سوريا: الولادة والموت في حافلة نازحين

مشاهد من الحياة اليومية في سوريا، تخص البشر وليس الجيوستراتيجيا ولا الصراعات العظمى أو شهية الطامعين في مكاسب "إعادة الاعمار". البشر، ومنهم النساء تحديداً..
2018-04-11

كمال شاهين

كاتب من سوريا


شارك
عمران يونس - سوريا

ولادة

شهدت منطقة "حرجلة" في الغوطة الغربية بريف دمشق خلال استقبال إحدى الحافلات الخارجة من جحيم الغوطة الشرقية ولادة طفل في الحافلة، تجمّع الناس بقرب الحافلة في انتظار معرفة جنس المولود، كانت أنثى بعيون سوداء تبكي بعصبية.

تروي مسعفة في الهلال الأحمر السوري القصة قائلةً: "عند وصول الحافلة بدأنا إجراءات الكشف الصحي المعتادة على القادمين، وقتها سمعنا صراخ سيدة تتوجع، فتوجهنا فوراً إليها، كانت تجلس في أحد مقاعد الحافلة، في العقد الثالث من عمرها، وإلى جوارها أربعة أولاد ــ بنتين وصبيين ــ أكبرهم في الثانية عشرة من عمره".

وصلت السيدة ضمن الدفعة الثانية للخارجين من منطقة "عربين" بعد تفاهم بين الضباط الروس ومقاتلي "فيلق الرحمن" قضى بخروج عدد من المدنيين المرضى وذوي الحالات الحرجة باتجاه دمشق للعلاج، كان العدد يقرب من خمسين غالبيتهم من النساء والأطفال الذين تركت سنوات الحصار وغياب الدواء عليهم بصمته الواضحة.

هذه السيدة أول امرأة سورية تلد في حافلة، هناك حالات ولادة أخرى على الطرقات، وأخرى في بيوت متهدمة، وثالثة في القفار.. لكن التوثيق غاب. بعض من الأطفال المولودين نجوا من الموت بأعجوبة، لكن بعضهم الأخر مات. "من حسن الحظ أن السيدة وصلت إلى هنا في الوقت المناسب وإلا لماتت من النزف".

تمت عملية الولادة في الباص حيث نزل جميع من كان فيه وبقينا معها "لكثرة ما شاهدنا من أمهات متألمات في هذه الحرب، بدا لنا مشهد الولادة حدثاً رائعاً وفريداً رغم أننا نعرف أنه أمر عادي، في تلك الساعات التي استقبلت فيها طلقتها الأولى، أحسسنا أن الحياة لن تتوقف رغم مشاهد الموت والعنف والقتل والدمار، كانت الولادة غصناً أخضر وسط سواد كبير".

بكثير من التعب تحدثت السيدة: "هذا طفلي الخامس، قضينا أياماً سوداء من الجوع والمرض والقصف، لم نكن نرغب بمزيد من الأطفال، هل تتخيل كيف يكون الوضع والقصف والمعارك والطيران يحوم ليل نهار؟ زوجي ما زال هناك"، هناك تعني داخل الغوطة حيث العمليات العسكرية مستمرة.

تم إسعاف الطفل لاحقاً إلى أحد مشافي دمشق مع أمه التي كانت تنزف، و"نفد" وأمه، بتعبير منقذته التي أضافت "كان صغيراً جداً وزنه لا يتجاوز الكيلوغرامين ولديه ربو".

حدث هذا قبل عيد الأم بيومين اثنين.

موت وموت مضاد

في الحافلة نفسها، تعرضت سيدة سبعينية قادمة لوحدها من "سقبا" إلى جلطة قلبية شديدة لم تنفع معها محاولات إنقاذها من قبل وحدة الهلال الأحمر السوري الموجودة على الرغم من إنعاشها عدة مرات، كانت تحمل معها صورةً بالأبيض والأسود لصبية ذات شعر طويل يقف إلى جوارها شاب سوالفه طويلة، يرجح أنه زوجها، مكتوبٌ على الصورة: "دمشق، المصور وانيس، 1962".

