على أي سكةٍ ستأتي النكبة القادمة؟ (2)

المنهجيّة الإسرائيليّة الجديدة تعمل على قوننة القمع، وهي ترافق تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية كبيرة. الوصفة المعتمدة هي البنية التحتيّة التي تأسست عليها الحركات الفاشيّة كلّها دون استثناء.
2018-04-05

مجد كيّال

كاتب فلسطيني من حيفا


شارك
بهرام حجو - سوريا

"سيكون ليلاً قطبياً من الظُلمة والقسوة المتجمّدتين..." ماكس فيبر

في كانون أوّل/ ديسمبر 2014، نشرت صحيفة هآرتس مقالاً للمحامي حسن جبارين، المدير العام لمركز "عدالة"، يناقش فيه مسألة "قانون القوميّة" الذي تسعى الحكومة الإسرائيليّة لسنّه، وهو مشروع قانون أساس (أي أنّه بمكانةٍ دستوريّة) يعرّف إسرائيل بأنّها الدولة القوميّة للشعب اليهودي. بكلمات أخرى، فهو يجعل حق تقرير المصير حقاً حصرياً للشعب اليهودي فقط. في نصّه، يقول جبارين أن "قانون القوميّة" لا يختلف بأي شيء عن الإطار الفقهيّ الذي حكمت المحكمة الإسرائيليّة بحسبه في كل قراراتها، وأنّه لا يُحدِث أي تغيير جذري بطبيعة النظام في إسرائيل. لكنّه يسأل عن السبب الذي جعل جزءاً من الأحزاب الإسرائيليّة (التي تُسمي نفسها "وسطيّة" أو "يساريّة") تعترض بشدّة على "قانون القوميّة"، رغم أنها أحزاب متمسّكة بتقاليد ومبادئ الدولة اليهوديّة والأيديولوجيا الصهيونيّة ونفي الفلسطينيين. الإجابة التي يقترحها جبارين هي الآتية: "تقاليد الحكم التي وضعها بن غوريون ترى بأن القانون يجب أن يبقى نظيفاً من التمييز العرقي من أجل إظهار إسرائيل في العالم كدولة ديمقراطيّة، بحيث تتولّى السلطة التنفيذيّة والقضائيّة مهمة التمييز الإثني،" ويضيف: "حكومة نتنياهو ترفض الإنصياع لهذه التقاليد، وتطالب بإرساء قانوني للممارسات العنصريّة القائمة أصلاً. وذلك حتّى يستعيد البرلمان وظيفته التشريعيّة ويتحوّل عاملاً فاعلاً غير سالب".

لماذا يفعل نتنياهو ذلك؟

لا شكّ بأن الإجابة التي يقدّمها جبارين تصف الحالة التي أمامنا، لكنّها تفتح أسئلةً أكثر مما تُجيب عليها: لماذا تُريد حكومة نتنياهو أن تُعيد القوّة الفاعلة للبرلمان؟ لماذا تهتم بنقل التمييز العنصري والقمع من الممارسات الإداريّة والتنفيذيّة والقرارات القضائيّة إلى كتاب القوانين الثابتة التي تحكم الدولة؟ لماذا تتقدّم الصهيونيّة في تطوير منظومة قمع تقوم على القانون بدلاً من "التعليمات الصغيرة" كالأوامر العسكريّة، القرارات الحكوميّة وقرارات القضاء؟

يتناغم التحوّل الذي يصفه جبارين مع تحوّل آخر يجري، بالمقابل، في قرارات المحكمة الإسرائيليّة كما وُصفت في القسم الأوّل من هذا المقال، والتي تتّجه في جميع القضايا المتعلّقة بحقوق الفلسطينيّين باتجاه القرارات التقنيّة التي تتعلّق بالتنفيذ البيروقراطي للقانون والانصياع المضبوط إلى توزيع الصلاحيّات. عملياً، تتنازل المحكمة عن حاجتها لتبرير العنصريّة بلغة حقوقيّة دستوريّة، وعن صياغة السرديّة الإثنيّة بلغةٍ تَحفظ، ولو بالشكل، قيم الديمقراطيّة الليبراليّة. ولا بد من التمعّن بالسؤال هذا الجانب تحديداً.

