العودة إلى «الصحوات» في العراق

وقف العالم على ساق واحدة. عقدت الدهشة السياسيين وأربكت الفضائيات والصحف. تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، الذي اختزل في ما بعد بـ«الدولة الإسلامية»، يجتاح خلال ساعات محافظة نينوى، ثالث أكبر المحافظات العراقية، على الرغم من وجود أربع فرق عسكرية للدولة يبلغ قوامُها خمسين ألف جندي على الأقل (الفرق لم تعد نظامية وراح يصير صعبا تعدادها!!).
2014-09-17

عمر الجفال

كاتب صحافي من العراق


شارك
زينة مصطفى - العراق

وقف العالم على ساق واحدة. عقدت الدهشة السياسيين وأربكت الفضائيات والصحف. تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، الذي اختزل في ما بعد بـ«الدولة الإسلامية»، يجتاح خلال ساعات محافظة نينوى، ثالث أكبر المحافظات العراقية، على الرغم من وجود أربع فرق عسكرية للدولة يبلغ قوامُها خمسين ألف جندي على الأقل (الفرق لم تعد نظامية وراح يصير صعبا تعدادها!!). تبخّرت هذه القوة كما تبخرت السلطات المحلية في المدينة. المشهد ملتبس، ومواقف الأطراف السياسية ملتبسة هي الأخرى. لكن التحليلات التي أعقبت لحظة الدهشة أجمعت على أن الحاضنة الاجتماعية هي التي أدّت إلى الاجتياح السريع، وليس قوة مقاتلي «داعش». وتلك «الحاضنة» أرادت التخلّص من سطوة قوات السلطة على مناطقها التي همشتها بغداد بدوافع طائفية.
تلك اللحظة تتويج لعقد من الأزمة الصامتة حيناً والصاخبة أحايين. أزمة النظام السياسي الذي بني على أُسس طائفية وإثنية: المكون الشيعي الذي يعتقد ساسته أن الاحتلال الأميركي للعراق أنهى عقوداً من مظلوميته وإبعاده عن مركز القرار، والمكون السني الذي يعتقد أن الاحتلال ذاته أقصاه قسراً عن السلطة التي كان يتمتع بها منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921. من هنا كان الحراك الشعبي في المناطق الغربية من العراق عقب الاحتلال في نيسان/ابريل 2003 الذي يستهدف قوات الاحتلال والقوات الرسمية («الشيعية» كما يراها)، عبر عدد من الميليشيات التي تماهى بعضها مع أجندات إقليمية وخاض قتالاً بالنيابة.

بريمر وخريف الجنرالات

كان لقرار حل الجيش العراقي الذي اتخذه الحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر في 23 أيار/ مايو 2003 الأثر الأكبر في تشكيل فصائل سنية مسلحة، كما كان له أثر كبير في تنامي مشاعر البغض لقوات الاحتلال التي بدت وكأنها جاءت لتثأر وحسب من العرب السنة. ترك القرار الذي وصفه كولن باول، وزير خارجية الولايات المتحدة الاميركية آنذاك بـ«الكارثي»، آلاف الضبّاط من الجيش دون وظائف ودون مرتبات يعيلون بها أسرهم، فلم يكن أمام بعض هؤلاء سوى قتال الاحتلال على أمل العودة الى مواقعهم مجدداً بعد دحره. بعض كبار ضبّاط الجيش السابق شعروا بأن واشنطن غررت بهم بعد أن وعدتهم عبر بياناتها ومنشوراتها التي أُلقيت على معسكراتهم قبل الغزو باحتفاظهم بمناصبهم. والحقيقة أن واشنطن كانت قد اعتمدت خطة قدمها دوغلاس فيث، كبير مساعدي وزير الدفاع دونالد رامسفيلد في 12 آذار/ مارس 2003، أي قبل الغزو بنحو ثمانية أيام، تقضي بنزع أسلحة وحدات الحرس الجمهوري، المعتبرة الأكثر موالاة لصدام حسين، وأن يجري تفكيكها واعتقال أفرادها، بمقابل الإبقاء على بقية وحدات الجيش. وحسب الخطة التي نشرت تفاصيلها صحيفة نيويورك تايمز، ستستخدم ثلاث من أصل خمس فرق لتشكيل «نواة» الجيش العراقي الجديد، أما القوات العراقية الأخرى فكانت ستستخدم كقوة تقوم بإعادة بناء البلاد. وحملت الخطة تحذيراً من مخاطر إبعاد الجيش في الأشهر الأولى من الاحتلال الأميركي في بلد يتميز بنسبة عالية من البطالة. وجاء في التحذير انه «من غير الممكن تجميد ما يتراوح بين 250 إلى 350 ألف فرد في الحال ودفعهم إلى الشوارع»، وهو الأمر الذي تنبّه إليه مبكراً الجنرال جون أبي زيد، الذي كان في ذلك الوقت نائباً للقائد العسكري، قائلا إن «الجيوش العربية عادة ما تكون كبيرة بهدف إبعاد الشباب الساخط عن الشارع ووضعهم تحت إشراف الحكومة».

