إنتخابات العراق 2018: الحريق والانهيار!

كشفت الانتخابات عقم العملية السياسية واضطرارها لتزوير نسبة المقترعين وللتلاعب بالأصوات، وهو ما كان سينكشف عند الفرز اليدوي ويضع المتنافسين أمام خطر الصدام العنيف. وحريق الاوراق آخر حلقات الفشل.
2018-06-12

صفاء خلف

شاعر وكاتب من العراق


شارك
الدخان المتصاعد من حريق مقر تجميع أوراق الانتخابات في بغداد (رويترز)

أفرزت الانتخابات النيابية، بنسختها الرابعة في العراق، واقعاً سياسياً جديداً يتعلق بنمط الانقسام الذي أشّر إلى فشل "العملية السياسية" القائمة منذ العام 2003 والتي لم تفلح بترسيخ "الديمقراطية" كواقعة طبيعية محمية بالدستور والوعي الشعبي والنظام الحاكم، على الرغم من انقضاء 15 عاماً مذاك، وأظهر أنها عملية تُسيّر بـ"الازمات". أما تداول السلطة، فكان شكلاً من اشكال تدوير إنعدام النظام.

انهيار تداول السلطة

جرت اثنتان من النسخ الثلاث الفائتة بضغط اميركي مباشر لاسناد الخروج من حقبة صدام حسين وتبرير الغزو العسكري، فيما كانت النسخة الثالثة انعكاساً للاستئثار بالسلطة بظل التشتت الطائفي وتوزع العراقيين على خنادق الانقسام المذهبي.

الانتخابات النيابية لعام 2010 افرزت واقعاً جديداً ايضاً، كان بمثابة انقلاب بحراب نظيفة على الفائز انتخابياً، واستعملت فيها أدوات كارثية لتكريس السلطة لدى مكون بعينه، وافضى ذاك التكريس الى انفلاش مبدأ "التداول السلمي" للسلطة، حين حرمت اللائحة الاكثر اصواتاً - لائحة اياد علاوي – من تشكيل الحكومة، وابتدعت المحكمة الاتحادية العليا في البلاد تفسيراً غريباً على مقاس الاسلاميين، وبالاخص لائحة "حزب الدعوة" ("ائتلاف دولة القانون") يقول بأن الكتلة الاكبر هي تلك التي تتشكل داخل مجلس النواب.

وخلال السنوات التي أدار نوري المالكي بها السلطة (2006 – 2014) مورست الحيل السياسية لحرمان المنافسين من تنظيم صفوفهم او موازنة الكفة المائلة الى جناح دون آخر، فيما التنازلات التي منحت والاتفاقات البينية السرية تسببت بكوارث أمنية وسياسية فيما بعد، أبرزها خروج المحافظات ذات الغالبية السُنية عن السلطة المركزية، ومن ثَمّ سقوط الموصل واحتلال 40 في المئة من مساحة العراق من قبل التنظيم الارهابي "داعش"، اضافة الى التمرد الكردي الذي كان يتمفصل على مخيال العقل الاقصائي للمالكي – الاسلاميين الشيعة.

يعتقد الكثيرون ان تداعيات تلك الحقبة قد ذابت خلال السنوات الاربع الاخيرة (2014 – 2018)، لكن الحقيقة ان تأثيرها ظل حاكماً لـ"العملية السياسية"، وظلت روح الانقسام التي تجلت منذ 2003 تشرب من البئر المالحة ذاتها.

السلاح يختطف التجربة

في الانتخابات النيابية الاخيرة (أيار/ مايو 2018) تمثل الواقع الجديد الذي خرج من تلك البئر المالحة بحقيقة أن "العملية السياسية" لم تؤسس اطاراً واضحاً للقوى المتصارعة على السلطة، ولم تحقق شرطها الموضوعي بتخليق كيانات حزبية على نحو يضمن الاستقرار. فحالة الانفلاش والانقسام والتشتت بانت على أشدها، وانتقلت هذه المرة الى الساحة الفئوية الضيقة. فالصراع الطائفي والقومي الذي كان متمتعاً بالفوضى الامنية، انتقل الى داخل حلبة المكونات نفسها.

