انحطاط بلا قعر في البهية أم الدنيا.. مصر

تصريحات السيسي أفدح من الكوارث التي تودي كل عام بمئات الأرواح لاهتراء كل شبكات النقل، من القطارات الى الطرق الى سقوط الاوتوبيسات في الترع المائية المكشوفة الى غرق وسائل النقل البحري.. فهي تكشف المنطق الذي يسند كل تلك الخسارات.
2019-02-28

نهلة الشهال

رئيسة تحرير السفير العربي


شارك

وقع البارحة (فجر يوم 27 شباط/ فبراير) حادث قطار على أحد أرصفة محطة رمسيس المركزية للسكك الحديد في القاهرة، أسفر عن وقوع 28 ضحية فقدوا حياتهم، وعن أكثر من 50 مصاباً، كان بعضهم يهرول على الارصفة ككتلة نار محترقة بينما لا طفّاءات في تلك المحطة ولا من يحزنون.

صيانة شبكة السكك الحديد تكلف 10 مليار جنيه أو 57 مليون دولار بحسابات التاريخ الذي تقدّم فيه وزير النقل بالاقتراح (منتصف 2017) الذي رفضه السيسي. أما ما قاله في المناسبة فيكاد يكون أفدح من كل الحوادث التي تودي كل عام بمئات الأرواح لاهتراء كل شبكات النقل، من سكك حديد في بلد مترامي الأطراف كمصر، الى حوادث الطرق البائسة (ما عدا الدائرية والالتفافية منها، التي تخصص للوصل بين المدن الجديدة، تماماً كما تفعل إسرائيل مع مستوطناتها)، الى حوادث سقوط الاوتوبيسات في الترع المائية المكشوفة على جانبي الطرق وفوق الجسور والمعابر، الى الغرق في وسائل النقل البحري.. افدح، لأن هذه التصريحات (الموثقة في فيديوهات متوفرة) تكشف عن المنطق الذي يسند كل تلك الخسارات.

قال في مؤتمر صحافي، مباشرة بعد حادث وقع منذ عامين حين تصادم قطاران في منطقة خورشيد بالإسكندرية، فتسبب بوفاة 49 إنساناً وإصابة أكثر من 140: "العشرة مليار دول لو حطيتهم في البنك هآخد عليهم فايدة 10 في المئة، يعني مليار جنيه في السنة، وبفايدة الأيام دي هآخد 2 مليار". وبديلاً عن ذلك التوظيف غير المجدي، طلب السيسي من الوزير رفع سعر التذكرة، فيتم تمويل الإصلاح المطلوب من جيوب مستعملي القطارات. و: "لو آجي أزود التذكرة جنيه على المواطن يقولي أنا غلبان مش قادر، وأنا كمان غلبان مش قادر". هكذا نصاً حرفياً!

ما الذي تكلفه العاصمة الادارية الجديدة التي باشر الرئيس ببنائها؟ 90 مليار جنيه على الأقل، وكلفتها تتجاوز ذلك بكثير، و"أكبر" مسجد في العالم، و"أكبر كنيسة" وهلم جرا.. وتلك بنيت لتمجده وليس لتمجيد الخالق. وأما الفقراء فعبء ثقيل، بشرٌ لا فائدة منهم، فائضين عن الحاجة.. الى آخر المفردات الفاشية التي كانت تقال تلميحاً فصارت صريحة.

ويقال إن السيسي يفكر ببناء "أكبر" سجن لوجود عشرات الألوف من المعتقلين السياسيين الذين ضاقت بهم السجون المتاحة. هذا عدا الفرقاطات والطائرات العسكرية بمليارات الدولارات التي يشتريها لارضاء الحكومة الفرنسية، أي كنوع من الرشوة لبلاد "حقوق الانسان" و"القيم العالمية الواحدة"، وأسلحة متنوعة ومتقدمة من سوى فرنسا للقمع اذا دعت الحاجة، وهي – الحاجة - ماثلة دوماً.

وأما ما لا يقل بشاعة عن السيسي فهم اتباعه. أحدهم، وهو الأكثر حلماً ورحمة يقول: "كارثة أي نعم، لكن يتم استخدامها بشكل مغرض للتغطية على نجاح مؤتمر شرم الشيخ الباهر، ومداولات تعديل الدستور الضرورية من أجل مستقبل المسيرة الوطنية"، وإحداهن تقول: "الحادث عمل ارهابي مدبر والسوّاق اخواني"، ودليلها انه من قرية "كرداسة" (في محافظة الجيزة!)، مضيفة انه ليس كل الضحايا الفقراء يستحقون التعاطف، لأنهم "بيحبوا الإرهابيين ومجرمين وخاطفي أطفال ومش مصطفين مع الدولة"، ودليلها: "حتى بصوا على بطايقهم وحتلاقوا فيه منهم ناس من كرداسة برضه"!