الميليشيات والسلة الإقليمية

وعلى الرغم من أن المقاومة التي تبنتها فصائل مسلحة بسيطة متكونة من منتسبين سابقين إلى الجيش المنحل وعدد من المقاتلين العرب الذين جاؤوا إلى العراق للمساهمة في مواجهة الاحتلال، وتبعثروا بعد انكسار نظام صدّام في تلك المواجهة، قد بدأت بداية متواضعة تتمثل في زرع عبوات ناسفة على الطرق العامة التي تمر بها القوات الأميركية أو قنص عدد من أفراده، إلا أنها بدأت بداية ثانية فور مقتل أربعة من مرتزقة شركة بلاك ووتر الأميركية العاملة مع الإدارة الأميركية في مدينة الفلوجة والتي أدّت إلى محاصرة المدينة من قبل قوات مشاة البحرية الأميركية «المارينز» ومن ثم مهاجمتها في نيسان/ أبريل 2004، للقبض على الأشخاص الذين قاموا بذلك. وقد أدّت تلك العملية، التي تمت بمساعدة قوات حكومية عراقية، إلى مقتل حوالي 40 من المارينز، وبلغت أعداد القتلى العراقيين حسب المصادر الطبية المحلية لمدينة الفلوجة زهاء 731 قتيلاً.
تلقفت جهات دولية وإقليمية ومحلية ظاهرة المواجهات المتصاعدة الحدة بين المسلحين والقوات الأميركية. ولدواعٍ مختلفة، قدمت بعض العواصم الإقليمية دعماً كبيراً لتشكيل فصائل مسلحة قادرة على مواجهة الاحتلال، فيما قدمت عواصم أخرى دعماً لوجستياً تمثَّل بالتدريب وتأمين ممرات حدودية آمنة لدخول وانسحاب المسلحين. وحينها لم تتوانَ الحكومة العراقية عن اتهام عواصم الخليج وسوريا.
اختلفت دوافع العواصم الداعمة للفصائل المسلحة في العراق. دول الخليج تتحرك لأسباب تتعلق بالصراع الإقليمي والتمثيل الطائفي السني. دمشق وعمان حريصتان على إدامة زخم القتال على الأراضي العراقية بهدف إبعاد شبح التغيير عن أراضيهما. ثم هناك ما يتعلّق بمشاريع «الشرق الأوسط الجديد» وما تستلزمه من إشاعة «الفوضى الخلاقة» التي بشرت بها وزيرة خارجية الولايات المتحدة آنذاك كونداليزا رايس، وهو ما دفع واشنطن وحلفاءها في المنطقة، كتركيا، لتقديم دعم مالي وعسكري إلى بعض الفصائل التي تحول عندها هدف القتال من تحرير العراق من الاحتلال إلى المتاجرة وكسب المال.

ميليشيا تلد أخرى

تناسلت التنظيمات السنية المسلحة إثر الدعم المادي واللوجستي الذي انهمر عليها من دول الجوار وبعض الدول الإقليمية، وقدّر عدد تلك الميليشيات بما يفوق الخمسين تنظيماً مسلحاً. إلا أن التنظيمات التي أثبتت وجودها على الأرض من خلال العمليات التي تبنتها ضد قوات الاحتلال والقوات الحكومية، ومناطق شيعية، تكاد تنحصر بتسعة تنظيمات، أبرزها «الجيش الإسلامي في العراق» وهو جماعة سنية ذات مرجعية سلفية تتألف من أفراد وضباط سابقين في الجيش العراقي ومختصين بالتصنيع العسكري، ومن رجال دين سلفيين وأبناء عشائر، يليها من حيث الأهميّة تنظيمات «كتائب ثورة العشرين»، و«الجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية» (جامع)، و«جيش أنصار السنة»، و«جيش الراشدين» و«جيش المجاهدين»، وتنظيم «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين»، و«الجماعة السلفية المجاهدة». أما التنظيمات المسلحة المرتبطة مباشرة بحزب البعث المنحل فتتجاوز العشرة تنظيمات تنضوي جميعها تحت التنظيم الأم المسمّى «جيش محمد» و«الجبهة الوطنية والقومية والإسلامية» المتكونة من حزب البعث ورجال الطريقة النقشبندية، وهو تنظيم صوفي مقرب من عزت الدوري منذ أيام النظام السابق، وسلفيون يقودهم البرلماني السابق، المتهم بقضايا إرهاب، عبدالناصر الجنابي، الذي عيّنه الدوري نائباً له.

