تجارة البازار في مدن الجزائر.. وقراها

يرفض العديد من الباعة "الفوضويين" دعوات مسؤولي البلديات لإدماجهم في "مراكز تجارية" انجزت ضمن مشروع "100 محل لكل بلدية"، ويستمرون بممارسة تجارة البازار أمام أعين السلطات الوصية.
2018-06-07

محمد مرواني

باحث وكاتب صحافي من الجزائر


شارك
| en
همام السيد - سوريا

تم دعم هذه المطبوعة من قبل مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المطبوعة أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

في وسط مدينة "وهران" التي تعد عاصمة الغرب الجزائري، يعرض العشرات من الشباب منتجات تجارية بأسعار معقولة تلقى اقبالاً شديداً من الأسر الجزائرية التي ما زالت تفضّل الأسواق الشعبية على المحلات التجارية الرسمية، وخاصة تلك التي تختص ببيع الخضر والفواكه والمواد الاستهلاكية الأساسية كالزيت والسكر والحليب، والأخير عرف اضطراباً في توزيعه.. وفي تعليقات على منابر التواصل الاجتماعي تهكم الجزائريون من ندرته في الاسواق مذكرين بسنوات الثمانينات من القرن الفائت التي كانت تشهد طوابير تنتظر لاقتناء الخبز والحليب، وذلك بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي عاشتها البلاد حينذاك بعد هبوط أسعار المحروقات فجأة.

تسمى هذه بـ"الاسواق الفوضوية" (في نظر السلطات الرسمية المركزية والمحلية). وهناك قطاع واسع من الباعة غير المصرح بهم لدى مصالح السجل التجاري بمختلف المحافظات الجزائرية (48 محافظة). وفي مدن كقسنطينة، ووهران، والجزائر العاصمة، تنتشر صورة اعتاد عليها الجزائريون وهي البيع على أرصفة الشوارع، حيث يفرض المئات من الباعة، وجلهم من الشباب، حضوره على السلطات المحلية في البلديات والولايات.

رفض الاندماج في "سوق الدولة"

ظاهرة أخرى هي رفض معلن من قبل المئات من المرشحين لممارسة الانشطة التجارية بالبلديات والولايات لأي اندماج في مشاريع أنجزتها السلطات العمومية تخص تقنين وتنظيم قطاع التجارة غير المنظمة في نطاق واسع من البلديات التي يبلغ تعدادها في البلاد 1541 بلدية.

أحد الشبان بمدينة مستغانم في الغرب الجزائري، يتاجر بالهواتف النقالة بـ"سوق عين الصفراء" الشعبي ويعرف نفسه بأنه بطّال، يقول: "الكثير من المحلات التجارية التي انجزت من قبل البلدية لا يتلائم مع الحركية التجارية، كأن لا تكون أمكنتها مناسبة ومحفزة على ممارسة النشاط التجاري، فلا تحقق جني شيء من المال اقتات به في حياتي بشكل يومي ومنتظم". ويضيف أن البائع لا يحتاج إلى محل تجاري في سوق "عين الصفراء" بل يكفي أن يعرض عدداً بسيطاً من السلع التي بحوزته حتى يجتمع حوله العشرات من الزبائن، الذين يأتون لسببين أولهما السعر المنخفض نسبياً للسلعة مقارنة بسعرها في المحلات التجارية المنظمة، والثاني هو امتلاك هذه الاسواق الموازية لفرص ثمينة لدى الزبائن الراغبين في إعادة بيع السلعة مجدداً لجهات أخرى قد تكون محلات تجارية تملك صفة "النظامية". وهذا السبب الثاني، حسبما قال الشاب، هو فعلياً إحدى الطرق الممهدة للغش والتحايل.

تشير أرقام قطاع الداخلية والجماعات المحلية أنّ 63 في المئة من المحلات التجارية بالبلديات غير مشغولة من أصحابها بعد أن خصصت لها الحكومة غلافاً مالياً لانجازها، بل حُوِّل بعضها الى مقرات لجمعيات أو الى مقاهٍ..

يرفض إذاً العديد من الباعة "الفوضويين" دعوات مسؤولي البلديات لإدماجهم في "مراكز تجارية" انجزت ضمن مشروع "100 محل لكل بلدية"، ويصرّون على ممارسة التجارة الموازية أو "تجارة البازار" أمام أعين المسؤولين والسلطات الوصية. وتشير آخر الأرقام ان 100 ألف محل تجاري انجز بالجزائر وبلدياتها ما زالت غير مستغلة، وتعاني سوء التسيير. وهذه المحلات مهجورة وفارغة منذ سنوات طويلة. وتشير أرقام قطاع الداخلية والجماعات المحلية ان 63 في المئة من المحلات التجارية في البلديات غير مستغلة من أصحابها بعد ان خصصت لها الحكومة غلافاً مالياً معتبرا لإنجازها.. بل حوِّل بعضها الى مقرات لجمعيات او الى مقاهٍ.

