استهلاكية الشعر

الشعر اليوم مرآة مكسورة.. بينما قيل قبلاً: "أيتها الحياة، يا أرملتي" الشِّعر عابر للزمن. سنعيد قراءة قصائد لأمرؤ القيس الآن وكأنها كُتبت في الطابق العلوي من ناطحة سحاب، بينما سيذهب الكثير من الشِّعر السطحي الذي يكتب اليوم إلى الزوال. لم يَعدِ العنف في الشوارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تعد القنابل ورائحة البارود على الجبهات المفتوحة
2015-01-21

عمر الجفال

كاتب صحافي من العراق


شارك
| en
جنزير - مصر

الشعر اليوم مرآة مكسورة.. بينما قيل قبلاً:
"أيتها الحياة، يا أرملتي"

الشِّعر عابر للزمن. سنعيد قراءة قصائد لأمرؤ القيس الآن وكأنها كُتبت في الطابق العلوي من ناطحة سحاب، بينما سيذهب الكثير من الشِّعر السطحي الذي يكتب اليوم إلى الزوال.

لم يَعدِ العنف في الشوارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تعد القنابل ورائحة البارود على الجبهات المفتوحة في بلدان الثورات العربية فحسب، وإنما بات يتسرّب إلى النصوص، إلى الكتابة، وإلى الشِّعر على وجه التحديد. هكذا جُرّ الشعر إلى مكامن العنف، وصار جزءاً من مشاجبه ومن ديكوره العام.
أوقفتِ الحرب الأهليّة في لبنان عباس بيضون عن كتابة الشِّعر لسبعة أعوام. جنون الحرب والصخَب يجعل الشِّعر متوتّراً ومتسرّعاً ولاغيّاً للتأمل. لكن الشِّعر يكسر القواعد، شؤون كتابته ليست مُسلّمات، فمحمّد مظلوم، الشاعر العراقي، كتب قصائد وهو سائق دبابة في الحرب العراقيّة الإيرانية: "أيتها الحياة، يا أرملتي".
وإذا كان العنف والحرب لا يعنيان التوقّف عن الكتابة، إلا أن هذا لا يعني مجاراتهما، أو التماهي معهما، وإنما إدانتهما. إلا أن شابا سوريا يكتب من وسط الرماد: "في ليلة رأس السنة / سأهديك حزاماً ناسفاً"، بينما تهديه حبيبته "انفجاراً في كراج السومرية أو تحت المتحلق الجنوبي"، ويهديهما الله "قذيقة هاون عمياء". ليس هذا شعراً غريباً، إنه يُكتب اليوم بكثرة. صار نمطاً وأسلوباً، أصبح مألوفاً، وله أماكنه التي يُقرأ فيها، ويُدافع عنه. وليست المشكلة وحدها في بذرة العنف داخله، وإنما تلك السطحيّة الموجودة فيه.. ليس الشّعر منعزلاً عن الواقع، ولا متنكّراً له، فهو ابن الحياة، لكن للشِّعر طريقته الواعية في وصف الأمور والتفكّر بها، هو ليس ناقلا حرفيا لما يحدث، وإنما متأمل لما تؤول إليه الأحداث. الشِّعر ليس ابن العجالة والعفويّة الساذجة، هو روح العالم الجوانيّة، المكسورة والمذعورة والخائفة والثائرة والحُرّة في آن. هو ليس استهلاكا للأحداث ووصفها وانطباعها، وإنما غائر في مجاهلها وقلقها.
الشِّعر اليوم بات مرآة مكسورة. دخل مرحلة الهزّات. أفسدته الميديا. صار "نوع الشِّعر" الغارق في "العاديّات" و "المُفرقات" يخلق نشوة كبيرة لدى القرّاء على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، فهو بالنسبة لهم صادم وجديد وينهل مفرداته من الوقائع اليوميّة. لكن الشِّعر عابر للزمن. سنعيد قراءة قصائد لأمرؤ القيس الآن وكأنها كُتبت في الطابق العلوي من ناطحة سحاب، بينما سيذهب الكثير من الشِّعر السطحي الذي يكتب اليوم إلى الزوال، يُشطب بعد يوم من نشره، لن يعود له مكان فور اختفاء الفوران، لا يعلق منه شيء في الذاكرة بعد حلول الرخاء. هو شعر مرتبط بالحدث وينجلي بزواله. وهذه أزمة تقنيّة، لأنه شعر مباشِر يعاني من التسطيح لدرجة اقترابه من المقال السياسي أو الخاطرة، أو الستاتوس على "الفيسبوك".
يكتب أغلب الشّعراء بتحفيز المتلقي الذي يعاني من الاختصار في الحركة والقراءة، ويُؤخذ الشاعر بمجاراة المتلقّي وكتابة شعر سهل جدّاً وطيّع وفكاهي. وهذه الكتابة لا تجعل الشعر قابلا للعيش بسبب ارتباطه بزمان ومكان محددين، بجميع أحداثه وشخوصه، من دون توريات أو استعارات، يسرد الوقائع من دون كثافة ولا إيجاز، يردم المسافة بين الشِّعر والنثر.
لا يلغي كل هذا وجود شعراء جيدين، مُصغين لهسهسة الطبيعة، وقعقعة الحرب.. لكن الطغيان للسيئ، والسيئ مُعْدٍ، خاصة بوجود الإعلام الاجتماعي. يطفح السوء على السطح ، ويُلغي أرشيف الحياة التي يكتبها الشِّعر، الحياة بسعادتها وألمها وخوفها.
 

من ملف  "سنة رابعة ثورة"

مقالات من العالم العربي

للكاتب نفسه

العراق الشاب.. أعزلٌ في وجه "اللادولة"

عمر الجفال 2019-10-22

تندّر السياسيون على دعوات الشباب للتظاهر قبل انطلاقها بساعات. عاملوهم على أنّهم قاصرون. أطلقوا عليهم لفظ "العوام": لا يستطيعون تنظيم أنفسهم، غارقين في الجهل، يصعب فهم لغتهم التي يروّجون فيها...