فلسطين: كيف نهزم أنفسنا؟

هؤلاء ينتمون الى الهزيمة، بنية وأفكاراً وسلوكاً. وهي - هذه وليس أي شيء آخر - أزمة العمل الوطني الفلسطيني. هذا ما يحددها وليس صعوبة معطيات المسألة الفلسطينية أو تعقيدها الشديد أو الاجرام المجنون لاسرائيل..
2019-03-21

نهلة الشهال

رئيسة تحرير السفير العربي


شارك
ماحي بينبين - المغرب

تبدو غزة بعيدة كما لو كانت في قارة أخرى بل على كوكب آخر. تقع فيها أحداث جسام فتصل الى العالم ببطء وتأخّر وبالقطارة.. هكذا مضت أيام قبل أن ينتشر خير مظاهرات "بدنا نعيش" التي خرجت في كل القطاع اعتراضاً على لجوء حركة حماس الى الحلول السهلة بمواجهة الخنق المزدوج أو متعدد الاطراف. وهو خنق أبطاله إسرائيل والسلطة في رام الله ومصر، ويقع وسط لا مبالاة عالمية مذهلة: حقداً على الصفة الاسلامية لحكومة غزة، وتضامناً مع إسرائيل أولاً، ومع السلطة في رام الله باعتبارها تنخرط في ما يقال له "حل الدولتين" الذي لا يمتلك من الوجود إلا العنوان المريح للضمائر المنافقة، ولأن العالم إجمالاً، الرسمي والشعبي، مشغول بهمومه، وهكذا.. وهو اكتراث لو تحقق، فلعله لن يغير كثيراً في الواقع لكنه يشعر أهالي هذا المكان الجحيمي بأن هناك من يرأف بحالهم..

خرج الناس ليطالبوا بالعيش الكريم، وليقولوا انه لا مبرر لضرائب على الخبز والسجائر، وهي مواد استهلاك اولية (نعم، السجائر هنا هي كذلك!)، وأنها ليست المرة الاولى التي تُفرض بل هي في ارتفاع متعاظم، وأن هذا ليس حلاً. ضُربوا بشراسة لا ينتهجها الا اعداء، واطلق الرصاص على أرجل شبان وأهينت نساء واعتقل المئات، ووقع تعذيب في مراكز التوقيف بعضه كان مريعاً. الحجة: وراء هذا التحرك تقف السلطة أو فتح أو دحلان. خرجت تصريحات بائسة بهذا المعنى من أفواه مسئولي حكومة غزة، وبدا أن قيادة حماس أصيبت بالذعر من أن يجري إسقاطها، فعاملت الأمر بوصفه من فعل "مشبوهين وجواسيس ومندسين"، وهي كلاسيكيات خطاب السلطات في بلداننا أينما كانت وأيّما كانت انتماءاتها الفكرية أو عقيدتها، ومهما كان تاريخها مجيداً..

قال كثير من الغزيين على مواقع التواصل الاجتماعي ما معناه ان الناس حَمت حكومة حماس طيلة 12 عاماً، وتحملت الاجرام الاسرائيلي وفساد وتواطؤ سلطة أوسلو، وقدمت تضحيات هائلة، ويحق لها بالتالي أن تقرر ما تشاء. وأنها حكومة والسلام، تفشل أو تعجز فتعترف بفشلها أو عجزها، ونقدها وحتى مناهضتها ليسا اعتداء على الاسلام أو على المقاومة. وأن عليها أن تهتم بمطالبات الناس وأن تتصرف حيالها بتقدير واحترام وتفهم، وليس بعنجهية وتعالي واستغفال، وان تصارح الناس وتبحث معهم عن الحلول التي يمكنها ان تخفف عنهم. وقالوا ضيقهم من استخدام الاسلام والمقاومة كممسحة للأخطاء وحذّروا: لا تكفِّرونا بهما! اتركوهما فهما ليسا ملكاً حصرياً لكم، ولا تختبئوا وراء "مسيرات العودة" المستمرة منذ عام، ولا تستخدمونها لغير أغراضها وبكل ديماغوجية، ولا تعتدّوا بالعمليات الاستشهادية في الضفة والقدس لتبرير فشلكم وخيبتكم وشراستكم.. قال الناس كل ما يجب ان يقال.