ابرز افرازات مرحلة ما بعد المالكي – سقوط الموصل، هو تحوّل الفصائل المسلحة المدعومة ايرانياً من جماعات صغيرة ذات تأثير محدود، الى جماعات تملك نفوذاً كبيراً على الارض، حتى باتت موازية لقوة الدولة/ السلطة، واستطاعت ان تفرض صيغة جديدة من الوجود السياسي المتأسس على الامساك بالارض والدعاية الضخمة التي سوّقت هزيمة "داعش" على انه نصر ثأري لمكون معين تجاه مكونٍ آخر استمر يتمرد طيلة عقد ونصف.

نجحت تلك المجموعات باختراق الدستور وقانون الاحزاب الذي "يُحرّم" على الجماعات المسلحة التدخل السياسي والمشاركة في الانتخابات. لكن حيّل "العملية السياسية" المرنة والهشة، والمصممة على مقاس صاحب النفوذ الاقوى، ابتدعت تفسيراً كارثياً آخر، مشابهاً لتفسير المحكمة الاتحادية في العام 2010، فعملت حكومة السلطة على اقرار "قانون الحشد الشعبي" الصوري الذي أمّن غطاءً قانونياً لتحافظ تلك المجموعات على سلاحها وتضمن سطوتها في حلبة التنافس.

وازاء هذه القوة الجديدة، تراجعت حظوظ القوى التقليدية على الساحة الشيعية، كمؤشر واضح على أن فكرة التنظيمات الحزبية تساوي صفراً في معادلة اعادة التموضع والنفوذ في العراق، بلا سطوة السلاح الخارج عن الدولة.

في الانتخابات النيابية الاخيرة (ايار/ مايو 2018) تمثل الواقع الجديد الذي خرج من تلك البئر المالحة، بحقيقة أن "العملية السياسية" لم تؤسس اطاراً واضحاً للقوى المتصارعة على السلطة، ولم تحقق شرطها الموضوعي بتخليق كيانات حزبية على نحو يضمن الاستقرار.

خسرت القوى الشيعية التقليدية الكثير من مراكز قواها لصالح الجماعات المسلحة، وباتت اللوائح والقوى التقليدية التي تنجذب لبعضها في كل نسخة انتخابية، بمستوى متدنٍ من الشعبية، فيما القوى السُنية واجهت معضلة موجعة بسبب أن الجسم الاصلي لناخبيها بات موزعاً على نحو 91 مخيماً للنزوح، والمدن الرئيسة باتت مدمرة، والحالة الطبيعية لاستجابة الجمهور كانت معدومة، فضلاً عن تشظي القوى السياسية وسقوط الواجهات الطائفية التي كانت تمثل "الحلم السُني" بموازنة الهيمنة الشيعية. وانجذبت الى لاستقطاب الاقليمي، ميلاً الى طهران أو أنقرة أو الرياض أو أبو ظبي أو الدوحة. وبالطبع فان واشنطن تملك فصيلها السني ايضاً، كما فصيلها الشيعي.

وعلى المقسم الكردي، دمرت خطوة الاستفتاء على الانفصال وتداعياتها قاعدة الثقة عند الجمهور في الاقليم، وعززت من القناعة بأن الاحزاب التقليدية ايضاً ستستمر بالاخطاء ذاتها إن لم يتم تفكيكها.

بالطبع، خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، كان الفساد سيداً مهاباً لم تمس سلطته العميقة، وغالب محاولات تحجيم تلك السلطة كانت تذوب في سائل الخلل العميق في الدولة العراقية بكاملها ويُبخر الامال بـ"ثورة اصلاحية" تعيد التوازن الى بلد منهار.

تفكك صُناع الخراب

أفرزت التقاطعات الحادة بين القوى النافذة المتصارعة على السلطة في العراق انقساماً أظهر منذ البداية ان الطريق شاق وطويل جداً امام تشكيل حكومة عراقية جديدة (2018 – 2022)، فلأول مرة، ينقسم حزب الدعوة الحاكم على نفسه وتعصف الخلافات الداخلية بين محور رئيس الحكومة الحالي حيدر العبادي ومحور أمين عام الحزب نوري المالكي، الذي يعتقد بعدم أهلية العبادي لرئاسة الحكومة. ويفضي هذا الصراع الى حرمان الطرفين من تمثيل الحزب في الانتخابات النيابية، ليستقر التنازع على لائحتين هزيلتين هما "النصر" (العبادي) و"ائتلاف دولة القانون" (المالكي).

