رمضان في العراق

لأن العراق قريب من السماوات، تبقى أبوابه مشرعة أمام زيارات الشياطين والملائكة. المناخ يخزِّن بضاعته الكاسدة بين النهرين اللذين يقال إن جناحي جبريل خطتهما في العراق. وطقوس رمضان لم تشفع هذا العام في خفض الحرارة التي تجاوزت الخمسين ببضعة درجات. الرطب يحترق في عذوق النخل قبل أن يتحول تمراً. والشوارع تحوَّلت إلى حمّامات عامّة في الهواء الطلق، إذ لا يعدم شارعاً من عشرات رشاشات المياه المعلقة في
2013-07-31

عمر الجفال

كاتب صحافي من العراق


شارك
| en
جواد سليم - العراق

لأن العراق قريب من السماوات، تبقى أبوابه مشرعة أمام زيارات الشياطين والملائكة. المناخ يخزِّن بضاعته الكاسدة بين النهرين اللذين يقال إن جناحي جبريل خطتهما في العراق. وطقوس رمضان لم تشفع هذا العام في خفض الحرارة التي تجاوزت الخمسين ببضعة درجات. الرطب يحترق في عذوق النخل قبل أن يتحول تمراً. والشوارع تحوَّلت إلى حمّامات عامّة في الهواء الطلق، إذ لا يعدم شارعاً من عشرات رشاشات المياه المعلقة في أعمدة الكهرباء ليدخل الناس تحت رحمتها بكامل ثيابهم. إنه الجحيم يفرد جناحيه على الناس معلنا حرب المناخ. الصائمون تتراجع أعدادهم مع مرور كل يوم من أيام الشهر الفضيل، والموائد العامة، سمة الشوارع في رمضان، تتراجع هذا العام، بل تكاد تختفي من الشوارع والمساجد، ربما اعترافاً بقلة عدد الصائمين.

طبل المسحراتي.. طبول الدم

وحده طبل المسحراتي لا يأبه بما يجري، فهو يلعلع بين الحارات عند الثانية فجراً. «العيدية» المرتقبة من البيوت عند أول أيام عيد الفطر المبارك، وغياب الشمس في مثل هذا الوقت من الفجر تشكل حافزاً للمسحراتي كي لا يتقاعس طبله عن إيقاظ الصائمين. لكن أدعياء الوكالة عن الله على أرضه لا تعجبهم مثابرة طبل المسحراتي، إذ لديهم طبولهم الخاصة: طبول الموت وكأنهم يقولون بتحد صارخ، أيُّ الطبلين صوته أعلى من الآخر. في البصرة، اسكتوا صوت طبل المسحراتي بعد قتله في إحدى حارات العشّار، وفي منطقة العامرية غربي بغداد، افتقد الناس صوت طبل المسحراتي، وعند الفجر وجدوا الطبل مسجى جنب جثمان صاحبه، غارقاً بدمه الذي أسالته ثلاث رصاصات اطلقت من مسدس كاتم للصوت.

وعود.. وعود

موائد الإفطار هذا العام متخمة بالوعود الحكومية، رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي وعد الناس بمكرمة هي عبارة عن نصف كيلو عدس للفرد توزع بمناسبة شهر رمضان، ضمن مفردات البطاقة التموينية التي أصبحت أثراً بعد عين، كما أن الكهرباء التي وعد بها نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة قد غابت هي الأخرى، وحلت الشموع لإنارة الموائد بدلاً منها. تلك الوعود التي لم تتحقق فاقمت الوضع المعيشي للناس، فقد ازدادت أسعار المواد التموينية إلى ضعف وأكثر من ذلك لبعضها، كما أن النقص الكبير في تزويد التيار الكهربائي زاد من سعر وحدات الكهرباء المسحوبة من المولدات الأهلية.

