنة طالما كانت أسعار البترول تسمح بتخصيص المبالغ اللازمة لشراء السلم الاجتماعي.

نتج عن التخفيف التدريجي للتقييدات التشريعية تنافس حاد بين رجال الأعمال القدامى، وأولئك الجدد للظفر بالعملات الصعبة القيمة. ولكي تدعم كل مجموعة حظوظها، فإنها تسعى للانخراط في واحدة من الشبكات الزبائنية لرجال السلطة، أو تدفع بشخصيات "صديقة" نحو مركز السلطة.

هذه إذاً قضية توقيع إداري معرقَل لاستثمار رأسمال تتحول إلى عمل سياسي يحرك الناس حول قضايا الإنصاف والعدالة وحتى المناطقية. تتطلب حلحلة هذه الوضعيات أن يكون لك نفوذ ذو طابع سياسي، وهذا أمر كان إلى وقت قريب غير معهود. باختصار، لم يعد باستطاعة بعض رجال الأعمال الاكتفاء بالسعي لنيل رضا السلطة القائمة، لذا راحوا يدخلون الساحة السياسية بشكل علني. لم يعد يكفيهم تكديس الثروات خارج البلاد في صمت. والحال أنه حتى للمحافظة على هذه الدينامية فقد صار الأمر يستوجب مواصلة مراكمة الثروة في الداخل. وها قد جاء من يسد طريق هذه المراكمة أمامهم. لذا يدخل رجال الأعمال هؤلاء في صراع مع السلطة، فهم ما عادوا يريدون الاكتفاء بتوسل التواقيع بل يريدون أن يطلبوها. لكن قوة المال المفسد لا تكفي لنيل مبتغاهم. هم بحاجة إلى قوة اجتماعية، لذا يجب عليهم ممارسة السياسة. إنها الولادة البطيئة والمتلعثمة لرأسمالية تسعى للهيمنة السياسية.

لا يخفي المجمع رفضه لعهدة خامسة محتملة للرئيس بوتفليقة: "سيفيتال - يقول بيان المجمع - هي مؤسسة مواطنية تدرب الشباب وتخلق فرص عمل وثروات في كامل أرجاء الجزائر. لماذا تمنعونها من ذلك؟ لماذا تقفون حجر عثرة أمام طموحات شبابنا المشروعة في الشغل والمستقبل اللائق؟ (..) هل أن الاستمرارية التي تتحدثون عنها هي استمرارية تخريب بلادنا لفائدة قلّة من أفراد مستعدين للتضحية بمستقبل أطفالنا من أجل الحفاظ على مصالح خاصة تَحصّلوا عليها بطرق غير شرعية؟".

ستمكننا أحداث مدهشة وقعت في اليوم نفسه من معرفة الطرف المستهدف. في الواقع هناك مجموعة أخرى من رجال الأعمال الذين يبدو أنهم، على عكس الفئة السابقة، يحوزون رضا السلطة الحاكمة. فلقد كشفت مكالمة هاتفية غريبة انتشرت في بعض شبكات التواصل الاجتماعي أن السيد عبد المالك سلال، الرئيس السابق لحكومة السيد بوتفليقة والذي أصبح مدير حملته الانتخابية الرئاسية، كان قد اتفق مع السيد علي حداد رئيس "منتدى رؤساء المؤسسات" على استخدام "مخربين" بهدف الاعتداء بالضرب على المتظاهرين في شوارع الجزائر العاصمة. وفوراً أعلن الرئيس بوتفليقة من جنيف، حيث يتلقى العلاج، إعفاء مدير حملته الانتخابية. وتلت ذلك سلسلة من الاستقالات داخل "منتدى رؤساء المؤسسات": الرئيس المدير العام لمجمع "سوجميتال" محمد أرزقي أبركان والرئيس المدير العام "أليانس للتأمينات" حسان خليفاتي. ثم انضم إليهما السيد محمد العيد بن عمر الذي أعلن تجميد اشتراكاته واستقالته من منصب نائب رئيس منتدى رؤساء المؤسسات. وكتب بن عمر في رسالته التي وجهها إلى السيد حداد ما يلي: "بصفتي رجل صناعة ما زلت مقتنعاً بأن تلبية تحدي التنويع يتطلب الاستقرار. ولكنه يتطلب أيضاً تأييد الشعب". ابتهجت الصحيفة اليومية "ليبرته"، المرتبطة بمجمع "سيفيتال"، بهذه الرسالة واختارت لعددها الصادر يوم 3 آذار/ مارس 2019 هذا العنوان: "مركب علي حداد يغرق". دخل أرباب العمل الجزائريون إذاً ميدان السياسة بشكل جلي.