بينما إئتلفت الفصائل المسلحة المدعومة ايرانياً في "تحالف الفتح" بزعامة رئيس "منظمة بدر"، هادي العامري. و آثر عمار الحكيم، عقب انشقاقه عن المجلس الاعلى، النزول الى الحلبة منفرداً بـ"لائحة الحكمة". واستكمالاً للعبته الدعائية، راح مقتدى الصدر الى تشكيل تحالف صدري خالص تحت عنوان "سائرون"، بنيته الاساسية "حزب الاستقامة" وريث "كتلة الاحرار" بتطعيم هزيل مع الحزب الشيوعي العراقي لحيازة موجة التظاهرات الشعبية الرافضة لسوء السلطة وركوبها.

في المقسم السُني، كانت التحالفات كالهلام الذي يتشكل كل لحظة وفقاً لدرجة الاهتزاز، وباتت التقاربات والتحالفات مبنية على الثأرية من المواقف السابقة والمصالح المستجدة، كما في المقسم الشيعي، وفقاً لنفوذ المشغٍّل الاقليمي. ولأنها لم تفلح بضبط تشتتها، انهارت غالب القوى السنية ولم تحقق توازنها المطلوب.

وكردياً، تحولات ما بعد فشل الانفصال والوضع السياسي والاقتصادي الضاغط، خلقت بيئة من العداءات الحادة والخنادق الجديدة مع بروز تيارات كـ"الجيل الجديد" و"حركة التنمية" التي يقودها برهم صالح، فيما ظل الحزبين العتيدين عند مواقعهما التقليدية يحاولان التخفيف من حظوظ المنافسين الجدد وابرزهم "حركة التغيير".

واجهت القوى السُنية معضلة أن الجسم الاصلي لناخبيها بات موزعاً على نحو 91 مخيماً للنزوح، والمدن الرئيسة مدمرة، والحالة الطبيعية لاستجابة الجمهور معدومة، فضلاً عن تشظي القوى السياسية وسقوط الواجهات الطائفية التي كانت تمثل "الحلم السُني" بموازنة الهيمنة الشيعية. وانجذبت الى الاستقطاب الاقليمي، ميلاً الى طهران أو أنقرة أو الرياض أو أبو ظبي أو الدوحة..

في النسخة الرابعة من الانتخابات النيابية، بدت قوى "العملية السياسية" تراهن على المعتقدات المتآكلة نفسها للنسخ السابقة، وتعول كثيراً على هزيمة "داعش" الارهابي، بوصفها طوق نجاة هائل يرفع مجدداً الى السلطة كل القوى الفاشلة، لاسيما الشيعية، كتدوير جديد لنمط الحكم القائم.

وتحقيقاً لعمل تلك الرافعة، كان قانون الانتخابات المقر وفق قاعدة "سانت ليغو المعدلة" التي تقوم على النسبية، هو الحجر الام، فيما الحجارة المتبقية أمل أن تتمثل بنسبة تصويت مرتفعة يمكنها أن تغطي على التزوير لتدوير حصص ووجوه كل القوى.

وكان سند كل ذلك هو مجلس مفوضين جدد يؤتمن على تمرير الصفقة الانتخابية. وعملياً استطاعت القوى تعيين مجلس جديد لمفوضية الانتخابات لهذه الدورة تشكل وفقاً للتصنيف الطائفي والقومي والحزبي، لمراقبة حصص وتوزيعات الصفقة وادارتها، لكن يبدو انه فشل ايضاَ.