المحبس.. ضاع.. ضاع

يتميز رمضان في العراق بلعبة «المحيبس»، وهي تجري بين فريقين من الشباب من المنطقة ذاتها، أو بين فريقين من منطقتين مختلفتين، في أحد المقاهي الشعبية. واللعبة التي برزت في تاريخها أسماء معروفة في كل منطقة، مثل جاسم الأسود وعباس تينة وغيرهما، تتلخص في أن يخفي فريق خاتماً في يد أحد لاعبيه الذين قد يصل عددهم إلى خمسين عضواً أو أكثر، وعلى أحد لاعبي الفريق الخصم أن يكتشف اليد التي تخفي الخاتم. تتخلل اللعبة فترات لغناء المربع البغدادي وهو نمط غنائي معروف في المدينة، وتوزيع الحلويات على الضيوف وهي نوعان محدّدان يكاد انتاجهما ينحصر في شهر رمضان، هما الزلابية والبقلاوة.
لكن رمضان هذا العام افتقد هذه الطقوس الجميلة، حيث أغلقت معظم المقاهي أبوابها خوفاً من مهاجمة الأجهزة الأمنية التي شرعت مع إطلالة الشهر بمهاجمة مقاهي عدة في منطقتي الكرادة وزيونة وأغلقتهما عنوة بدعوى أن هذه المقاهي تساعد على انتشار الرذيلة. هذا الاغلاق الرسمي اضيف إلى الخوف من تفجير المقاهي الذي طال عدداً منها، أخطرها التفجير الذي حصل في حي العامرية ببغداد، وذاك الذي طال مقهى في مركز محافظة كركوك، وراح ضحيتهما العشرات من الشباب بين قتيل وجريح.

البحث عن موائد الرحمن

بالمقارنة مع الموائد العامرة التي تمتد على أرصفة الشوارع أيام الزيارات الدينية التي يسير فيها الناس مشياً على الأقدام لمسافات طويلة، كالزيارة الشعبانية وزيارة أربعين الإمام الحسين، فمن المفترض أن تمتد موائد الرحمن في رمضان في الشوارع والمساجد. لكن الغريب هو ضمور هذه الظاهرة، وتآكلها عاماً بعد عام على الرغم من أن من يتصدى للسلطة في العراق ومن بيده مقدرات المال العام هي الاحزاب الاسلامية، السنية والشيعية.
من النادر أن تجد مثل هذه الموائد في شارع أو في مسجد. بل وانحسرت أيضا ظاهرة ـ وعادة ـ تبادل صحون الفطور بين البيوتات قبيل الفطور في المناطق، خاصة الشعبية منها. الأسباب متعددة، في مقدمتها التفجيرات اليومية التي تتزامن مع أوقات الفطور. تتصاعد قرقعة الموت المعلن على صوت مدفع الافطار. إنه إعلان عن هيمنة الخراب على حرمة وطقوس الشهر الفضيل في بلد لا غريب في أجوائه سوى الهدوء وترجل الموت عن صهوة الدم.
ولتزيين كل هذا، تجاوز الحر هذا العام ما هو مألوف في شهر تموز/ يوليو، الى درجة أن رجل دين أصدر فتوى بجواز شرب الصائم كمية محددة من الماء إذا كان مضطرا لذلك، دون أن يبطل صومه!

مقالات من العراق

الأنبار.. سطوة المذهب والقبيلة

ميزر كمال 2021-01-05

لم تكن الأنبار قبل 2003 مختلفةً عن بقية محافظات العراق من حيث البؤس والفقر والحصار والخوف، ولم تكن مدنها التسعة تتمتع برفاهية العيش كما هو مشاع عنها آنذاك. كان أهلها...

للكاتب نفسه

العراق الشاب.. أعزلٌ في وجه "اللادولة"

عمر الجفال 2019-10-22

تندّر السياسيون على دعوات الشباب للتظاهر قبل انطلاقها بساعات. عاملوهم على أنّهم قاصرون. أطلقوا عليهم لفظ "العوام": لا يستطيعون تنظيم أنفسهم، غارقين في الجهل، يصعب فهم لغتهم التي يروّجون فيها...