واحدة من الفصول الحاسمة لصالح طريق الإثراء الفردي تمثلت في الإطاحة بزعيم عسكري من النظام "القديم" منذ ثلاث سنوات خلت. وكان هذا الأخير - مدير أجهزة الاستخبارات - يمثل القوى التي كانت تضمن هيمنة سلطة جماعية تراقب وتتحكم في الإثراء وإعادة التوزيع الجماعي، وتضمن ديمومة السيطرة الجماعية لجيل حرب التحرير

يصطدم بعضهم إذاً بعرقلات إدارية ويساندون المظاهرات الشعبية ضد "الاستمرارية"، بينما البعض الآخر مستعد "للجوء إلى القوة" في سبيل الحفاظ على استقرار السلطة. أما ضبط النفس الذي أظهرته القوى الأمنية فيجعلنا نفترض بأن هناك ترقب وانتظار حتى يحسم النظام أمره. ولو كانت الكلمة الأخيرة لمناصري استعمال القوة لوجدوا، كالعادة، استفزازاً ما يبررون به العنف. ولم يكن للخارج تأثير مهم في هذا الموضوع، فلقد سبق له أن قبِل وأغمض عينيه ثم دعم المشير السيسي الذي قاد حملة قمع دموي في مصر. كما أن عدم لجوء "صانعي القرار" في الجزائر للقمع يعني أن هناك عملية تحكيم جارية تتداخل فيها قوى جديدة.

استخدم الطرفان المظاهرات - وهي تعبِّر عن الغضب لأسباب أخرى تماماً - كذريعة لتعزيز مواقفهم المتضادة. ويبدو أن هذه الخصومات هي التي جعلت قوى القمع تتريث وتنتظر. ونلاحظ بأن جزءاً كبيراً من رجال الأعمال يسعون للتمايز عن بعضهم البعض مع نزعة فردية غير مسبوقة. لم يعد هؤلاء خرفاناً يتبعون السلطة مهما كانت، فهم يريدون أن يكون رأيهم مسموعاً. حتى أنهم يقترحون حلولاً للأزمة الاجتماعية عبر خلق عدد كبير جداً من مواطن الشغل. ولا تتردد "سيفيتال" مثلاً في الحديث عن 100 ألف فرصة عمل يوفرها مشروعها. باختصار، المقترح هو اقتصاد النمو كبديل عن سياسة إعادة توزيع الثروة التي تمتلك بعداً الاجتماعياً.

أما المجتمع فيبدو أنه يحن بشكل خاص إلى سياسة إعادة توزيع الثروة هذه. الخيار إذاً بين إثراء أفراد يوفرون فرص العمل، أو الحفاظ على سياسة إعادة التوزيع الجماعي للثروة الضامنة للسلم الاجتماعي. لكن رغبات الإثراء الشخصي، مثل تلك التي تمارسها "عائلة" الرئيس والتي أصبحت هي القاعدة، تتعارض مع إعادة التوزيع الجماعي للثروة التي كانت تضمنها السلطة القديمة. واحدة من الفصول الحاسمة لمصلحة طريق الإثراء الفردي تمثلت في الإطاحة بزعيم عسكري من النظام "القديم" منذ ثلاث سنوات خلت. وكان هذا الأخير- مدير أجهزة الاستخبارات - يمثل القوى التي كانت تضمن هيمنة سلطة جماعية تراقب وتتحكم في الإثراء وإعادة التوزيع الجماعي وتضمن ديمومة السيطرة الجماعية لجيل حرب التحرير.

ما تعيشه الجزائر حالياً من اضطرابات هو تعبير عن الصراعات الناتجة عن هذه النزعة الفردانية التي تريد انهاء سياسة المراقبة والتحكم في مراكمة الثروة الخاصة، وهي أساس إعادة التوزيع الجماعي للريع. وهي تعبِّر أيضاً عن اقتحام حلبة السياسة من قبل قوى المال التي كانت تتصرف ب"خفر" إلى حد الآن. هذا مؤشر على أن الجيش لم يعد المتحكم الوحيد في قواعد اللعبة. فهل تعيش البلاد مخاض دينامية يتم فيها استغلال المظاهرات الشعبية المطالِبة بالمحافظة على إعادة التوزيع الجماعي، من قبل قوى اقتصادية تحس بأنها نافذة بما يكفي لكي تطلب - على العكس - إزاحة العراقيل أمام المراكمة الفردية للثروة؟

____________

نُشر النص على موقع "ميديابارت" الفرنسي في 5-3-2019، ومَنح الكاتب "السفير العربي" حق ترجمته ونشره على صفحاتها لأهميته.

ترجمه عن الفرنسية: محمد رامي عبد المولى

مقالات من الجزائر

الجزائر: الحراك والجيش

2019-06-01

"كيف يمكن تعطيل القدرة على الأذى التي تملكها أجهزة المخابرات والبوليس السياسي الذي يسيج أفقياً وعامودياً المجتمع بكل مؤسساته كما الدولة؟ كيف سيُجبر هؤلاء على الحضور الى طاولة مفاوضات بغاية...

للكاتب نفسه