المنطق المشترك لوعد بلفور وإعلان ترامب

مداخلة إيلان بابيه ضمن ندوة "بين بلفور وترامب" ( 25 شباط / فبراير 2017) في "مقهى فتّوش"، حيفا: ثلاث نقاط هامّة في التشابه بين وثيقة بلفور وإعلان ترامب للقدس عاصمة لإسرائيل..

سأتوقف عند ثلاث نقاط هامّة في التشابه بين وثيقة بلفور وإعلان ترامب للقدس عاصمة لإسرائيل، وهي نقاط تشابه تساعدنا كجمهور أن نفهم الحالة السياسيّة بشكلٍ أفضل، وأن ونفكّر معاً باتجاهات جديدة في ما يمكننا فعله أمام واقعٍ سيّءٍ ممعن بالتدهور.
قبل أن أتحدّث عن التشابهات الثلاث التي أجدها بين الإعلانين، ورغم فارق 100 سنة بينها، لا بد من الإشارة إلى أن المشترك الأساسي بين الحالتين هو أن الأسباب الكامنة من وراء التصريح أقل أهميةً من قيمة التصريح ومعناه. ما الذي أقصده؟ عندما صدر إعلان بلفور، صدرت مثله إعلانات ووعود كثيرة لعدّة مجموعات في الشرق الأوسط – وعدوا الأرمن والأكراد والعلويين والدروز، إنما لا أحد يذكر تلك الوعود. لماذا؟ لأنها لم تتحوّل واقعاً. لم تتح التطوّرات التاريخيّة تحوّل هذه الوعود إلى حقيقة، وعليه، فهي لم تحظ بالأهميّة ذاتها.
بالواقع، لم يكن وعد بلفور أكثر من رسالة نصّها وزير خارجيّة (حتّى أنّها لم تكن سياسةً رسميّة) إلى يهوديّ لم يكن له أي وظيفة رسميّة. لكننا نذكر الوعد لأنّه أدرج ضمن وثيقة الانتداب. لولا إدراج الوعد ضمن وثيقة الانتداب لما تذكّره أحد. ولو نظرنا إلى الأسباب من وراء إعلان ترامب، سنجد أنه إعلان صدر في فترةٍ واجه فيها صديق ترامب مصاعب انتخابيّة في واحدة من الولايات الأمريكيّة (إشارة إلى منافسة الجمهوريّ روي مور في انتخابات ولاية ألاباما لمقعد مجلس الشيوخ – المترجم)، ولم يُنتخَب في النهاية. كما كانت تلك الفترة ذروة في التحقيقات حول قضايا فساد وعلاقات مع روسيا. وقد تصوّر ترامب أن إعلانه بشأن القدس قد يحوّل الأنظار عن هذه التحقيقات، وكذلك جاء هذا الإعلان لفحص ثبات منظومة العلاقات مع الملك الجديد في الرياض، والذي نكتشف يوماً بعد يوم أنه من أصحاب درجات الذكاء الأكثر انخفاضاً في الشرق الأوسط.

منطق الاستعمار الاستيطانيّ

في السنوات الأخيرة يزدهر البحث الأكاديميّ حول فلسطين خارج البلاد. وضمن هذا المجال كثيراً ما نستخدم مصطلح "الاستعمار الاستيطاني". وجدنا، كباحثين، أن هذا المصطلح هو أفضل ما يعرّف المشروع الصهيونيّ. أنه ليس استعماراً تقليدياً، إنما استعماراً استيطانياً بمعنى أنه يتعامل مع الأصلانيين كغرباء، ويتخذ لنفسه المكانة الأصلانيّة – يحوّل المحليين غرباءً والغرباء محليين. وكلّ واحدٍ منّا يستطيع أن يرى تطبيق هذا المشروع أمامه: في الخليل والجليل والنقب. هناك جيل رأى هذا المشروع في الستينيات من القرن الماضي، والجيل الجديد يراه اليوم. هذه طبيعة المشروع الصهيونيّ. وهذا، بالمناسبة، ليس صنفاً خاصاً من الاستعمار، فقد شهدناه في حالة البيض في جنوب أفريقيا، وفي أمريكا وكذلك في استراليا ونيوزيلاندا. "لحسن حظنا"، فقد دفع المجتمع المحليّ في فلسطين ثمناً أقل مما دفعته مجتمعات أخرى أُبيدت بالكامل، مثل الحالة الاستراليّة والنيوزلانديّة والأمريكيّة. لكن المشروع في طبعه لا يختلف عن مشروع الاستيطان الأبيض في أي مكان في العالم.

