استفاق العراقي ليجد ابنه مشوّهاً

استفاق محمّد ليجد ابنه مشوّها. في الأمس رزق بصبي. فرح به وأخذه إلى المنزل. وفي صباح اليوم التالي رضع الولد من صدر أمه، إلا أنه كان يختنق كلّما تساقطت قطرات الحليب في فمه، وحينما أخذه والده إلى المستشفى اكتشف أن الصبي وُلِد من دون سقف حلق. محمّد هو أحد أولاد عمّي من الكسبة الذين لم يتموا دراستهم، وكلّف علاج ابنه حوالي 8 آلاف دولار بين رحلات إلى الهند وإيران، نظراً لغياب كوادر مؤهلة في
2014-06-19

عمر الجفال

كاتب صحافي من العراق


شارك
من الانترنت

استفاق محمّد ليجد ابنه مشوّها. في الأمس رزق بصبي. فرح به وأخذه إلى المنزل. وفي صباح اليوم التالي رضع الولد من صدر أمه، إلا أنه كان يختنق كلّما تساقطت قطرات الحليب في فمه، وحينما أخذه والده إلى المستشفى اكتشف أن الصبي وُلِد من دون سقف حلق. محمّد هو أحد أولاد عمّي من الكسبة الذين لم يتموا دراستهم، وكلّف علاج ابنه حوالي 8 آلاف دولار بين رحلات إلى الهند وإيران، نظراً لغياب كوادر مؤهلة في المستشفيات العراقية لإجراء هذا النوع من العمليات. أشاعت القصّة الرعب في العائلة، إذ لم يعد الأمر مهماً إن كان المولود ذكراً أم أنثى، وأصبحت الأمنية الوحيدة أن تكون الولادة سليمة، فيركض الأقارب إلى أولادهم فور الولادة متفقدين سلامة أعضائهم واحداً تلو الآخر، بعد تكاثر هذه الحالات التي سببتها الحروب المتتالية التي طالت العراق.

احتفال على طبول الخراب

في نيسان/أبريل عام 2003 كانت القوّات الأميركية لتفعل أي شيء من أجل إسقاط نظام صدّام حسين، ولتحقيق «حلم» الرئيس الأميركي السابق جورج بوش. كان لا بد من استعمال شتّى الأسلحة، حتّى المحرمة منها دولياً، فألقت الطائرات الأميركية على مدن العراق 1.5 مليون طن من قذائف اليورانيوم المنضَّب بحسب تقارير الأمم المتحدة. كانت هذه القنابل، (التي تعادل مئات أضعاف ما أُلقي على صربيا أثناء حرب البوسنة) تعشعش في أرحام الأمهات (ليست هذه استعارة إطلاقاً)، لتلد بعد أعوام أطفالاً مشوهين. بعد العام 2011، اختارت الحكومة العراقية تخصيص يوم في السنة للاحتفال بـ«يوم السيادة» وهو يوم رحيل القوات الأميركية. لكن الحكومة لا تعرف أو انها تتغاضى عن كون التشوه السياسي والاجتماعي الذي أعقب الاجتياح كما الانسحاب ليس من مخلفات الاحتلال الوحيدة، وأن من ستحكمهم في المستقبل القريب هم جيل يشكل المشوهون خلقياً نسبة كبيرة منهم، بعد تزايد الولادات المشوهة بشكل مرعب إبان غزو العراق.

