نتائج الانتخابات المحلية في العراق: سمك.. لبن.. تمر هندي

«السمك، واللبن، والتمر هندي» لا يفترض بهم الالتقاء، لذا فالتعبير العراقي يُستخدم للإشارة الى الفوضى، أو ما يسميه اللبنانيون «خبيصة بلبن»! فعلى الرغم من الهيمنة الواضحة لكتلة دولة القانون التي يترأسها نوري المالكي على الأصوات في معظم محافظات الوسط والجنوب العراقي، إلى جانب المجلس الأعلى الإسلامي والتيار الصدري، وحصولها على عدد أصوات معقول في محافظات المنطقة الغربية من
2013-06-05

عمر الجفال

كاتب صحافي من العراق


شارك
ميثم الراضي ــ العراق

«السمك، واللبن، والتمر هندي» لا يفترض بهم الالتقاء، لذا فالتعبير العراقي يُستخدم للإشارة الى الفوضى، أو ما يسميه اللبنانيون «خبيصة بلبن»! فعلى الرغم من الهيمنة الواضحة لكتلة دولة القانون التي يترأسها نوري المالكي على الأصوات في معظم محافظات الوسط والجنوب العراقي، إلى جانب المجلس الأعلى الإسلامي والتيار الصدري، وحصولها على عدد أصوات معقول في محافظات المنطقة الغربية من العراق، إلا أن التحالفات التي ستولد عن مخاض المفاوضات الجارية لتشكيل الحكومات المحلية، تشي بأن ثمة نوايا للتقارب الفعلي بين قائمة المجلس الأعلى الإسلامي (ائتلاف المواطن) و«كتلة الأحرار» التابعة للتيار الصدري. والكتلتان حلتا بالمراتب الثانية والثالثة بالتناوب في معظم تلك المحافظات، وهما تسعيان إلى تشكيل الحكومات المحلية بينهما على حساب دولة القانون. بل إن مفاوضات سرية وعلنية تجري بين التنظيمين ومع كتل سنية لتشكيل تحالفات عريضة تفرض هيمنتها على الحكومات المحلية في عدد من المحافظات.
لكن هذه الجبهة السنية ــ الشيعية، قادت بالمقابل إلى تحركات محمومة قامت بها «كتلة دولة القانون» من أجل تشكيل جبهة شيعية ــ سنية بمواجهة الجبهة الأولى، متكونة من دولة القانون وجبهة الحوار الوطني التي يقودها نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الخدمات صالح المطلك، وانضم إليهما فيما بعد جمال الكربولي الذي حصلت كتلته على عدد بسيط من الاصوات، خاصة في محافظتي الموصل وصلاح الدين.
هذه المواجهة بين الجبهتين ستؤدي إما إلى التفرد في تشكيل الحكومات المحلية في المحافظات وفقاً لعدد المقاعد الناتج عن التحالفات الجديدة، وأما أنها ستفرض العودة مجدداً إلى المربع الأول وبالتالي إعادة تشكيل التحالفات القديمة، الشيعية ــ الشيعية والسنية ــ السنية، وفقاً لمفرزات التصويت وعدد المقاعد في المحافظات.
وفي كلتا الحالتين، فإن خارطة التحالفات التي يجري رسمها الآن لن تأتي سوى بالمزيد من خراب الخدمات في المحافظات، لاسيما وأن هذه التحالفات غالباً ما تكون في باطنها هشّة، الأمر الذي يجعل التصويت على المخططات الاستراتيجية للنهوض بواقع المحافظات خاضع لمصالح هذه الكتلة أو تلك، وقد يكون البرلمان الحالي الذي ركن مشاريع القوانين المهمة على الرفوف خير مثال على ذلك، ما يجعل الأزمات تتنامى أكثر فأكثر.
ومن المرجّح أن تمتد خارطة الائتلافات التي انبلجت عن نتائج انتخابات مجالس المحافظات، إلى الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها في عام 2014، ما يعني بقاء المياه السياسية الراكدة دون حراك يذكر.

البقاء للازمات

لم يكفِ غطاء انتخابات مجالس المحافظات المحلية (البلدية)، التي جرت في العشرين من نيسان/أبريل الماضي، لستر جسد شرعية تلك المجالس بشكل كامل. كان العراقيون قد فقدوا حماستهم للمشاركة في الانتخابات بشكل واضح، ولم يتوافدوا على مراكز الاقتراع كما فعلوا في الانتخابات الثلاثة الماضية. هذا الامتناع شكّل علامة على الإحباط الذي أصاب العراقيين جرّاء التقاعس الحكومي عن الإيفاء بوعود ما قبل الانتخابات، وخاصة ما يتعلق منها بملفي الأمن والخدمات، ومعالجة البطالة، حيث أصبح من المألوف أن تتصدر الأحزاب السياسية ذاتها المشهد السياسي بعيد كلِّ انتخابات في ظلّ غياب بدائل عنها.
وكانت الانتخابات المحلية قد جرت في 12 محافظة عراقية، فيما بقيت محافظات إقليم كردستان غير منتظمة الموعد في انتخاباتها، وغابت الانتخابات عن محافظتي الانبار ونينوى بسبب الأوضاع الأمنية فيهما واندلاع الاحتجاجات التي يبدو أن سخونة الصيف تتواطأ مع مماطلة الحكومة لإنهائها.