المشترك بين إعلانيّ بلفور وترامب أن كلاهما يعطّل كل حماية توفّرها العدالة الدوليّة لحقوق المحليين، الأصلانيين، الأقليّات، المقموعين، المضطهدين، المُحتلّين.. الإعلان يقول: "كل ما تعرفونه عن هذه الحمايات لا يصلح في حالتكم". لماذا؟ تختلف أساليب تفسير "التميّز" الذي تحظى به الصهيونيّة..

كيف يرتبط ذلك بإعلانيّ ترامب وبلفور؟ في الحالتين نجد قوّة خارجيّة عظمى (بريطانيا في 1917، الولايات المتّحدة في 2017) تُقول للمشروع الاستعماري الاستيطاني: "نحن نقبل منطقك، منطقك يقول أن الفلسطينيين لديهم بعض الحقوق، ولكنّهم ليسوا شأناً مركزياً، هم الغرباء، نتوقّع منكم أن تتعاملوا معهم باحترامٍ للحقوق وللطموحات، ولكننا نعتقد أن هذا المكان ملككم". في وعد بلفور تطرّق لكل فلسطين، وفي إعلان ترامب تطرّق للقدس، ولكنّها الفكرة ذاتها. إذا ما قرأت هذين الإعلانين من دون أي فكرة مسبقة عمّا يحدث هنا، لو أتيت من كوكب آخر، هناك طريقة تفسير واحدة لهما: في 1917 وفي 2017 هناك دولة يهوديّة، فيها أقليّة صغيرة غير يهوديّة، والقوّة العظمى تطلب من الأغلبيّة الأصليّة اليهوديّة أن تتعامل بتسامح مع الأقليّة غير اليهوديّة. ونحن نعرف جيّداً أن هذا التفسير ليس له أي علاقة بالواقع الديمغرافيّ أو التاريخيّ أو الثقافيّ. ولكن حقيقة أن صياغة وثيقة كهذه (في أي فترةٍ) أمر ممكن. صياغة وثيقة لا علاقة لها بالواقع، تدل على أن منطق المشروع الاستيطانيّ لا يزال مقبولاً وفعّالاً بين الفئات الأقوى في العالم – في الامبراطوريّة الأقوى في العالم.

في تعطيل العدالة الدوليّة

التشابه الثاني الذي يُمكن أن نشير إليه بين الإعلانين يتعلّق بما يُسمّى الأخلاق الدوليّة، العدالة الدوليّة، في أيامنا نسمّي ذلك الشرعيّة الدوليّة أو القانون الدوليّ، وهذه كانت قائمة في 1917 أيضاً. المشترك بين الإعلانين أنهما يقولان: في حالة الحركة الصهيونيّة لا معنى للشرعيّة الدوليّة. يبرز هذا في وثيقة ترامب أكثر من وعد بلفور لسبب بسيط، وهو أن ماهيّة القانون الدوليّ صيغت بشكلٍ أوضح وأدق بعد الحرب العالميّة الثانية، ولأن القانون الدوليّ أكثر حسماً فيما يتعلّق بمكانة القدس. ليس صدفةً أن الولايات المتّحدة لم تتجرأ على فتح السفارة في القدس لا قبل العام 1967 ولا بعده. فعلى الرغم من أن الولايات المتّحدة تغضّ النظر عن المستوطنات، وعن الحكم العسكريّ الذي فرضته إسرائيل منذ العام  1948 وحتّى 1967، إلا أنّها لا تستطيع، في قضايا مثل قضيّة القدس، أن تنتهك القانون الدوليّ بشكلٍ صارخٍ وواضح.

لا شيء كان يمكنه أن يتغيّر حتّى لو لم يرتكب الفلسطينيّون أي خطأ تاريخيّ، حتّى لو كانت قيادتهم أفضل قيادة، فالنتيجة ستكون ذاتها، لأن توازن القوى وضع الفلسطينيين، كشعب عادي، في ظرف غير عادي. لا يمكن لـ1.3 مليون فلسطينيّ في العام 1948 أن يغيّروا شيئاً عندما يقرر جميع الأوروبيّون أن الشعب الفلسطينيّ سيدفع ثمن الهولوكوست..