البصرة بين تشوهين

كان عقد التسعينيات العراقي مشوهاً إلى أبعد الحدود، وقد بلغ صدّام حسين فيه أقسى جنونه بعد أن دخل في حربين طاحنتين وانتفاضتين (كادتا أن تطيحاه قبل القضاء عليهما). وصار الجسد العراقي ضحية مرة أخرى وإن تأجل هلاكه. فالحرب التي خاضتها 33 دولة وقصفت العراق عام 1991 لم تكن حرباً «نظيفة»، واستخدمت فيها قنابل مليئة باليورانيوم على مدن وقرى في شتى أنحاء العراق: بين تشرين الأول/ أكتوبر 1994 وتشرين الأول/ أكتوبر 1995 أعلن مستشفى الأمومة في البصرة أن 1.37 في المئة من أصل 1000 مولود ولدوا مشوهين. بقيت هذه الإحصائية يتيمة على الرغم من توقّع الخبراء في العراق ازدياد هذه الحالات، إذ إن النظام المنشغل بقمع المجتمع وعسكرته في الوقت نفسه، تقصّد إخفاء الإحصائيات خشية خلق حالة إحباط تؤدي إلى ثورة شعبيّة عارمة، خاصة أن الحالة الاقتصادية كانت تزداد سوءاً (نسبة الفقر المطلق بلغت 40 في المئة من عدد السكان). في الوقت ذاته، تاجر نظام صدّام حسين وإعلامه بالأطفال المشوّهين والمصابين بالسرطان والجفاف واستخدمهم في أفلام وتقارير لإدانة المجتمع الدولي بسبب فرضه الحصار على العراق. وفي العام 2003 تفاقم الوضع، وازدادت نسبة الأطفال المشوهين خَلقياً لتصبح 23 طفلاً من أصل 1000 مولود. تضاعفت هذه الولادات المشوهة خلال العقد التالي في مستشفى الأمومة نفسه، فمثلاً في العام 2007 بات 37 من أصل 1000 طفل يولدون مع تشوهات خلقية، بحسب تقرير لأخصائيين في البيئة من جامعة «ميشيغن» الأميركية.

غرب العراق كجنوبه.. الفلوجة تتكلم

لم يكن حال غرب العراق أفضل من جنوبه. فبعد تعليق جثث أربعة من العاملين في الشركات الأمنيّة الخاصة على أحد الجسور الرئيسة في المدينة، حاول الجيش الأميركي في العام 2004 اقتحام مدينة الفلوجة التي أصبحت حصناً للمقاتلين. كانت القوات الأميركية تسعى لاستعادة هيبتها المفقودة بعد ذلك الحادث. وبعد فشل كل المحاولات على مدى أسابيع، قام الطيران الأميركي بقصف المدينة بالفوسفور الأبيض. وبعد عام من اقتحام المدينة بدأت الآثار بالظهور. وبدأت الطبيبة سميرة العاني التي تعمل في مستشفى الفلوجة التعليمي منذ عام 1997، تلاحظ ازدياد نسبة التشوّه الخَلقي، فضلاً عن تزايد نسبة الإجهاض بشكل مخيف، وهو الأمر الذي دفع بها إلى التحدّث للإعلام ومنظمات الصحّة العالمية. كما أبدت د. العاني قلقها «لعدم وجود مركز لتوثيق هذه الحالات»، وقالت: «قبل الحرب (عام 2003) كنا نستقبل ما معدله حالتان أو ثلاث حالات تشوهات خلقية في الأسبوع الواحد، لكن العدد ارتفع كثيراً بدءاً من العام 2005».
ظلّت وزارة الصحّة صامتة إزاء كل التقارير التي نشرتها مراكز الأبحاث والصحف الأجنبيّة والمحليّة، الأمر الذي دفع مستشفى الفلوجة إلى إجراء إحصائية تبين فيها أن من بين 170 طفلاً وُلدوا في أيلول/ سبتمبر 2009 مات منهم 24 في المئة خلال الأيام السبعة الأولى، وكان 75 في المئة منهم مشوهين. وقارنت المستشفى هذه الاحصائية بأخرى أجرتها في آب/اغسطس عام 2002 حيث وُلد 530 طفلاً ومات ستة منهم فقط، وكان بينهم مشوه واحد.