مقالات ذات صلة

تجري في إسرائيل تحوّلات اجتماعيّة جديّة تتجادل مع النظام السياسيّ. ولعلّ السياق الأهم في توصيف هذه التحوّلات الاجتماعيّة هو ما وصفه العديد من الأكاديميين الفلسطينيين على أنه "تحوّل الحركة الصهيونيّة إلى دولة". إلا أنّ هذا التحوّل لا يرتبط بتأسيس الدولة الإسرائيليّة نفسها قدر ما هو يرتبط بتفكك الحركة الصهيونيّة التقليديّة، بمعنى الصهيونيّة الأشكنازيّة "العلمانيّة ــ الاشتراكيّة"، متمثّلة بحزب ماباي بقيادة بن غوريون وصولاً إلى رابين، وبداية انحسار هذه الحركة وتآكلها ليس في تحصيل أغلبيّة انتخابيّة فحسب (فهذا محسوم منذ زمن)، وإنما في بداية انقضاء أيامها كطبقة نخبويّة مُهيمنة في جهاز القضاء والجهاز البيروقراطيّ كما في الجيش والأمن الداخليّ (والإعلام والأكاديميا وغيرها...).

تجري في إسرائيل تحوّلات اجتماعيّة جديّة تتجادل مع النظام السياسيّ. ولعلّ السياق الأهم في توصيف هذه التحوّلات الاجتماعيّة لا يرتبط بتأسيس الدولة الإسرائيليّة نفسها قدر ما يرتبط بتفكك الحركة الصهيونيّة التقليديّة، بمعنى الصهيونيّة الأشكنازيّة "العلمانيّة ــ الاشتراكيّة".

تحرّكت النخب الصهيونيّة الأشكنازيّة التقليديّة حتّى الآن في فلك الحزب الأيديولوجيّ بثقافته الجامعة والمتجانسة، ليشكّل هذا الفلك الاجتماعيّ سلطةً فعليّة تتفوّق على الدولة، فتكون مؤسسات الدولة تجسيداً لإرادة الحزب أكثر من كونها إطاراً علوياً جامعاً تتنافس داخله الأحزاب. الدولة، برمّتها، ملكاً لحزب "ماباي" وليس العكس. ولأن أيّام هذا الفلك الحزبيّ ولّت (لأسباب لا مكان لحصرها هنا)، فإن العقليّة الموجِّهة للدولة الإسرائيليّة لم تعد تلك القيميّة ــ الصهيونيّة التقليديّة التي أسست المستعمرات الأولى وهجّرت الفلسطينيين واحتلّت فلسطين في "النكبة" وهزيمة 1967، إنما هي عقليّة نخبويّة جديدة (تتمثل تحديداً في الصهيونيّة المتديّنة، ولكنّها أوسع منها بكثير)، تنشأ وتعمل من داخل الدولة بل وتحاول تسخير الدولة القائمة لصالح أهدافها. فنقرأ في الصحافة الصهيونيّة "اليساريّة" مثلاً، ادعاءات "النخبة التقليديّة" ضد ممارسات الحكومة الحاليّة وجرائم الجيش والاستيطان بأنها مناقضة "للقيميّة" التي حملها "الآباء المؤسسون" الذين "هربوا من المحرقة وعمّروا أرض إسرائيل"!