صحوات بترايوس

إثر تزايد عمليات الفصائل المسلحة ضد قوات الاحتلال والقوات الحكومية العراقية في محافظة الانبار على وجه الخصوص، وما رافقها من ارتفاع في خسائر القوات الأميركية، لجأ القائد العسكري الاميركي في العراق ديفيد بترايوس إلى محاولة لتصحيح أخطاء الإدارة الأميركية، فعمد إلى استمالة رؤساء العشائر في المحافظة عبر مدهم بالمال والسلاح لتشكيل «مجالس الصحوات» العشائرية بمواجهة المجاميع المسلحة، لا سيما تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين والجيش الإسلامي. وتم خلال فترة وجيزة تجنيد ما يزيد على 100.000 مقاتل (عام 2008)، بقيادة الشيخ عبد الستار ابو ريشة، الذي قتل في ما بعد بسيارة ملغمة وخلفه شقيقه أحمد ابو ريشة، بتمويل أميركي قدّر بحدود 200 مليون دولار شهرياً. وتمكنت الصحوات بالفعل من إخماد نشاط الفصائل المسلحة. لكن التجربة لم تستمر، إذ سرعان ما نزع رئيس مجلس الوزراء السابق نوري المالكي سلاح مجالس الصحوات وقطع رواتب مقاتليها، لاعتقاده بانتفاء الحاجة لها، بل وتم اعتقال الكثير منهم، الأمر الذي مهّد الأرض مجدداً أمام ظهور تنظيمات مسلحة جديدة مثل تنظيم «داعش»، أُضيفت إلى التنظيمات المسلحة القديمة وتحالفت في ما بينها في المواجهات مع القوات الحكومية... وهو ما حصل في عمليات اجتياح محافظة نينوى وأجزاء واسعة من محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك.

صحوة أخرى.. متأخرة

لم يكن تفكيك مجالس الصحوات الخطأ الوحيد الذي ارتكبته حكومة المالكي التي استمرت في السلطة لثمانية أعوام، بل أن إبعاد بعض القادة السياسيين «السنة»، وهم من أبناء المنطقة الغربية من العراق، وتجميد مشروع المصالحة الوطنية، رسخا الإحساس بالتهميش والإقصاء لدى سكان تلك المناطق التي تمتد من الموصل مروراً بصلاح الدين وديالى وانتهاء بالانبار، والتي سمّيت بـ«المحافظات المنتفضة»، مما جعل أغلب تلك المناطق حواضن لمقاتلي «داعش» ووفر لهم الغطاء اللازم لتمددهم على مساحات واسعة تقدر بثلث العراق.
وقد تكون طروحات رئيس مجلس الوزراء الجديد حيدر العبادي، التي جاءت ضمن سياق برنامجه الحكومي المقدم الى البرلمان العراقي لنيل الثقة، والمتضمنة تشكيل الحرس الوطني من ابناء المحافظات لمقاتلة التنظيمات المتطرفة وبسط الأمن.. قد تكون الخطوة الأولى على طريق تقويض تلك التنظيمات، لا سيما أن ثمة حراكا دوليا واضحا لدعم العراق في مواجهة تطرف «داعش». إلا أن هذا لن يكفي، ولن يردع إعادة تشكّل تنظيمات مشابهة. فالأزمة مؤسسة على مشكلات سياسية واجتماعيّة تتمثّل بالبطالة، وانحدار مستوى التعليم، وصعود الأصوات الطائفية من رجال الدين والسياسة، بالإضافة إلى الشعور المستمّر لدى سكّان تلك المناطق بالتهميش من قبل السلطة والقوّات الأمنية، التي اعتقلت منهم خلال الأعوام التي تلت الاحتلال حوالي 130 ألف مواطن من دون عرضهم على المحاكمات.

مقالات من العراق

للكاتب نفسه

نساء يرتضين بدور "النسوان" في العراق

عمر الجفال 2016-09-08

احتفى إعلام أحزاب الإسلام السياسي في العراق بمراسلة رافقت العمليات العسكرية التي خاضتها القوات الأمنية وفصائل الحشد الشعبي ضدّ تنظيم "داعش" الذي سيطر على ثلث مساحة البلاد في حزيران /...