صخرة سيزيف في مجاري بغداد

رفع الإله زيوس عن سيزيف العقاب. لم يعد سيزيف بحاجة إلى صخرته، ارتاحت عضلاته، وأزيح عنه العذاب الذي كان من المفترض أن يحمله إلى أبد الآبدين. استقرت صخرته التي ظلّت تتدحرج من قمّة الجبل، في كبد العراق وفي العاصمة بغداد على وجه التحديد.العراق.. يغرقفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، انجرف العراق في موجة الأمطار وسيولها. لم يتبدّل شيء هذا العام، على موجات متكررة منذ تشرين الفائت
2014-01-12

عمر الجفال

كاتب صحافي من العراق


شارك
مدينة ألعاب شمالي يغداد تغرف بعد ارتفاع مستوى مياه دجلة بسبب فيضانات شمال العراق (الصورة للمدى برس العراقية)

رفع الإله زيوس عن سيزيف العقاب. لم يعد سيزيف بحاجة إلى صخرته، ارتاحت عضلاته، وأزيح عنه العذاب الذي كان من المفترض أن يحمله إلى أبد الآبدين. استقرت صخرته التي ظلّت تتدحرج من قمّة الجبل، في كبد العراق وفي العاصمة بغداد على وجه التحديد.

العراق.. يغرق
في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، انجرف العراق في موجة الأمطار وسيولها. لم يتبدّل شيء هذا العام، على موجات متكررة منذ تشرين الفائت وحتى أمس. خاض تلاميذ المدارس في المياه الآسنة، وغرقت منازل، وتهدّمت بيوت الفقراء، والتزم العمّال المياومون منازلهم، وتعطّلت السيارات في الشوارع، وعادت السخرية من الحكومة ووعودها لتحتل الواجهة.
هذه المشاهد الدرامية سبقتها وعود أمانة بغداد المسؤولة عن 14 دائرة بلدية في العاصمة في الصيف بأن "بغداد لن تفيض مجدداً". إنه مجرد وعد كما بقية الوعود. بدا الامر بزخات مطر استمرت لساعتين أغرقت العاصمة، وخاصة المناطق المكتظة بالسكان، ذات الغالبية الشيعية التي أدّت أصواتها في الانتخابات النيابية إلى صعود رئيس الوزراء ونوابه وكذلك نواب التيار الصدري والمجلس إلى سدة الحكم. الحكومة تمتلك الحل السحري لهذه الأزمات: أعلنت عطلة ليومين متتاليين (يتراوح الدوام الحقيقي في المؤسسات العراقية ما بين 120 إلى 150 يوماً في العام).
جنوب العراق استعار الحل السحري ذاته، فقد أعلنت محافظة ذي قار تعطيل الدوام الرسمي في المؤسسات والدوائر الحكومية ليومين بسبب السيول التي تسببت بهدم أربعة منازل وقتلت 6 أشخاص من بينهم ثلاثة أطفال. وفي ميسان شُكّلت غرفة عمليات على عجل، وأعلنت عطلة عن الدوام الرسمي أيضاً. وكانت البصرة مملكة النفط، التي من المقرر أن تصبح عاصمة اقتصادية للعراق، أسرع من بقية المحافظات بإعلان العطلة. أما الديوانية، فأعلنت عطلة عن الدوام الرسمي إلى إشعار آخر!

أموال.. وفشل
في تشرين الأول/ اكتوبر عام 2011، أعلن أمين بغداد الأسبق عن مشاريع عدّة لتصريف مياه الصرف الصحي والأمطار في جانب الرصافة، بكلفة قدرت بحوالي ملياري دولار. وقال حينها إن بغداد لن تغرق مجدداً بعد هذه المشاريع "الاستراتيجية والاولى من نوعها في المنطقة". لكن بغداد غرقت في العام الذي تلى الإعلان عن تلك المشاريع، وظلّ العمل في هذه المشاريع مجرد حبر على ورق، بعد أن تبيّن أن أحد الخطوط الرئيسة التي تنوي إنشاءها أمانة بغداد تمر عبر منطقة سكن عشوائي، الأمر الذي دفع إلى تدخل التيار الصدري، لمنع إزالة المنطقة لأنها تمثّل أصواتاً انتخابية يجب عدم التفريط بها، ودعا مجلس النواب إلى التصويت لتغيير مسار المشروع ورفع كلفة إتمامه. لكن العمل لم يستمر، ولم يهتم أحد. كان الوقت صيفاً، والجميع كان مشغولا بارتفاع درجات الحرارة وانقطاع التيار الكهربائي.
وفي تشرين الأوّل/اكتوبر من عام 2012، أكدت محافظة بغداد أن الخطين الرئيسيين المسؤولين عن تصريف المياه في جانب الرصافة من بغداد: "زبلن" (الذي تأسس في الستينيات) أصبح جاهزاً بنسبة 90 في المئة، و"الخنساء" (حديث الإنشاء، في الثمانينيات!) جاهز بنسبة 50 في المئة. إلا أن موجة أمطار قوّضت هذه التصريحات والجهوزية المزعومة.
وفي تموز / يوليو الماضي 2013، منحت محافظة بغداد أمانة العاصمة مبلغ 500 مليار دينار (حوالي 450 مليون دولار)، من أجل إتمام ما تبقى من العمل على مشاريع تصريف المياه قبيل قدوم الشتاء، إلا أن الأمانة أعادت "جزءاً من هذا المبلغ لافتقارها الى الحلول"، بحسب محافظة بغداد.