ولا شك بأن إعادة القوّة إلى البرلمان، كما يصفها جبارين، تتّصل باعتماد هذه النخبة الجديدة في وصولها الحكم على الشعبويّة. وقد استغلّت هذه الشعبويّة خطاباً هويّاتياً يغازل شريحة إسرائيليّة مضطهدة. يعود سقوط حكم "ماباي" الأوّل إلى قدرة "الليبراليّين" الصهاينة، متمثّلين بالليكود، على تأليب الشرائح اليهوديّة الشرقيّة ضد حكم "ماباي" في انتخابات 1977، باعتباره حكماً أشكنازياً نخبوياً يحتكر مؤسسات الدولة لصالح الحزب وبالتالي لمصالح الفئة الإثنيّة الأوروبيّة. إضافة إلى أن انتخابات 1977 (وفوز "الليكود" لأوّل مرة) كانت نقطة بداية عهد الخصخصة الذي بدأ مسار تفكيك احتكار النخبة الأشكنازيّة لمؤسسات الدولة الماليّة المُنتجة (كشركات التموين والكيماويّات والإتصالات)، لقد كانت هذه الانتخابات كذلك ضربةً قاسمةً لمشروع "فرن الصهر" الذي اعتمده بن غوريون، والذي هدف إلى تكوين هويّة وطنيّة "إسرائيليّة" جامعة لليهود بمعزل عن الفروقات الإثنية والثقافيّة والدينيّة بينهم. أو بكلمات أصدق: هدفت إلى إخضاع وطمس كل الهويّات الإثنيّة والثقافيّة والدينيّة لمختلف اليهود المستعمِرين في فلسطين وادماجهم في الهويّة اليهوديّة الأشكنازيّة التي رأى الصهاينة بها (ككل استعمار أوروبيّ) هويةً متفوّقة.

لكن ما الذي يدفع النخبة الصهيونيّة الجديدة، المولودة من رحم الدولة اليهوديّة، في سياق حربها مع النخبة التقليديّة، إلى كل هذا التعمّد والهوس في إعادة تشكيل القانون الإسرائيليّ وتضمين السياسات العنصريّة والدمويّة فيه؟ للإجابة على هذا السؤال، لا بدّ من التوسّع قليلاً في وظيفة القانون كحجر أساس في بناء البيروقراطّيّة، وسلطة القانون العقلانيّ كتشكّل اجتماعيّ في الدولة الرأسماليّة. وفي أن هذا التشكّل هو الوحيد القادر على استبدال سلطة الحزب الأيديولوجيّ كسلطةٍ تقليديّة.

عن بناء القفص الحديديّ

شكّلت المفاهيم التي طوّرها ماكس فيبر في علم الاجتماع أساساً قويّاً لعدد كبير من المفكّرين اللاحقين الذين حاولوا تحليل وفهم النُظُم الفاشيّة بعد الحرب العالميّة الثانية. ضمن هذه المفاهيم، طوّر فيبر فهمنا للعلاقة بين قيم الحداثة ــ ومنها الموضوعيّة العلميّة والعقلنة ــ بنشوء السلطة العقلانيّة أو سلطة البيروقراطيّة التي تفوّقت في المجتمعات الرأسماليّة على السلطة التقليديّة أو الكاريزماتيّة. في مقاله حول "الموضوعيّة" في العلوم الاجتماعيّة، يطرح ميّزة أساسيّة للعلوم الحديثة: أنّها تُعنى بالكيفيّة وليس بالهدف النهائيّ، تبحث في سؤال "كيف" لا في سؤال "لماذا". وترتبط هذه الميّزة بتشكّل ما يُسمّيه "العقلانيّة الأداتيّة" ــ عقلانيّة جوهرها الوسائل وحساب النجاعة لتحقيق الأهداف، بمعزل عن طبيعة هذه الأهداف. بحسب فيبر، فإن البيروقراطيّة هي المنتوج الأعظم لعمليّة العقلنة، وأن عقلانيّة العقلنة هي أساس السلطة القانونيّة.

في "الاقتصاد والمجتمع"، يصف فيبر جبروت البيروقراطيّة، يعتبرها واحدةً من "المباني الاجتماعيّة الأصعب للتدمير"، يقول: "البيروقراطيّة هي وسيلة تحويل الفعل الاجتماعيّ إلى فعلٍ منظّم عقلانياً"، وهو ما يلقي بثقله على كل فردٍ خاضعٍ لهذه البيروقراطيّة، فتُهمّش الاعتبارات التقليديّة أو العاطفيّة أو الشخصيّة ("غير الموضوعيّة") لصالح الاعتبار التنظيميّ. ويُسمّي خضوع الإنسان لهذه المنظومة "قفصاً حديدياً"، فيؤدّي الأفراد وظيفتهم "دون أي قدرةٍ للتأثير على حركتها". وتنزع المنظومة الخصوصيّة الشخصيّة، فتفصل "العمل الرسميّ" عن "مجال الحياة الشخصيّة". وبكلماته: "كلّما زادت مثاليّة البيروقراطيّة، كلّما انعدمت انسانيّتها، هكذا استطاعت أن تنفي الحب، الكراهيّة، وكلّ العوامل الشخصيّة المحضة، غير العقلانيّة، والعاطفيّة التي تفلت من إمكانيّة حسابها".