هؤلاء يريدون على الارجح حجز شقق لهم في العاصمة الجديدة والتخلص من "قرف الفقرا والبِتاع" الذين تكتظ بهم شوارع القاهرة والاسكندرية، ومناظر الفلاحين "المعدمين والمتسخين".. وهم متطابقون مع زعيمهم المحبوب. وفي الماضي الذي ليس ببعيد، اعتبر جمال مبارك أن "مصر النافعة" لا يتجاوز تعدادها 5 ملايين مواطن. وقال عبد المنعم سعيد في مقابلة تلفزيونية عندما بدأت تظاهرات يناير 2011، وكان وقتها رئيس مجلس إدارة مؤسسة الاهرام (وهي امبرطورية) ورئيس "مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية" وعضواً بمجلس الشورى، وركناً أساسياً في لجنة السياسات في "الحزب الوطني" وفي هيئة التطبيع مع اسرائيل.. وما زال لليوم في مناصب حساسة: "حنعمل إيه للعشر ملايين مصري يللي عايشين على أكل البطاطس في الاحياء المحيطة بالقاهرة".. وهو محق، فهم فعلاً لم يتذوقوا الكافيار ليعرفوا الفارق! يا للعبء على كاهل السيسي وقبله مبارك.. يستحقون الشفقة فعلاً!

***

هنا ثبت منتقى من التعليقات على تلك الشاكلة التي وفّرها مدون صبور على صفحته في فيسبوك. ثم أضاف سائر المدونين ما فات الرجل.

"الواحد محتار يدى جائزة الصفيحة الذهبية لأحط ما قيل عن كارثة محطة مصر لمين بالظبط ..

لوسائل الاعلام اللي حطت الموضوع من اللحظة الاولى فى خانة "الحادث" اللي تفاعل معاه السيد رئيس مجلس الوزراء والسيد مدير مكتب السيد رئيس مجلس الوزراء والسادة الوزراء والمدراء من اللحظة الاولى، وقاموا باتخاذ الاجراءات الحكومية المناسبة وفق الثلاثية الحكومية الشهيرة (المتابعة عن كثب - التعويض المالى بتسعيرة الميري عن كل راس - التحقيق والوعد بمعاقبة المتسببين) وما تعطفوش على آلهة الحقيقة ووصفوا الموضوع بصفته الكارثية "المستحَقة"،

وإللا البورصجي التافه المدعي اللى بيقول انه كارثة أى نعم لكن يتم استخدامها بشكل مغرض للتغطية على ما سماه "نجاح مؤتمر شرم الشيخ الباهر"، ومداولات تعديل الدستور الضرورية من أجل مستقبل المسيرة الوطنية،

وإللا قلوطة التنوير اللي بتقول ان الحادث عمل ارهابى مدبر والسواق اخواني بدليل انه من "كرداسة" وان الضحايا الغلابة مش كلهم يستحقوا التعاطف، لأنهم بيحبوا الإرهابيين ومجرمين وخاطفي أطفال ومش مصطفين مع الدولة كما يجب.. حتى بصوا على بطايقهم وحتلاقوا فيه منهم ناس من كرداسة برضه (فلتُمحى كرداسة من العالم) .. خفافيش الظلام، الويل لهم .. بصوت المذيعة فى فيلم النوم فى العسل.. فمش لازم نتعاطف الا مع الفقراء المخلصين للدولة كما أكد فلاسفة التنوير،

وإللا أديب الشباب ومفكر الجيل فى مصر المخروبة أيام مبارك اللى عقد حاجبيه وغمغم قائلاً ان الحادث هو استنساخ أرضي لحادث 11 سبتمبر بنفس الهدف التخريبي التدميري الكوكبي.. وان المفكر الاستراتيجي العميد أدهم صبري لو كان لسه موجود معانا دلوقت كان زمانه خلص الموضوع وصفى سكان رمسيس و خلصنا،

وإللا نجم السيساوية ابو نضارة سوداء الخطير المُهلك المرعب اللى قال ان اللي حصل شيء حزين و مفجع فعلا لكنه بينتهز الفرصة لدعوة الرئيس والحكومة لمنع كل شيء ومراقبة كل وسائل الاتصال الهاتفية والبريدية و الانترنتية طالما كده كده بيتقال عليها دولة بوليسية، يبقى يوريهم بقي البوليسية اللي على اصولها،