وتزويقاً لعملية شكلية، ارتأت المفوضية (الحزبية وغير المستقلة) بضغط من الامم المتحدة، اعتماد اجهزة تسريع اقتراع الكترونية، تقلل من نسبة التزوير المعتادة، وتسرّع من اعلان النتائج بعد ساعات منعاً لضغوط القوى لتغيير تلك النتائج او تعديلها. وبالطبع فأن سيلاً من الاجراءات اتخذ لتطبيق فرضية "انتخابات الكترونية نظيفة"، ومنها ان عملية العد والفرز تجرى اوتوماتيكياً بعد اقفال صناديق الاقتراع الكترونياً، تبدأ اجهزة التسريع بنقل النتائج الى الوسيط الناقل (V-SAT) ومقره دولة الامارات العربية المتحدة، الذي يقوم باعداد مصفوفات الفرز والعملية الحسابية المعقدة لكل محطات الاقتراع، ويرسلها الى المركز الوطني في بغداد لتعلن النتائج النهائية بغضون ساعات. لكن...

كانت القوى المتصارعة على دراية دقيقة بتلك الاجراءات، لأن مجلس المفوضين يمثل مصالح تلك القوى، فتسربت الثغرات، حتى ان بعضاً من القوى اشترت أجهزة مشابهة لاجهزة الاقتراع الالكترونية، واختبرت طرق التزوير عليها، فيما قوى اخرى استقدمت فرقاً لفنيين من خارج البلاد للتدخل في تغيير المعطيات الانتخابية. فحجم التزوير الذي كشفت عنه لجان التحقيق الحكومية والنيابية وإشارات المفوضية، كان هائلاً وتجاوز مليون بطاقة انتخابية في عموم البلاد.

بينما كان التصويت الخاص واقتراع الخارج فضيحة مدوية، حين عدلت نتائج التصويت لانقاذ نسبة الاقتراع العام الضئيلة، ومنح مرشحين خاسرين أصوات المغتربين لضمان وصولهم الى الندوة البرلمانية.

المقاطعة والتزوير: الانهيار والكارثة

المفاجأة التي لم تكن بحسبان القوى المتنافسة، والتي كانت تعول على تسويف التزوير عبر نسبة مشاركة الناخبين المرتفعة التي من شأنها خلق توازن بين الاصوات الصحيحة والمزوّرة.. المفاجأة كانت إذاً في أن نسبة الاقبال والمشاركة في الانتخابات كانت متدنية جداً، ولم تتعد 30 في المئة في عموم البلاد (بحسب الرصد الصحافي وتقارير منظمات المراقبة) بمعنى ان اقل من 5 ملايين ناخب فقط توجهوا الى مراكز الاقتراع من اصل 24 مليوناً. فيما لم تعلن المفوضية عن الاوراق غير الصحيحة!

وما يعني أيضاً أن الاصوات الصحيحة الموضوعة بتلك الصناديق المحروسة بالاقفال الالكترونية، كانت اصوات جمهور القوى والاصوات المُشتراة.. وأي محاولة تزوير ستنكشف نظراً لمعرفة احجام كل جماعة سياسية.

عاملان اساسيان كشفا مهزلة الانتخابات العراقية 2018، الاول: نسبة التصويت المنخفضة جداً على الرغم من اعلان المفوضية انها كانت 44.52 في المئة، وهو تزوير لجهة ان المفوضية احتسبت نسبة التصويت الخاص (القوى الامنية + ناخبي الخارج) كنسبة موازية لنسبة التصويت العام، لا كنسبة ضئيلة تمثل 800 الف ناخب فقط هم المشاركين الفعليين.

كانت القوى المتصارعة على دراية دقيقة بآليات التصويت الالكتروني فتسربت الثغرات، حتى ان بعضها اشترى أجهزة مشابهة لاجهزة الاقتراع الالكترونية، واختبر طرق التزوير عليها، فيما استقدمت قوى اخرى فرقاً لتقنيين من خارج البلاد للتدخل في تغيير المعطيات الانتخابية. وحجم التزوير الذي كشفت عنه لجان التحقيق الحكومية والنيابية وإشارات المفوضية، كان هائلاً وتجاوز مليون بطاقة انتخابية في عموم البلاد.

المشاركة المتدنية ــ لعبت الدعوة الى المقاطعة على مواقع التواصل الاجتماعي دوراً فيها ــ لم تسمح إذاً بالتغطية على عملية التزوير، كما ان التعديل الجديد لقانون الانتخابات الغى ما كان يعرف بـ"المقاعد التعويضية"، أي تلك المقاعد التي هي بالاساس لقوى صغيرة لم تستطع الوصول الى "العتبة الانتخابية" فتضاف اصواتها الى اصوات القوائم الكبيرة ذات الاصوات الاعلى "منعاً لهدر اصوات الناخبين!".