عندما نقلت إسرائيل مكاتبها الحكوميّة عام 1949 من تل أبيب إلى القدس، بعثت الولايات المتّحدة برسالة حادة جداً إلى إسرائيل وحذّرتها من انتهاك القانون الدوليّ. حين ضمّت إسرائيل القدس الشرقيّة بشكلٍ رسميّ عام 1967 هددت الولايات المتّحدة بعقوبات على إسرائيل. كانت لعبة، ولم يعتقد أحد بأن الولايات المتّحدة تحوّلت صديقةً للفلسطينيين، لكن هناك من تأمّل بأن يكترث الأمريكيّ للقانون الدوليّ. لذلك نرى أن ما سُمّي "عملية السلام"، أو أوسلو، أو حل الدولتين، كل هذه الأفكار اعتمدت الاعتقاد بأن يوماً سيأتي ويحمي فيه القانون الدوليّ حقوق الفلسطينيين، أو يحمي حقوق جزء من الفلسطينيين على الأقل. وطالما لا تدّعي أمريكا موقفاً آخر، بسبب مكانتها وقوّتها، يظن البعض أنها معنيّة فعلاً بحل الدولتين، وأن الضمانات الأمريكيّة كفيلة فعلاً بهذا الحل أو بالتوصل إلى سلام بين إسرائيل والفلسطينيين. وعلى الرغم من أن معظم الفلسطينيين يعرفون أن أمريكا ليست وسيطاً عادلاً، إلا أننا لو فحصنا سجلّات سفر الدبلوماسيين الفلسطينيين المنخرطين بما يسمّى "عمليّة السلام" لوجدنا أن نصف عامٍ من كلّ عامٍ، بالمعدّل، قضوه في واشنطن. اعتمد كلّ شيء على الولايات المتّحدة، ليس لأن القيادة مؤيّدة لأمريكا، ولا لأن الشعب الفلسطيني يثق بالإدارة الأمريكيّة، إنما بسبب الإيمان بأن حل الدولتين، وإن كان ليس الأفضل، مثبّت بالقانون الدولي ويُمكن للولايات المتّحدة أن توفّر ضمانةً لذلك.


اقرأ أيضاً: "وعد بلفور" في سياقاته.. مئة عام على التجزئة والاستعمار


معنى ذلك أن المشترك بين إعلانيّ بلفور وترامب أن كلاهما يعطّل كل حماية توفّرها العدالة الدوليّة لحقوق المحليين، الأصلانيين، الأقليّات، المقموعين، المضطهدين، المُحتلّين.. الإعلان يقول: "كل ما تعرفونه عن هذه الحمايات لا يصلح في حالتكم." لماذا؟ تختلف أساليب تفسير "التميّز" الذي تحظى به الصهيونيّة؛ في العام 1917 كان الأمر متعلّقاً بالمسيحيّة الصهيونيّة، في العام 2017 يتعلّق بمعاداة الساميّة والمحرقة، وربما لا زال أيضاً يتعلّق بالمسيحيّة الصهيونيّة. والدور المركزيّ الذي تلعبه المسيحيّة الصهيونيّة في تحديد مستقبل البلاد هو من التشابهات البارزة بين الحالتين، وهو دور ينطلق من تزمّت دينيّ واعتقاد بأن استيطان اليهود في البلاد يحقق إرادة الإله، فلا تبقى أي قيمة لأي طموح، ولا مكان لأي قيمة أخلاقيّة تتناقض مع هذه الرؤية الدينيّة.

