النكتة العراقية تخرج من مداراتها السرية

للنكتة قوة نقدية كبيرة، تطال الاوضاع الاجتماعية والفكرية والسياسية. واذا كانت النكتة الاجتماعية اختزلت في إيضاح حمق الآخر وبلاهته، فإن النكتة الفكرية تعتمد على التناقض الحضاري بين الشعوب، وتتمحور حول صورة مجتمع يختلف عن غيره كواجهة للإضحاك. وتأتي هذه النكتة على خلفيات صراعات جرت بين هذه الشعوب في قرون مضت ولم يمحها التاريخ، والامثلة عديدة، لعل أشهرها تلك التي تطال العلاقة بين الفرنسيين
2013-02-25

احمد علاء

صحافي من العراق


شارك
بغداد (أ ف ب)

للنكتة قوة نقدية كبيرة، تطال الاوضاع الاجتماعية والفكرية والسياسية. واذا كانت النكتة الاجتماعية اختزلت في إيضاح حمق الآخر وبلاهته، فإن النكتة الفكرية تعتمد على التناقض الحضاري بين الشعوب، وتتمحور حول صورة مجتمع يختلف عن غيره كواجهة للإضحاك. وتأتي هذه النكتة على خلفيات صراعات جرت بين هذه الشعوب في قرون مضت ولم يمحها التاريخ، والامثلة عديدة، لعل أشهرها تلك التي تطال العلاقة بين الفرنسيين والانجليز.
والحال مشابه بين المجتمعين الكويتي والعراقي، وقد عززه غزو النظام العراقي السابق للكويت في العام 1990 ما جعل الكويتيين ينكبون على إبداع النكتة التي تستهدف العراقيين وتظهر حماقة تصرفهم في غزو دولة جارة، رغم مضي اكثر من عقدين على تلك الأحداث. ويحكى ان عائلة كويتية خرجت من البيت وعند عودتها كانت الخادمة قد هربت ومعها بعض المقتنيات، فقال صاحب الدار "يبه شو فيه، العراقيون غزونا من جديد؟"، مظهراً الارتباط الشَرطي في عقلية الكويتي بين أي سرقة تحدث والعراقيين. وهو ما يجري في الإطار المجتمعي الداخلي، فتُروى نكات متبادلة بين الأكرد والعرب، وقد تكون النكتة هي نفسها، منسوبة الى الآخر. وأحياناً تضيق الدائرة اكثر، فيكون المحكي من النكات يستهدف شريحة معينة أو أبناء مدينة محددة، كما هو الحال في الكثير من النكات التي تروى عن أبناء مدينة الناصرية التي توصف بـ "الشجرة الخبيثة"، بالمعنى السيئ لهذه العبارة، مع جهل الحاكي بالمعنى الكبير الذي يرتبط بمقاومتهم للاحتلال الانكليزي للعراق في عشرينيات القرن الماضي: عثر ثلاثة أصدقاء، احدهم من البصرة والآخر من بغداد والثالث من الناصرية، على فانوس علاء الدين السحري، وبعد ظهور المارد الذي منحهم الحق في ثلاث أمنيات فقط، تمنى ابن بغداد قصراً مليئاً بالجواري على نهر دجلة، ومع "شبيك لبيك" الأولى، كان البغدادي يجلس بين نسائه في قصر على ضفة نهر دجلة، ومع "شبيك لبيك" الثانية حصل البصراوي على أمنيته، ليبحر في سفينة كبيرة مليئة بالجواهر في شط العرب متجهاً الى بلاد الهند، وحين وصل الدور الى ابن الناصرية في التمني، فإذا به يطلب من المارد أن يلغي أمنيتي صديقيه ويعيدهما إلى ما كانوا عليه. والصفة كما ترد، محاولة للتقليل من شأن أهل الناصرية، أو لربط تمردهم الدائم بالشر. وتستمر هذه العلاقة بين العراقيين وفقاً لانتمائهم الديني والاثني، ومنها ما حصل مع احد الدليميين من محافظة الانبار حين طلب من صديقه الكردي تهريبه إلى خارج البلاد بعد انتشار الطائفية، فما كان من الأخير إلا أن وضع صديقه في كيس. وفي الحدود ومع سؤال الضابط عن محتوى الكيس، أجاب الكردي "كاكه (أي أخي) هذه نعل". فلم يتحمّل الدليمي هذه الكلمة وخرج من الكيس وقال لصاحبه "عيب"... والدلالة هنا أن الكردي يتميز عن غيره من أبناء العراق بكونه يعمل مهرباً، وأن الدليمي لم يستوعب فكرة التجاوز على اخلاقه البدوية، فلا يقبل الكلمة المسيئة له ما جعله ينتفض حتى ولو أدى ذلك إلى كشفه.
والاتجاه الثالث للنكتة هو السياسي، وهي التي احتلت المساحة الكبرى في التراث السردي المحكي. بل استخدمت الاجهزة الاستخبارية النكتة لإيصال رسائل معنية الى المجتمع، أو راحت تتسلل بين الناس من خلال النكتة لجمع المعلومات واستهداف المعارضين لسياسة هذه الدولة.