العامل الثاني: ان القوى المتصارعة فقدت غالبية وجوهها القيادية المهيمنة على صنع القرارات بمجلس النواب، فضلاً عن ارتباطها بالمشغلين الاقليميين وأبرزهم طهران وانقرة، اللتان خسرتا رجالهما المخلصين هناك، وبات المشهد خالياً من رموز ادارة الصراع السياسي والفساد والتصعيد الطائفي، حتى بلغ عدد النواب الخاسرين نحو 100 نائب، ما دفع القوى الخاسرة ومشغّليها الاقليميين الى قلب الصندوق على رأس "العملية السياسية"، والذهاب الى خطوة تصعيدية خطرة، تتمثل بتجميد مفوضية الانتخابات واعادة عد وفرز جميع الاصوات التي تدعي المفوضية انها اكثر من 10 ملايين صوت صحيح بقليل، بانتداب هيئة قضائية، والغاء نتائج التسريع الالكتروني بالمطلق، والغاء التصويت الخاص، بعد اقرار التعديل الثالث لقانون انتخابات العام 2018.

ثمة نار مستعرة تحت رماد الهدوء في العلن. فالقوى الفائزة كالصدر والعبادي وتحالف الحشديين والقوى الكردية وجزء من القوى السُنية قلقون من الخطوة الانقلابية، خشية فقدان مقاعد، وبالتالي اختلال القوة التي صنعتها نتائج الفرز الالكتروني، والتي أعطت الصدر كفائز متقدم على الحشديين والعبادي بفارق ضئيل، بينما الحزبين الكرديين ("البارتي" و"اليكيتي") قلقان نظراً لتورطهما بالتزوير في المنطقة الكردية ما اثار سخط القوى المنافسة لهما والتي تسعى الى الغاء نتائج الاقليم واعادة الانتخابات بالمطلق.

حريق بغداد: شرارة البركان

بالطبع، لا تحالفات مجدية لتشكيل ما يعرف بـ"الكتلة الكبرى" التي تكلَّف بتشكيل الحكومة المقبلة، فالنتائج التي على اساسها تمت مشاورات ما قبل الانقلاب النيابي، كانت ستتغير عند نتائج العد والفرز اليدوي، ولربما تتقدم قائمة ما على أخرى وتشعل صراعاً يصل الى الصدام المسلح. لذا جاء حريق الاوراق الانتخابية ببغداد يستعجل الصدام. ولا يمكن على وجه التحديد معرفة نتائج إبطال العملية الانتخابية واحراق ادلتها، سوى ان المتنافسين ارغموا على الذهاب الى الخطوة الاعنف لتفادي انكشاف الخلل والتزوير وتغير موازين القوى الضابطة واحتدام الصراع بين المشغلين الاقليميين بعد فشل التسوية وفرض ارادة ازاء اخرى. لذا سيكون الخيار الاكثر معقولية والاقل عنفاً، عقد انتخابات جديدة في كانون الاول/ديسمبر المقبل بالتزامن مع انتخابات مجالس المحافظات.

يجري تبادل التهديدات المبطنة والرسائل التفجيرية النارية في العاصمة وكركوك على حد سواء. ففي كركوك اعتصم التركمان 27 يوماً، تنديداً بنتائج الفرز الالكتروني مطالبين بـ"اليدوي"، بدفع وغطاء سياسي واضح من حكومة انقرة لموازنة كفة صعود غرمائها الكرد. وفي بغداد، كان الصدر يتحرك مثل "ولي فقيه" يمنح بركاته من اجل تشكيل حكومة يكون هو اللاعب الاقدر فيها، مطلقاً حيلة مضافة لحيل "العملية السياسية"، معتبراً ان حكومته ستكون "أبوية"، فانفجر كدس هائل للسلاح في معقله الرئيس في الضاحية الشرقية لبغداد (مدينة الصدر) وكأنه قنبلة نووية صغيرة، اذاب مربع سكني بالكامل وخلف عشرات القتلى والجرحى من انصاره. فصمت.