هل وصل المجتمع الإسرائيلي في أيّامنا، بسبب عمليّات الخصخصة وتوغّل النيوليبراليّة التي باتت تستبدل الصهيونيّة التقليديّة، إلى إنشاء جهاز قمع "مستقل" يعمل بمعزل عن أي أثر اجتماعي على الإسرائيليين؟ وهل تحتاج إسرائيل إلى منظومة تهجير بطيء تضمن إمكانيّة التهجير حتّى من دون ظروف متطرّفة تُبرر عمليّات التطهير العرقي؟

اعتماداً على هذه المفاهيم المفتاحيّة، والتي لم يقدّم فيبر موقفاً عدائياً اتجاهها، أسس مفكّرو ما بعد الحرب العالميّة الثانية ربط الفاشيّة بقيم الحداثة والعقلنة والبيروقراطيّة. فنقرأ في "جدل التنوير" لأدورنو وهوركايمر بأن ثقافة التنوير العقلانيّة أدّت إلى انتصار الفاشيّة من خلال تطهير المعرفة من العامل الإنساني والقيميّ، وإهدار الطبيعة والإنسان بشكلٍ أعمى (أو أصم، إذا ما اعتمدنا مثال أوديسيوس المُستخدم في الكتاب) لصالح وسائل الإنتاج الرأسمالي. ومن بعدهم حنّة أرندت في "اعتياديّة الشر" (أو تفاهة الشرّ في ترجمات أخرى)، حيث رصدت شخصيّة الضابط النازي آيخمان لتحاجج بأنّ البيروقراطيّة والوسائل الإداريّة للمحرقة شكّلت السياق المبرِّر لانفلات تفاهة الإنسان وعاديّته، مصالحه الشخصيّة وأطباعه الرثّة. أما زيغموند باومان، فهو يربط المحرقة بالعقلانيّة الإجرائيّة بعلاقةٍ مباشرةٍ.

على خلفيّة هذه المفاهيم، نطرح هذا السؤال: هل يُمكن اعتبار المنهجيّة الإسرائيليّة الجديدة في قوننة القمع، بدايةً لتأسيس بيروقراطيّة قتل وتهجير؟ هل وصل المجتمع الإسرائيلي في أيّامنا، بسبب عمليّات الخصخصة وتوغّل النيوليبراليّة التي باتت تستبدل الصهيونيّة التقليديّة، إلى إنشاء جهاز قمع "مستقل" يعمل بمعزل عن أي أثر اجتماعيّ على الإسرائيليين؟ وهل تحتاج إسرائيل إلى منظومة تهجير بطيء تضمن إمكانيّة التهجير حتّى من دون ظروف متطرّفة تُبرر عمليّات التطهير العرقيّ؟