وإللا جمهور السيساوية البريمو أصحاب نظرية دعه يعمل دعه يحترق، ومش مهم أصلاً الواغش اللى بيموت لأن دول من المصريين معدومي القيمة اللى دورهم الوحيد فى الفيلم هو تبرير شرعية هيمنة الأكابر على المشهد بصفتهم القادرين على ترويض هذا الوحش (جموع "الشعب") اللي حيبقي كابوس مخيف لو إتساب من غير سيطرة،

وإللا جمهور السيساوية السيكوندو أصحاب نظرية إن سواء ده حادث إهمال أو حادث ارهابي أثيم، فالتركة ثقيلة والرئيس مالوش ذنب لانه لسه ماسك بقاله ست سنين بس، و أما بالنسبة للضحايا من المصريين معدومي القيمة فهم أى نعم واغش يستحقون التحقير لكن مش حنقول كده صراحة لأن ليهم دور آخر مهم فى الفيلم وهو دور المبايعة الخطابية لهيمنة الدولة والأكابر على مصر بإسم صوت "الشعب" ومصلحة "الشعب "، وهو دور يستحق التمجيد الشكلي على هامش الحديث واحنا بنتاوب من الملل،

وإللا جمهور السيساوية الترسو اللي معاهم شهادة يعامل معاملة الأطفال أصحاب نظرية مافيش داعى لتسييس الحادث وده قضاء و قدر بيحدث فى أى حتة فى العالم واللى حصل خطأ فردي من السواق المبرشم اللي لو كان متربي صح فى بيته على أخلاقنا الأصيلة الجميلة ماكانش أهمل فى عمله... ونضف نفسك من جوّه الأول يا اخي

وإللا الجنرال القائد ذات نفسه مدير وكالة الحمزاوى لتجارة المانيفاتورة لما قال: المواطن غلبان؟ طب ما أنا غلبان برضه... والسكك الحديدية بايظة أى نعم بس ماينفعش احط الفلوس فى السكك الحديدية وأصلحها طالما مابتجيبش ايرادات لأن تذاكرها مدعمة.. فلحد ما تبْقى بتكسب فلوس ساعتها حبقى احط فيها فلوس، واللى حيموت فى النص ربنا يتولاه بقى (خليهم يتحرقوا) وسك ع الموضوع بقى انت وهو، وما توجعوش دماغنا عشان هناك ما هو أهم من المرافق الحيوية الخدمية...

واإللا ابناء مبارك اصحاب نظرية إن عمرنا ماشفنا أيام مبارك كوارث ودم بالشكل ده، وفين ايام زمن السلامة والاستقرار؟ والجدير بالذكر ان كوارث السكك الحديدية دي هي تخصص مباركي شهير والحقبة المباركية محققة نوط الامتياز فيها عندما بلغت الدولة وقتها أعلى درجات التفوق فى الإشراف على مزارع القتل الجماعية للمصريين على الطرق البرية والحديدية والبحرية،

وقررت في النهاية أعطى الجائزة لشاب مغمور بيحاول يشق طريقه فى عالم التعريص المبكر لعله يحجز مقعد فى البرنامج الرئاسي أو جمعيات شباب مستقبل الوطن 2030، كتب ان كلنا حزانى ومفجوعين، لكن برغم الحزن وبرغم الألم يجب ان لا نفقد عقلانيتنا في تشخيص الاسباب الحقيقية بعيدا عن التحريض السياسي المغرض ضد الحكومة والرئيس، لأن العقلانية والتفكير الايجابي هى أساس التقدم المادي، ويجب ان لا نفقد حماسنا وثقتنا وأملنا فى المستقبل لأن القلب النابض بالأمل هو أساس تقدم الإنسان فى مصر".

مقالات من مصر

للكاتب نفسه

الحال المرعب للعالم!

تموِّه الأشباح المرعبة لحرب أمريكية على إيران - "باتت محتملة" - ما يجري من أحداث في سائر أنحاء العالم، بالبؤس المتعدد لهذه الاحداث، وبلمحاتها الحلوة أيضاً.. ويطرح ذلك سؤالاً وجودياً...

هل هي الحرب؟

التصعيد في النبرة الامريكية والرد الإيراني ليس الحرب بل "لعبة" الحرب.. ما لا يمنع أنها قد تشتعل بعدما تهيأ مسرح فوهة البركان هذا!

إعادة اكتشاف السودان

جرى اليوم الاعلان عن تصور متكامل للمرحلة الانتقالية المدنية في السودان، مع تفصيل ملامحها الدستورية، ليكون بديلاً عن الإطار الذي تفرضه وتتمسك به الشلة العسكرية من معاوني البشير وأذرعه اليمنى،...