لا يمكن ان يكون حريق بغداد صدفة. فالصراع على السلطة بين المتنافسين سيذهب الى ابعد من حريق لتضييع دلائل التزوير‬، ولضمان حيازة السلطة‬ مجدداً والاستمرار بخداع العراقيين بـ"عملية سياسية" اشبه بادارة مرزعة اقطاعية، هي بالاصل صنيعة ليست بالصدفة. هذا الحريق يدلل على ان المتنافسين لديهم كامل النية باحراق البلد كله ان مست مصالحهم.

بين انفجار مخزن سلاح تابع للصدر وحريق مقر تجميع اوراق الانتخابات في بغداد، نحو 48 ساعة من الحراك المتشنج والتهديدات المبطنة والمتبادلة، لتعديل قانون الانتخاب وتصفية الحساب بين المشغلين الاقليميين والرعاة الدوليين، وهو أسقط الجميع في فخ المواجهة المحتومة. فحاول رئيس الجمهورية (المنحاز) فؤاد معصوم لملمة الكارثة، فانعقد اجتماع (بوم السبت 9 -6) لكل القوى المتصارعة انتخابياً لم يحضره رئيس الحكومة حيدر العبادي. وفض الاجتماع بفشل التوصل الى اتفاق. ولم تمض ساعات حتى كان حريق بغداد الذي دلل على ان المجتمعين تلك الليلة خرجوا وهم يشحذون سكاكينهم للمواجهة.

وبالطبع القوى الحشدية لوحت بنسف "العملية السياسية" بالكامل اذا تغيرت النتائج، لاسيما منها "عصائب اهل الحق". فالحركة قفزت من مقعد واحد يتيم في البرلمان الحالي الى 15 مقعداً ضمن النتائج الالكترونية، متقدمة حتى على نتائج "منظمة بدر" التي تملك شعبية ملموسة ببعض المناطق، وايضاً قفزة الصدريين وثنائي السلطة في كردستان (حزبي بارزاني وطالباني) والقوى المتصارعة في الانبار والمحافظات السُنية، ونسبة الاصوات الخيالية التي حازها نوري المالكي في بغداد (نحو 100 الف صوت)، وأعمال الترهيب والتزوير وتعبئة صناديق الاقتراع في المحافظات الشيعية باوراق غير مفحوصة الكترونياً.. كلها تشير الى صحة تهمة التزوير والى بطلان الانتخابات. وقد شدد على ذلك المبعوث الاممي "يان كوبيتش" في بغداد، باحاطته نصف السنوية لمجلس الامن، حين اكد ان انتهاكات رهيبة مورست خلال العملية الانتخابية تستدعي التشكيك بالنتائج!

حريق بغداد احرق عملية سياسية فاشلة وفاسدة منذ 15 عاماً، وهو نتيجة لانعدام "الدولة" منذ تأسيس العراق الحديث، ولانعدام الحالة الوطنية كذلك، وهو نتيجة مباشرة للفساد والتحايل والافلات من العقاب بظل انعدام مؤسسات حقيقية ومجتمع واع لحجم الكارثة.

لا يمكن ان يكون حريق بغداد صدفة. فالصراع على السلطة بين المتنافسين سيذهب الى ابعد من حريق لتضييع دلائل التزوير‬، ولضمان حيازة السلطة‬ مجدداً والاستمرار بخداع العراقيين بـ"عملية سياسية" اشبه بادارة مرزعة اقطاعية، هي بالاصل صنيعة ليست بالصدفة. هذا الحريق يدلل على ان المتنافسين لديهم كامل النية باحراق البلد كله ان مست مصالحهم...

مقالات من العراق

للكاتب نفسه

مياه العراق: موسم الهجرة إلى الكارثة

صفاء خلف 2018-06-04

تتناقل، مؤخرا، وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة أخباراً مصحوبة بالصور والفيديوهات عن جفاف نهر دجلة (وسيليه جفاف نهر الفرات) في العراق.. وكأن في الأمر مفاجأة أو كأنه نتيجة كارثة طبيعية،...