ولطالما منعت السلطات الحاكمة في عهد النظام السابق في العراق نكات عدة، وفيها سخرية من النفس ومن الحكام، وهذا ما يجعلها خطاباً متكاملاً ومعقداً، بعكس ما يبدو من بساطتها، الا انها تُروى عبر ممرات سرية. من تلك ما روي أن أحدهم دخل مجلس عزاء، لكنه فوجئ بوجود صدام حسين جالساً بين المعزين، فارتبك، وبدلاً من ان يطلب من الجالسين قراءة سورة الفاتحة كما هو معتاد، راح يطلب منهم قراءة النشيد الوطني... وروي عن زيارة قام بها صدام حسين الى قصر عدنان المشهور في مرحلة بنائه، وحين شاهد ارتفاع السلم للوصول الى القصر، قال للمهندسين متهكماً: الم تسألوا أنفسكم كيف سيتمكن صدام حسين من الوصول الى القصر بعد خمسين عاماً؟ قبول هذه النكتة وبثها من قبل الأجهزة الاستخبارية للنظام جاء لكونها تهدف الى ايصال رسالة مضمونها أن صدام حسين سيبقى الى الابد في سدة الحكم.
هل شهد التاريخ محاولات لتدوين النكتة العربية؟ مَن منّا لم يضحك على سرديات جحا! فهل كان جحا شخصية حقيقية أو أنه من وحي الخيال؟ خطابه كان يبرز حاجته لبلوغ ما لا يمكن الوصول اليه بسبب السلطة الحاكمة واستبدادها، وكان للنكتة طرقها الخاصة لتمر عبر دهاليز المجتمع الفكرية وتصل شفاهاً الى اكبر قدر من الجمهور والحكواتية. عدت النكتة تحدياً عاماً سعى إليه الناس للسخرية من الحاكم وأذنابه، حتى أنها أصحبت تأكل وتشرب مع الناس.
وقد برز بعد العام 2003 عالم جديد من النكات، فأصبح لها وضوحها في انتقاد السلطة، بل إن من مميزات النكتة الحديثة وخاصة تلك التي ترتبط بشخص رئيس الجمهورية جلال طالباني الذي يستمع الى النكات التي تروى عنه ويرويها في الوقت نفسه في المجالس السياسية والإعلامية مجلجلاً بضحكته، فيروى ان طالباني جالس احد ندماء الخمر الذي اصر عليه ان يشرب كأساً وهو لا يعرف انه رئيس الجمهورية، فقبل طالباني على مضض وشرب كأساً معه ثم سأله ان كان قد عرفه أم لا، فقال له من تكون، وهنا اعترف له طالباني بأنه رئيس جمهورية العراق، فضحك نديم الخمر وقال له: هذا من كأس واحدة أصبحت رئيساً للعراق، ماذا لو شربت الثاني لأصبحت جورج بوش.
وهناك نوع من النكات يعتمد على التلاعب بالكلمات، وقد برز في الشارع العراقي ان أغلب مستخدميه يُعرفون بالحشّاشة، وهم الذين يتعاطون الحبوب المخدرة وأنواعاً اخرى من المخدرات. ويكون في العادة بطل النكتة أحد الحشاشين، فيحدث أن يقول خلال الحديث "ان الكلام يأتيه بالسليقة" فتسمع أحدهم يجيب "سليقة بيض"، أو أن يُحكى عنهم بعض النكات السريعة: "ففي يوم تلثم أحد الحشاشين وراح يلعن الشيطان، وحين سأله صديقه عن السبب في تلثمه، أجابه لأنه يخشى أن يحتاج الشيطان يوماً"، و"فيما كان حشاشان يتناولان الحشيشة في الشارع، مر بهما شيخ جامع وقال لهما: حرام تناول الحشيشة، فأجاباه معاً: وعليكم الحرام ورحمة الله وبركاته". النكتة المتداولة هي تلك القادرة على تحويل القضايا الكبرى الى نقطة تحمل في طياتها التماعة معبِّرة.

            

مقالات من العراق

سوق العمل في العراق: مشهد مظلم

ليث ناطق 2019-05-15

تجاوز عدد العاملين الأجانب في العراق 800 ألف شخص، أكثر من 140 ألفاً منهم دخلوا العراق في 2018 من دون تصاريح عمل، بينما 60 في المئة من العراقيين دون الـ25...

للكاتب نفسه

العنف في العراق يتسلّل إلى داخل الأسرة

احمد علاء 2012-12-05

تراجع الاوضاع الامنية في العراق ألقى بظلاله على الحياة الاجتماعية، فانعكست تأثيراته على الحالة النفسية للعديد من المواطنين، ودخل العنف الاطار الاسري فسجلت مراكز الشرطة في العاصمة جرائم قتل داخل...