الجوامع والحسينيات تنادي للمشاركة

شارك 265 كياناً سياسياً في الانتخابات، فيما ذهب 51 بالمئة من العراقيين الذين يحقّ لهم التصويت وهم ثلاثة عشر مليونا وثمانمائة الف إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم وفقاً لإحصاءات حكومية. إلا أن شبكتي تموز وشمس لمراقبة الانتخابات أعلنتا أن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 46 بالمئة فقط، وسجّلت بغداد أقلّ نسبة تصويت حيث بلغ عدد المصوتين 30 بالمئة. ومن خلال النسبة المتدنية للتصويت، قام العراقيون بتوجيه صفعة ديمقراطية للأحزاب السياسية. وكان هذا الامتناع يحصل فيما الجوامع والحسينيات تنادي من خلال مكبرات الصوت بالحث على الذهاب إلى المشاركة في الانتخابات. هنا تتسابق الاحتمالات: هل ملَّ العراقيون سياسييهم؟ هل ملّوا الفتاوى المعلّبة بجواز أو بحرمة التصويت؟ هل أيقنوا أخيراً أن الحكومات المحليّة في المحافظات (التي بلغ أشد إنفاق لديها نسبة الـ88 بالمئة فيما لم تبلغ نسبة انجاز المشاريع 35 بالمئة) لا تسعى إلى تحويل مدنهم إلى مدن عصرية، تتوفر فيها ابسط متطلبات العيش الكريم؟ هل بات يقيناً لدى العراقيين أن ساستهم لا يبحثون عن أرض لتجذير الديمقراطية، بل هم ينبشونها بحثاً عن «لُقى» الفساد؟

والبقاء... للأجمل

أصبحت النساء المرشحات لانتخابات مجالس المحافظات مثاراً للتندر والإعجاب من قبل الشباب، وكانت إحدى المرشحات عن محافظة بغداد، وهي صباح التميمي، مثاراً للجدل بين المرشحات الأخريات، إذ حصلت على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) خلافات بين شبّان على مستوى حسنها وجمالها، فيما الصور التي التقطت بجانب بوستراتها الدعائية كانت الشغل الشاغل لأغلب المراهقين. التميمي التي تبدو شفاهها منتفخة، وعيونها واسعة، حصلت على أصوات كافية لدخولها مجلس محافظة بغداد من دون الاعتماد على نظام «الكوتا» الذي يمنح 25 في المئة من مقاعد مجالس المحافظات للنساء. لكنها ليست وحدها من حصلت على مقعد من دون «كوتا»، فقد حصلت اثنتان من المرشحات الأخريات على أصوات كافية، الأمر الذي من المتوقّع أن يزيد من حظوظ المرأة في الانتخابات البرلمانية القادمة، لاسيما وأن إحصائيات محلية تشير إلى أن نسبة الغيابات في البرلمان من قبل النساء هي أقل بكثير من نسبة الرجال، فضلاً عن فارق النسبة في تورط البرلمانيات بقضايا فساد بمقابل ارتفاع قضايا الفساد بالنسبة للبرلمانيين الرجال! وفي الانتخابات التي تنافس فيها 50 ائتلافاً سياسياً، وكان عدد المرشحين 8302 مرشحاً، بينهم 2205 من النساء، يشكلن ما نسبته 26 في المئة من اجمالي المرشحين. لكن المرشحات لم يدخلن في قوائم نسوية، معللات ذلك بعدم انكفاء النظرة الذكورية لدى المجتمع العراقي، ما يجعل فوزهن في الانتخابات أمراً مستحيلاً.

كوميديا ديمقراطية

ترافق مع فتح أبواب التصويت فتح باب الفكاهة والامتعاض لدى الشباب العراقي. ثمّة من ذهب من أجل الانتقام للزحام، وثمة من ذهب لأجل الاحتجاج على البطالة، وآخرون ذهبوا من أجل انقطاع الكهرباء، فيما كانت الأغلبية ليسوا براضين عن واقعهم الذي زجَّهم بهِ السياسيون وأحزابهم، إلا أن كل هذه الأصوات لم تجمعها تظاهرة أو احتجاج صامت. كان الاحتجاج يجري على ورق الانتخابات نفسه، بالأقلام التي كان المُرشح يرتجف قلبه تحتها للصعود إلى كراسي مجالس المحافظات.
كتب أحد الشباب الغاضبين على ورقة الانتخابات بعد أن شطب بـ«أكس» غاضب وكبير على جميع المرشحين «أرشِّح برشلونة» في إشارة إلى النادي الإسباني الشهير، فيما كتب آخر «أرشّح أبو مرتي» (والد زوجتي)، وكتب شاب، ونشر صورة ورقته الانتخابية متباهياً «ما أعرفكم»، أما أكثرهم غضباً فذاك الذي كتب - بعد أن سوَّد على كل أسم- «أمشوا ساقطين».
هؤلاء وآخرون كثر، انتشرت صور أوراقهم الانتخابية على صفحات التواصل الاجتماعي والهواتف النقالة. كان هؤلاء الشباب عزاء للذين امتنعوا عن الذهاب إلى مراكز الاقتراع، حقّقوا ثأراً (ديمقراطياً) للصامتين والمنزوين واليائسين.

مقالات من العراق

العراق لمن؟

ميزر كمال 2020-09-17

الصراع على العراق لم يعد يدور حول النفط بل على الجغرافيا. فلسوء حظه، العراق هو العمود الفقري للطريق بين الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط، ويمتلك "ميناء الفاو الكبير"، الأساسي في...

للكاتب نفسه

العراق الشاب.. أعزلٌ في وجه "اللادولة"

عمر الجفال 2019-10-22

تندّر السياسيون على دعوات الشباب للتظاهر قبل انطلاقها بساعات. عاملوهم على أنّهم قاصرون. أطلقوا عليهم لفظ "العوام": لا يستطيعون تنظيم أنفسهم، غارقين في الجهل، يصعب فهم لغتهم التي يروّجون فيها...