وكلامهم من ذهب. وهو لا يعيبه أن هناك فعلاً من يتلاعب بضيق الناس من الوضع - حتى وإن كانت أسباب هذا الوضع تعود الى معطيات قاهرة – ويتلاعب بضيق الناس من سلوك حماس واستسهالها تحميل الناس كلفة ذلك الوضع، وعلى ذلك يتلاعب بضيقهم من ملامح فساد تلتصق بها ومن تسلطها ومن ضيق أفقها.

اسرائيل وعملائها وسلطة أوسلو التافهة سيتلاعبون. هذا "دورهم" وهذا جزء من رزمة الواقع القائم، وهو ليس "إكتشافاً" بل يُفترض انه مأخوذ بالاعتبار ضمن خطة المواجهة، وإلا كانت هذه الخطة كلاماً فارغاً وبروباغندا. وهذا كله ألف باء السياسة.

وأما الاوغاد في سلطة أوسلو، فعارهم لا يعادله عار. تقول القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي أنها عثرت على عمر ابو ليلى منفذ عملية سلفيت في منزل بقرية عبوين قضاء رام الله، من خلال أمن السلطة الذي تعاون مع "الشاباك"، وأن رئيس هذا الجهاز الاسرائيلي اتصل برئيس المخابرات الفلسطينية يشكره على المعلومات التي قدّمها. بل قيل أن جهاز الأمن الفلسطيني موه تحركه على الأرض باتجاه تلك القرية باستخدامه سيارات التاكسي الفلسطينية الصفراء، أي أنه شارك، ليس فحسب في توفير المعلومات، بل في تصفية الشاب المقاوم. بل قيل أن حازم عطا لله مسئول الأمن الفلسطيني (وابن "أبو الزعيم"، ما استدعى نبش تاريخ عائلته المخزي) صرح بأن عملية سلفيت "كيدية"، وأن قيادة السلطة تحتاج الى أن تتفرغ منها لـ"متابعة إستعادة غزة المسلوبة من الظلاميين". هكذا إكتملت الدائرة ما بين الضفة وغزة!

هؤلاء كلهم ينتمون الى الهزيمة، بنية وأفكاراً وسلوكاً. وهي – هذه وليس أي شيء آخر - أزمة العمل الوطني الفلسطيني: وأما صعوبة معطيات المسألة الفلسطينية وتعقيدها الشديد والاجرام المجنون لاسرائيل.. فمما هو متوقع ومعروف ومقدور عليه!

إسرائيل والقوى الحامية لها تنام مرتاحة قريرة العين طالما أن هؤلاء هم "أعداؤها". وهذا علاوة على كل شيء فيه ظلم لعشرات ألوف المناضلين والمناضلات من فلسطين الذي لم يتوقفوا – على مر السنين – عن ابتداع أساليب لمقاومة الآفة التي حلت عليهم. وهو ظلم لعموم الفلسطينيين الذين لم يقلوا صلابة عن هؤلاء المناضلين، ولا ضنوا بشيء.. وهو علاوة على كل شيء محبط للشبان والشابات الذين ما زالوا ينتمون الى فلسطين ويؤمنون بامكانية هزيمة محتليها. أي أنه خيانة للماضي وإعدام للمستقبل!

مقالات من فلسطين

للكاتب نفسه

لبنان: استمرار المهزلة

بينما تتسلى الطبقة السياسية في لبنان بالتفاهات، بما لا يترك مجالاً للشك في طبيعتها، لقّن أهل طرابلس (ثاني مدن البلاد) هؤلاء درساً في الاخلاق قبل أن يكون في السياسة: انخفاض...

"تسقط تاني"!

سيكون من البائخ أن نلخص ثورة الشعب السوداني المميزة، والممتدة على أكثر من أربعة أشهر، بما تحاول السلطة الحاكمة القيام به اليوم من استبدال للبشير بنائبه ووزير دفاعه الفريق عوض...

ترامب ونتنياهو: ومن الحب ما قتل!

ما الذي ستفعله قيادة اسرائيل بالمليونين ونصف مليون فلسطيني من الضفة الغربية، لو هي قررت ضمها باعتبارها "يهودا والسامرة"؟ وما هي فاعلة بغزة التي لن يبتلعها البحر. بل وما هي...