الصورة كما قد نراها غداً

لماذا تتمترس النخبة الجديدة بالقانون؟ قبل أي شيء آخر، لأنّ حاجة بن غوريون لإظهار "الديمقراطيّة" لم تعد تمسّ العالم اليوم مثلما مسّته في الأربعينيّات والخمسينيّات، بل تظهر في العالم تيّارات سياسيّة تتسلّم زمام الدول العظمى وتبني نفوذها أصلاً على مناهضة الديمقراطيّة. ثم لأن وصول النخبة الإسرائيليّة الجديدة إلى الحكم حصل عبر السلطة التشريعيّة، عبر البرلمان، وبالتالي فهذه وسيلتها الأكثر نجاعةً لتمكين عمل السلطة التنفيذيّة، لا سيما وأنّ علاقة تضادٍ ونفور تربط الأغلبيّة البرلمانيّة (ممثلةً للنخبة الجديدة) بجهاز القضاء الذي مثّل النخبة القديمة تاريخياً. أما الأهم: تتمسّك النخبة الجديدة بتغيير القانون لأن هذه طبيعتها الأيديولوجيّة أولاً. يقود الليكود إسرائيل بمنهجيّة نحو مجالات متطرّفة من الرأسماليّة، فيها النيوليبراليّة شعاراً والبشريّة المعولمة أثمن فرائس الرأسماليّة وأشهاها، ولا يُمكن لهذه الطبيعة الأيديولوجيّة إلا أن تتصرّف بعقليّة تسخير كل الإمكانيّات باتجاه هدفها الأسمى، وأن تخلق خطوط إنتاج يغترب فيها الإنسان عمّا يُنتجه فلا يعود يشعر حياله لا بحُبٍ ولا بكراهية. وحين تكون الماكينة ماكينة إنتاج للقمع، تعمل إسرائيل لخلق حالةٍ لا يشعر فيها المستعمِر حيال قمعه الدمويّ لا بلذةٍ ساديّة ولا بذنبٍ أو عار، إذ أن المبررات الأيديولوجيّة الأولى للصهيونيّة لم تعد كافية لرأب التنافر المعرفيّ بين صورتها الديمقراطيّة وجوهرها الدمويّ، وبات المجتمع يتطلّب منظومة صارمة تفصل بين حياته البشريّة الطبيعيّة وممارسته الدمويّة تجاه الفلسطينيين. هذه المنظومة لا يُمكنها أن تعمل دون قانونٍ يفعّل بيروقراطيّة القمع. فالإسرائيليّ لم يعد مهاجراً يحمل أيديولوجيا استعماريّة، يشمّر عن ذراعيه ويبني مستوطنات ويطمع لاحتلال الأرض. ولا يُمكن، بالتالي، الاعتماد على "روح الجماعة" التي تُعطيه الإشارة لتنفيذ التهجير حتّى في حال لم تكن أوامر مباشرة. لم تعد الأغلبيّة الإسرائيليّة "ابنة حركة" تعرف أن تحقيق وجودها غير ممكن إلا بطرد الفلسطينيين. فالآية الآن معكوسة: الدولة قائمة، وليس من سببٍ وجوديّ للحرب، حتّى أن المقاومة العربيّة تراجعت منذ نهاية الانتفاضة الثانية ولم تعد بحدّ ذاتها تشكّل تبريراً (كاذباً على كل الأحوال) لاستمرار العدوان والدمويّة والمجازر والتهجير كما حصل في "النكبة" و"النكسة" وغيرها. أما الجيش، فبخلاف أجيال عقائديّة في الجيش الصهيونيّ، فقد تحوّل هو أيضاً إلى مرحلةٍ نفعيّة تخدم بها إما نخب تسعى للاندماج في أجهزة الحكم والأمن كمهنةٍ للحياة (وهي مهن مربحة جداً وتفتح مجالات هائلة في عالم الأعمال والمال)، وإمّا لشرائح إسرائيليّة فقيرة كالاثيوبيين والشرقيين والروس، ممن لا يجدون فرص عملٍ أو تقدّمٍ أخرى غير الجهاز العسكريّ.

المبررات الأيديولوجيّة الأولى للصهيونيّة لم تعد كافية لرأب التنافر المعرفي بين صورتها الديمقراطيّة وجوهرها الدمويّ، وبات المجتمع يتطلّب منظومة صارمة تفصل بين حياته البشريّة الطبيعيّة وممارسته الدمويّة تجاه الفلسطينيين.

لن تتظاهر المحكمة الإسرائيليّة بعد اليوم بدور الرقيب الذي يرفع الضوء الأحمر كلّما ظهر تعسّفاً، بل ستشكّل امتحاناً مستمراً لعقلانيّة تنظيم القمع والتهجير. المحكمة، في قضيّة أم الحيران، سألت السؤال كما يصفه ماكس فيبر بالضّبط. لم تسأل "لماذا يُهجر الناس وتُهدم بيوتهم؟"، سألت: "كيف يُهجّر الناس وتُهدم بيوتهم؟ هل يصلح الأمر تقنيّاً؟"، المستشار القضائيّ للحكومة الذي عارض قانون تشريع المستوطنات وسرقة الأراضي الخاصّة سأل سؤال العقلانيّة الأداتيّة كما يوصف في الكتاب حرفياً: لم يسأل "لماذا تُسرق أراضي الناس؟" لكنّه سأل "لدينا ما يكفي من الوسائل لنسرق أراضي الناس فما الحاجة بهذه؟".