لماذا فشلت السلطات في القضاء على التجارة الموازية؟

تكرّر كثيراً ومرارا هذا السؤال على منصات قنوات ومنابر الاعلام الجزائري: "لماذا لم يتم القضاء على التجارة الموازية على الرغم من مجهودات السلطات العمومية في هذا المجال، سواء على مستوى انجاز المراكز التجارية أو تحسيس الباعة الفوضويين بضرورة الاندماج في ثقافة التجارة المقننة المنظمة؟".

وأغلب إجابات المختصين في المجال الاقتصادي والمالي تقول إن العديد من المشاكل الاقتصادية والمالية التي تواجه السياسة الاقتصادية في الجزائر إنما مردّها الى سيادة عقلية التسيير بمفهوم القرار المركزي من قبل الادارات والمؤسسات الوصية.

كما ان غياب رؤية واستراتجية عمل على المدى البعيد لدى المسؤولين المحليين ومسيري المحافظات في ادارة انتشار التجارة الموازية جعل من أخطبوطها في الجزائر يتمدد الى ان وصل الى البلديات الصغيرة التي لم يكن فيها أي أسواق للتجارة الموسمية ولا حتى الموازية. بلدية صغيرة كـ"حجاج" التي تقع بمحافظة مدينة مستغانم، على بعد اكثر من 450 كيلومتر عن الجزائر العاصمة، صار فيها سوق يرابط فيه على أرصفة الشوارع العشرات من الشباب عارضين سلعاً لأجهزة منزلية وملابس شتوية وصيفية يبيعونها.

من جهة أخرى تشير مماطلة بعض "الأميار" (وهو تعبير بالدارجة يشير الى "رؤساء البلديات"، وهو جمع كلمة maire الفرنسية!) في مواجهة تمدد ظاهرة الباعة غير النظاميين ببلدياتهم الى احتمال ان يكون مسؤولون محليون يشاركون النشاط بأشكال مختلفة. فالكثير من المنتخبين الذين يسيّرون مجالس بلدية في الجزائر يوظفون وجود هذه الاسواق في حملاتهم الانتخابية، ويعدون الباعة، وهم كثر ومن الشباب، بابقائهم في الوضع القائم دون المساس بمصالحهم، بما يشبه اتفاقاً غير رسمي بين المسؤول المحلي في البلدية والباعة، دون أن تجني خزينة البلدية ديناراً واحداً.

أضرار على الاقتصاد الجزائري

تشير آخر التقديرات لمؤسسات وهيئات رسمية في الجزائر أن عدد العاملين في الاقتصاد الموازي تجاوز 60 في المئة من اليد العاملة خلال السنوات الثلاث الاخيرة. السبب هو الوضع المالي الصعب الذي تعيشه البلاد، على الرغم مما يقال في أوساط سياسية موالية للسلطة عن هامش من المناورة تتحكم فيه الدولة لإدارة الوضع. إلا أنه لا يبدو ان القضاء على التجارة الموازية يشكل أولوية في أجندة الولاة والمسؤولين المحليين الذين يركزون على برامج الاسكان والتعمير أكثر من مطاردة الشباب لمنعهم من وضع سلعهم على ارصفة الشوارع. ويختار الشباب في المدن الجزائرية أماكن قرب مقرات هيئات حكومية أو مؤسسات بنكية وادارية لعرض بضائعهم للبيع. وتكتفي السلطات العمومية لحد الآن بتطبيق غرامات مالية على هؤلاء المخالفين.

وفي ظل غياب بدائل لمشاكل البطالة والفقر، يتحول هذا النشاط الى أحد المظاهر المعبّرة عن هشاشة الاقتصاد الجزائري.

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

مقالات من الجزائر

دور البترول في النهاية البائسة لنظام بوتفليقة والجنرالات

حسين مالطي 2019-06-20

استغل عبد العزيز بوتفليقة بشكل مستمر البترول الجزائري وريعه كوسائل لترسيخ دعائم سلطته وتقويتها، وفيما بعد ضماناً لاستدامتها. اشترى "السلم الاجتماعي" كما استخدم عائدات النفط كطعم لمعسكر الجنرالات عبر السماح...

للكاتب نفسه