لم تكن السيدة تحمل معها أي وثيقة شخصية سوى تلك الصورة، "ماذا يمكن أن نفعل في غياب أي وثيقة؟" كيف يمكن أن نموت دون نُعرّف عزرائيل بهويتنا السابقة؟ كيف يمكن للأحياء أن يختاروا لنا قبراً دون شاهداً مكتوب عليه رقمٌ ما؟ تاريخ ولادة، تاريخ موت.. في تلك الساعة حدّق مسعفو الهلال الأحمر إلى المشهد ذاته الذي شهد ولادة الطفلة قبل قليل، حملوا الجثمان بعد أن لفّوه ببطانية عسكرية وأرسلوه إلى برّاد أحد المشافي، "هنا على الأقل يمكن لأحد ما أن يسأل عنها إن سمع القصة"، "هنا على الأقل ستجد من يدفنها دفناً لائقاً".

حدث هذا قبل عيد الأم بيومين فقط.

موتُ أمهات على قارعة العيد

سقطت قذيفة على حي الكشكشول في منطقة جرمانا (شمال دمشق). قيل صاروخ، وقيل إنه زلزال دمّر السوق الشعبي الذي تتسوق منه الأمهات كل يوم، ليس الأمهات فحسب، لكن أكثرهن أمهات، ليس هناك رجال يموتون صباحاً بانفجار صاروخ أو قذيفة، فهم إما في العمل ــ من كان منهم فوق الخمسين ــ أو في الحرب لمن كان منهم دون الخمسين، بالطبع كان هناك أطفال لم يعرفوا بالضبط ماذا حصل.

المشهد عادي بعد سنوات سبع من حرب لم تترك حجراً على حجر، إنساناً بقرب إنسان. طبائع البشر والحروب أن يعود الشارع بعد ساعات إلى ما كان عليه قبل التفجير، الشارع الذي ما يزال الدم عليه ساخن، لم يعد كذلك بعد أن تم شطفه وعادت السيارات تمر.

أكثر من مئة ضحية نتيجة "أولية" للانفجار، ثلاثة أرباعهم نساء والباقي أطفال، هل تعرفون الآن لماذا كان المشهد بعد ساعة من الانفجار عادياً.. "والأم مجهولة الاسم عاديةٌ"، ينبهنا محمود درويش من هناك إلى أن هناك ــ أي هناك ــ لا يتحمل أكثر من ساعات لدفن الضحايا، إن بقي منهم شيء، والعودة سريعاً لفتح باب الدكان المغلق ومن ثم تسخين كوب من الشاي غير المعطر هذه المرة.

حدث هذا قبل عيد الأم بيوم واحد.

الجحيم هنا على هذه الأرض

"إنها القيامة" تختصر شابة في الهلال الأحمر الوضع بتلك الجملة القصيرة قصرَ أيامنا على هذه الأرض، فبين الغوطتين ــ غير الفيروزيتين ــ يستمر نزوح آلاف العائلات هرباً من جحيم الحرب، متوزعين على عدة مراكز إيواء اقتضت استنفاراً هائلاً لاستقبال أكثر من مئة وخمسين ألف إنسان وفدوا من مختلف مناطق الغوطة الشرقية التي اتفق فيها على خروج المدنيين منها. في هذا الوقت كانت الأمم المتحدة تحتج على لسان ممثلها في سوريا على رداءة تلك المراكز التي لا يتوافر فيها على حد تعبيره "مركز استحمام"، واصفاً إياها بالمأساوية.

إحصاءات أولية تشير إلى أنه من بين 150 ألف نازح خرجوا من الغوطة إلى مراكز الإيواء في دمشق (أربعة مراكز وأضيف واحد جديد على طريق حمص الدولي) هناك أكثر من الثلثين من النساء والأطفال، لماذا خرجوا؟ لا أحد يسأل السؤال الغبي إياه، الكل يتهرب من الإجابة إياها، والكل يقول "الحمد لله على السلامة".

حدث هذا بعد عيد الأم بأيام، في يوم العيد تحديداً، لم تكن هناك أمهات في البيوت والشوارع والمحلات، كنّ جميعهن على امتداد هذه "السوريا" في المقابر يعايدن أبنائهن الذين تأخروا عن موعد العشاء معهن للمرة السابعة.

مقالات من سوريا

للكاتب نفسه