إعلانا بلفور وترامب: لسان حال ميزان القوى

النقطة الثالثة، وربّما الأهم، تتعلّق بميزان القوى. في مقابلةٍ مع صحافيّ صديق قال لي: "كن شجاعاً وقل لي أين أخطأ الفلسطينيّون، أعرف أنك لا تريد أن تستعلي، وأنك لا تريد تلقين الفلسطينيين دروساً، ولكن كن رجلاً وقل أين أخطأوا". أجبته أني لا أحتاج للتفكير بذلك طويلاً، فالقائمة طويلة، ويُمكن أن أعطيه قائمةً بأسماء القيادات الفلسطينيّة غير الناجحة، بدءاً برئيس السلطة الفلسطينيّة. إنما لا قيمة لهذه الإجابة البتّة، فأنا كمؤرخ أعرف، بيقين مطلق، أن لا شيء كان يمكنه أن يتغيّر حتّى لو لم يرتكب الفلسطينيّون أي خطأ تاريخيّ، حتّى لو كانت قيادتهم أفضل قيادة في التاريخ، حتى لو كانت قيادة خارقة من عالم آخر، فالنتيجة ستكون ذاتها. لأن توازن القوى التاريخيّ والأخلاقيّ والثقافيّ وضع الفلسطينيين، كشعب عاديّ، في ظرف غير عاديّ. لا يمكن لـ1.3 مليون فلسطينيّ في العام 1948 أن يغيّروا شيئاً عندما يقرر جميع الأوروبيّون أن الشعب الفلسطينيّ سيدفع ثمن الهولوكوست، حتّى لو كان الحاج أمين الحسيني أفضل قائد في تاريخ العرب، وحتّى لو عمل النشاشيبيّون والحسينيّون معاً وناموا في سرير واحد. لم يكن شيئاً ليغيّر ميزان القوى. الشيء الوحيد الذي يمكن أن يغيّر توازن القوى لصالحنا اليوم، كفلسطينيين وككل من يهمه العدالة والأمل، هو المساعدة من الخارج. قد يكون ذلك من الوطن العربيّ، الإسلاميّ، العالم كلّه، لكن لا يمكن أن يتغيّر أي شيء بميزان القوى الحاليّ. وهذا ما يقوله وعد بلفور وهذا ما يقوله إعلان ترامب.

يجب أن نفعل ما في وسعنا لنبدأ بتغيير ميزان القوى في الرأي العام العالمي. ولذلك اعتقد أن حركة مقاطعة إسرائيل إيجابيّة جداً، وتساعد على ذلك

من جهةٍ أخرى، لا يعني ذلك أني مهزوم، ولا أؤمن بأني سأجلس في البيت وأهمل العمل. يجب أن نفعل ما في وسعنا لنبدأ بتغيير ميزان القوى في الرأي العام العالمي. ولذلك اعتقد أن حركة مقاطعة إسرائيل إيجابيّة جداً، وتساعد على تغيير ميزان القوى في الرأي العام العالميّ. ما الذي يجب أن نفعله؟ أن نُحلل الواقع بشكلٍ صحيح، والواقع أن إسرائيل تقرأ الخارطة العالميّة، وليس لديها أسباب للخوف على وجودها في العام 2017، لأن الحكومات القويّة إلى جانبها، وهي لا تشعر حتّى بالحاجة للعب دور المسالمة والديمقراطيّة. ويمكنها أن تضم مناطق محتلّة وأن تقرّ قوانين تحوّلنا مواطنين غير مرغوب بهم. هذا أكيد حتى لو أُقيل نتنياهو، فالليكود سيستمر بالحكم لسنوات طويلة، وليس هناك أي بديل سياسيّ في المجتمع اليهوديّ. لننظر إلى الواقع ولا نوهم أنفسنا بوجود حركة سلام إسرائيليّة. نرى جيّداً عدم وجود أي معسكر سلام إسرائيليّ. لذلك علينا أن نتمعّن في هذا الواقع ونسأل أنفسنا: هل نحن موحّدون بما فيه الكفاية؟ هل نفعل ما يكفي؟ هل نعرّف مشروع تحرير فلسطين بشكلٍ صحيح؟ ألا يجب أن تُعاد صياغة هذا المشروع على ضوء الوقائع الجديدة؟
نحن اليوم كمجتمع مدنيّ دورنا أن نعمل تحت رادار القانون الإسرائيليّ، تحت رادار الأمن الإسرائيليّ، أن نعزز الهويّة والوحدة والقدرة على الحفاظ على ما هو موجود. وأن نستمر بالأمل، لعلّ التاريخ الذي سنكتبه يحتوي على إعلانات ووعود إيجابيّة تؤمن بالعدالة وحقوق الإنسان وحقوق المواطن.

مداخلة إيلان بابيه ضمن ندوة "بين بلفور وترامب" (25 شباط / فبراير 2017) في "مقهى فتّوش"، في حيفا

تسجيل وترجمة مجد كيال


اقرأ أيضاً: القدس.. كيف تُبنى العاصمة الإسرائيليّة؟


مقالات من فلسطين

معضلة الضمان الاجتماعي الفلسطيني

عدم الثقة بمؤسسة الضمان الاجتماعي، وعدم القناعة بالحكومة باعتبارها ضامناً، وغياب اللوائح التفسيرية والأنظمة الأخرى التي كان يجب أن تتوفّر قبل البدء بتطبيق القانون، كلّها عوامل أدّت إلى توسيع الفجوة...