هذه الوصفة، بشرح مقتضب جداً، هي البنية التحتيّة التي تأسست عليها الحركات الفاشيّة كلّها دون استثناء. إنها تُنتج سكّة الحديد، ليُسافر القتلة عليها سفراً بارداً مُعتماً غير مرئيّ نحو سيطرتهم واستحواذهم على كلّ شيء. على طبيعة فلسطين، والإنسان الفلسطينيّ منها. قد يكون التطهير العرقيّ القادم دموياً بشعاً، وقد يكون هادئاً مبتسماً نظيفاً ينفّذه موظّفو وزارة الداخليّة الإسرائيليّة وهو يرفعون أكتافهم ويتأسّفون.. "فهذه الأوامر"، وقد يكون تطهيراً سياسياً يقمع المناضلين ضد استعمار الدولة اليهوديّة بعنفٍ غير مسبوق بغية عزلهم عن المجتمع وتخويفه وإخضاعه بواسطتهم. هذه كلّها احتمالات، لكنّها كلّها احتمالات ستتحقق على سكّة القانون الإسرائيليّ. ومن غير الممكن لنا، بأي شكل من الأشكال، أن نقرأ هذه القوانين يومياً، أن نرى السكة تمتدّ متراً بعد متر، ونحن نكتب عنها بيانات صحافيّة وتقارير إخباريّة وأبحاث ودعاوى قضائيّة، وأن نتابع العمل دون أن نشعر أننا نحن أيضاً قد نكون، ربما، براغٍ صغيرة، موضوعيّة، صامتة، في آلة قتلنا.

قد يبدو هذا كله وكأنه يصف حالة إسرائيليّة قدريّة تتقدّم دون أي إمكانيّة لتغييرها. وهو كذلك فقط لأنّه يرصد ما هو داخل المنظومة الصهيونيّة دون أن يتطرّق إلى ما هو خارجها. أما الأمل في هدم هذه المنظومة المجرمة فلا يُمكن البحث عنه في جوفها، إنما هو قائم بالضغط الذي يُمكن تشكيله من خارجها، أي خارج قانونها وخارج مفاهيمها وخارج الوسائل والقنوات التي توفّرها هي بنفسها. وهذا الضغط ــ واسمه الأوضح المقاومة ــ لا يهدف إلى دفع إسرائيل للعدول عن جوهرها الدموي، إنما إلى خلق التوتر والاضطراب داخلها، وتأجيج التناقض داخل جهاز القمع إلى أن ينهار تحت هذا الضغط.

مقالات من فلسطين

من قتل يارا؟

إليكم العناصر الفعلية لحبكة قصة مقتل يارا، الصبية الفلسطينية من إحدى قرى الجليل.. بغض النظر عن الملابسات المخصوصة لجريمة قتل "عادية" تطال النساء.

عامٌ على MeToo#: إلى الرجال…

مجد كيّال 2018-11-23

يكمن النبل في أن تعترف بذنب جماعتك القامعة، وأن تكون مستعدّاً لأن تتنازل عن ذاتيّتك، وأن تتحمّل العقوبة باسم مجموعتك. أن تعلم أنّك يجب أن لا تسكت، ممنوعٌ أن تسكت،...

للكاتب نفسه

عامٌ على MeToo#: إلى الرجال…

مجد كيّال 2018-11-23

يكمن النبل في أن تعترف بذنب جماعتك القامعة، وأن تكون مستعدّاً لأن تتنازل عن ذاتيّتك، وأن تتحمّل العقوبة باسم مجموعتك. أن تعلم أنّك يجب أن لا تسكت، ممنوعٌ أن تسكت،...