سيزيف بغدادي!
سرعان ما أصبح لبغداد "سيزيف". البلد الذي يزخر بالمسلحين والفساد (يحتل العراق ثالث دولة في الترتيب العالمي للدول الأكثر فساداً، والمرتبة 16 عربياً)، لا بد أن تعاقب فيه الآلهة أحداً ما، وإذا كان زمن سيزيف متعدد الآلهة، فإن الإله واحد في العراق، لكن عقوبة سيزيف البغدادي تأتي الآن من الخصوم السياسيين.
سارع أمين بغداد، الذي دفعت به الأمطار فور هطولها إلى أعلى سلم مناصب الأمانة، بعد أن كان قبل فضيحة هطول الأمطار، وكيلاً خدمياً لها، للقول إن صخرة بحجم 150 كيلوغراما وُضعت في مجاري المياه في مناطق شرقي بغداد وأدت الى إغلاقها. تحوّل الرجل إلى سيزيف مبتلى بخصوم يحاولون إفشال جهوده الحثيثة بالسيطرة على بغداد. غاب عن ذهنه أنه المسؤول عن تثقيف سكّان بغداد بشأن المجاري والأزبال التي يرمونها والتي تسدّ مجارير المياه. تناسى أن الجزء الأكبر من مهامه هو القيام بتهيئة بغداد لأمطار وسيول كهذه.
دوّخت الصخرة سيزيف البغدادي وهو يدحرجها في مجارير شرقي بغداد، وأخيراً تفتق ذهنه عن فكرة تفتيت الصخرة داخل المجاري، وأعلن أن الأزمة حُلّت. لكنها لم تحل. ظلّت المياه تغطي وجه بغداد، وزادت الصور التي تنقل مشهد أطفال ونساء يخوضون في المياه وهم يحملون أكياس الخبز والبطاطا والبندورة. مرّ أكثر من شهر على هطول الأمطار وبعض المناطق لا تزال غارقة في الوحل، ولا يزال بعض النواب يخوضون في المياه والوحول ببدلات أنيقة، وجزمات بلاستيكية لالتقاط صور "انتخابية". يقول نائب إنه يحاول الاقتراب من جماهيره في محنتهم، لكن الجماهير سرعان ما ردت على ذلك بتأسيس صفحة على فايسبوك للسخرية من هؤلاء النواب، إنها حملة "صورني وأنا ما أدري"، وبموازاة ذلك، جرت تظاهرات في المناطق التي غرقت بمياه الأمطار. الحكومة وقفت عاجزة، إلا أن حلاً سحرياً آخر ظهر: أحضروا سيارات الجيش لشفط المياه من الشوارع!

برلمان.. العشائر
للملمة أزمة الأمطار، دعا رئيس مجلس النواب العراقي إلى عقد جلسة طارئة، حضرها 175 نائباً فقط من أصل 325 نائباً، وجرت ملاسنات بين النواب، واستقدمت الخصومة السياسية والدعاية الانتخابية والتسقيط إلى البيت التشريعي العراقي، وسرعان ما حوّل أمين بغداد مساءلته أمام البرلمان إلى قضيّة عشائرية، إذ كلّف أعمامه بمحاسبة أحد النواب عشائرياً. ذهبت هيبة الدولة، وضرب المشرّعون والمسؤولون بالقانون عرض الحائط. العشائر وحدها من تحكم في العراق، لعل هذا ما حاول إيصاله الأمين والنائب، وسكت عنه الجميع، خشية من محاسبة عشائرية أخرى. البيت التشريعي يتحوّل إلى بيت قصب، والمايكروفونات تتحوّل إلى دِلال قهوة، والعلم تحوّل إلى عقال. انشغل الإعلام بهذه الجلبة، وقرر مجلس الوزراء تخصيص مليون دولار لكل محافظة متضررة، ومبلغ مليوني دينار (حوالي 1600 دولار) لكل متضرر جراء الأمطار. أما لجنة الخدمات النيابية فقد أوصت بحل وزارة البلديات والأشغال العامة، وإقالة أمين بغداد، ودعت إلى تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق بـ"غرق" المحافظات. بمقابل هذا، طالب محافظ بغداد بإطلاق 300 مليار دينار (أقل قليلا من 3 مليارات دولار) لتعويض المتضررين. وكل هذه الأموال التي صرفت على الخدمات وعلى المتضررين لا يعرف أحد أين ذهبت. وقد يبدو كلام أحد العراقيين على شاشة التلفزيون "نحن نسمع عن موازنات انفجارية، ولا نرى غير انفجار المفخخات"، واقعية في ظلّ الأموال التي تصرف هباء.
           

مقالات من العراق

العراق: عجز "دولة الموظف"

سلام زيدان 2020-07-02

يحتاج العراق شهرياً إلى 4.5 مليار دولار لدفع رواتب الموظفين والمتقاعدين، عدا النفقات الضرورية الأخرى مثل تمويل شراء الأدوية واستيراد الكهرباء والوقود وغيرها، بينما إيرادات النفط خلال الشهر الماضي وصلت...

للكاتب نفسه

العراق الشاب.. أعزلٌ في وجه "اللادولة"

عمر الجفال 2019-10-22

تندّر السياسيون على دعوات الشباب للتظاهر قبل انطلاقها بساعات. عاملوهم على أنّهم قاصرون. أطلقوا عليهم لفظ "العوام": لا يستطيعون تنظيم أنفسهم، غارقين في الجهل، يصعب فهم لغتهم التي يروّجون فيها...