الصحة الدولية والمحلية

نشر عدد من مراكز الدراسات الأجنبية تقارير تتناول تفاقم ولادة الأطفال ذوي التشوّهات الخَلقية عام 2010. كان من بينها تقرير جامعة «ميشيغن» الذي أقر في استطلاع له شمل 56 عائلة في الفلوجة بين عامي 2007 و2010، أن نصف الذين ولدوا في هذه العائلات يعانون من تشوهات خلقية. دفعت هذه التقارير منظمة الصحة الدولية ووزارة الصحة العراقية إلى إجراء مسح حول الأطفال المشوهين شمل 10800 أسرة، وكان من المقرّر أن يتمّ إطلاق التقرير في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، إلا أن ظروفا غامضة أدّت إلى تأجيله حتّى مطلع 2013. وعاد ليؤجل مجدداً إلى منتصف العام الماضي. وفي أيلول/سبتمبر الفائت عقدت المنظمة والوزارة مؤتمراً صحافياً لتعلن من خلاله نتائج التقرير (من دون أن تنشره) ولتبيّن أن معدّل الولادات المشوّهة في العراق... «طبيعي كما في البلدان الأخرى». إلا أن ممثل منظمة الصحة العالمية في العراق سيد جعفر حسين، أعلن خلال المؤتمر أن الدراسة التي أجريت بمشاركة 72 فريق عمل، لم تتطرّق إلى مدى ارتباط التشوّهات الخَلقية باستخدام اليورانيوم المنضّب من قبل جيش الاحتلال الأميركي، الأمر الذي دفع منظمات دولية إلى اتهام منظمة الصحة العالمية بالوقوع تحت الضغوط السياسية للدول الأعضاء فيها، ودفع علماء عربا وغربيين إلى استنكار «تعامل الحكومة العراقيّة مع نتائج البحث بسريّة تامة».لكن النتائج ذاتها التي قيل إنها ليست مدعاة للقلق، دفعت بمجلس الوزراء العراقي إلى عقد اجتماع خاص و«موسّع» في آذار/مارس الفائت «حول التشوهات الخلقية وأمراض السرطان» خلص إلى «تشكيل لجنة موحدة للعمل على متابعة الملف وإيجاد الحلول المناسبة بالتنسيق مع الجهات المعنية»، وهو شكل من التشكيك بإدعاء «طبيعية» تلك النسب.

الشرع.. عنصر مساعد!

ينجح الطب بإبلاغ الاهل بحال الجنين قبل ولادته. ولكن لا ينجح بتطبيبه، ويعجز عن التعامل مع واقع مرير ينتظر المواطنين وأطفالهم. تتعدد التشوهات الخلقية بين تورم الرأس ونقص أو زيادة احد الأعضاء الداخلية أو الخارجية، هذا إن بقي الطفل على قيد الحياة. ويعيش الطفل الذي يبقى على قيد الحياة حالة من الدونيّة التي يؤصّلها المجتمع العراقي الرافض للأشخاص المعوقين، لا سيما الذكور منهم، بسبب النزعة العشائرية التي تتغنّى بالقوّة العضلية و«الفحولة».
أما المعوقون من الإناث، فيقعن فريسة التلميحات بـ«العنوسة» التي سيعانين منها. وفي المجتمع العراقي الكثير من الأمثلة التي تُعيب على المعوق إعاقته.
كل هذه الأعراف دفعت بالأهل المنكوبين إلى اللجوء للدين لإغاثتهم. مثلاً يسأل شبّان شيعة على موقع أحد المراجع الدينية الكبار في النجف عن إمكانية إجهاض الطبيب لجنين مصاب بمرض خطير لكي لا يعيش مشوهاً، ويسألون عن الطرف الذي عليه تحمل الدية في حال إجهاضه، أهو الطبيب أم العائلة.
يأتي جواب المرجع على الشكل التالي: «مجرّد كون الطفل مشوهاّ أو أنه سوف لا يبقى حياً بعد ولادته إلاّ لفترة قصيرة، لا يسوّغ إجهاضه أبداً، فلا يجوز للأم أن تسمح للطبيب بإسقاطه، كما لا يجوز ذلك للطبيب، والطبيب يتحمّل الدية».يبدو العراقي أمام هول كل ما حصل وسيحصل له، إنسانا منزوع الحيلة، وكأن جميع القوى تضافرت من أجل أن يبقى حبيس أزمات متتالية.

مقالات من العراق

العراق: جنازة "حرية التعبير"

ليث ناطق 2019-03-13

هناك اتجاه لإقرار قانون "جرائم المعلوماتية" الذي يلاحق مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك تعميمات للمؤسسات الى موظفيها بمنع "المساس بالرموز الوطنية والدينية".. هكذا على الاطلاق، وفي الوقت نفسه لا يُقَر...

للكاتب نفسه

نساء يرتضين بدور "النسوان" في العراق

عمر الجفال 2016-09-08

احتفى إعلام أحزاب الإسلام السياسي في العراق بمراسلة رافقت العمليات العسكرية التي خاضتها القوات الأمنية وفصائل الحشد الشعبي ضدّ تنظيم "داعش" الذي سيطر على ثلث مساحة البلاد في حزيران /...