... ومنها نووي خفيف ظريف مخصص لأمثالنا

"يجب الاختيار بين نتيجتين، فإما نهاية الاسلحة النووية أو نهايتنا جميعاً". عودة الى سباق التسلح النووي وتعزيزه وتفريعه، والى التباهي المجنون به..
2018-02-08

نهلة الشهال

رئيسة تحرير السفير العربي


شارك
عالية الوهاب - العراق

مطلع هذا الشهر، أعلن البنتاغون مراجعة "حساباته النووية"، معدِّلاً في "استراتيجية الدفاع الوطني" التي كان قد نشرها في آخر 2017، والتي طلبت من الكونغرس تكريس 716 مليار دولار للحرب، جزء كبير منها سينفق على تجديد وتطوير الأسلحة النووية، للحفاظ على "التفوق التنافسي" للولايات المتحدة، كما قال جيمس ماتيس، وزير الدفاع. ولا يبدو أن هناك عوائق فعلية أمام إقرار هذه الميزانية، وهي تحمل زيادة بنسبة 13 في المئة عما كان مخططاً له أصلاً، حيث يوافق الديمقراطيون في الكونغرس الأميركي عليها (وقد كان اصلاً لدى أوباما خطة لتطوير التسليح النووي الأميركي).. أي يوافقون على تبريراتها وأهدافها، بشرط الحصول على تعهد بعدم إبعاد "الحالمون" من البلاد، وهم الشباب الذين وصلوا قبل سن 16 عاماً الى الولايات المتحدة للدراسة والعمل، في إطار برنامج كان يستقبلهم وقد ألغي، ويريد ترامب طردهم.. يعني هي مقايضة في شأن لا دخل للتهديد بتدمير العالم به. ولا يهم الحزبان إن كان عجز الميزانية سيصل الى ترليون دولار في 2019. المهم هو حماية "التفوق" واستعراض "القوة" وربما استخدامها فعلياً.
ولا تتبنى سائر القوى العظمى موقفاً أفضل. فكلها منخرطة في سباق التسلح، وهو شيء قديم. إلا أن الجديد هو الرجوع عن الاتجاه الى الحد من السلاح النووي والعمل على شطبه الذي أقر بعد نهاية الحرب الباردة، وآخره الاتفاق مع روسيا الذي يعرف بـ"نيو ستارت". وفعلياً تقلص وجود الاسلحة النووية من 77 الفاً في 1986 الى 17 ألفاً حالياً (علماً ان بضعة منها تكفي لتحقيق دمار كل شيء). وللمفارقة فقد أعلن عن هذه الزيادة في وقت نالت فيه "الحملة العالمية لتحريم الاسلحة النووية ــ إيكان" جائزة نوبل للسلام، وتسلمتها ناجية من هيروشيما.. وسط مقاطعة للحفل من قبل القوى النووية الغربية العظمى، امريكا وبريطانيا وفرنسا، التي لم تتأثر بما قالته رئيسة إيكان بالمناسبة: "يجب الاختيار بين نتيجتين، فإما نهاية الاسلحة النووية أو نهايتنا جميعاً".


اقرأ أيضاً: غريزة ترامب الاصلية!


فرنسا ماكرون (وقبله "الحزب الاشتراكي"، تماماً كما لا فرق جوهري بين جمهوريي واشنطن وديمقراطييها) تتبنى اتجاه ترامب نفسه، وقد أعلنت هذه الايام أيضاً عن "ضرورة" تعزيز قدراتها النووية في الجيوش الثلاثة، الأرض والبحر والجو، "للحفاظ على مكانتها". والبرنامج النووي الفرنسي الذي ترتفع على الدوام ميزانيته، قرر تخصيص 5 مليارات يورو لهذه الغاية في 2020 وهو سينتفخ سنوياً، كما أن دورة تجديد تلك الاسلحة تنتهي لوجستياً في عام.. 2080!
وهنا أيضاً فلا يهم "الحربجية" الذين يدّعون أن تلك تدابير للردع فحسب و"لن تستخدم"، أن يُذكَّروا بأن هناك كوارث غير عمدية كادت تقع منذ وقت قريب، مثل اصطدام غواصتين نوويتين فرنسية وبريطانية في 2009، وهو مثال من بين سواه. وأنه قد استُخدمت الاسلحة النووية "الصغيرة" و"التكتيكية" و"منخفضة القوة" (كما توصف في التقرير) في الحروب على العراق، حتى لو استمر إنكار ذلك. وأنه أصلاً، ومن ضمن ما يتضمنه التقرير رسمياً، فهناك بند واضح يتعلق بمواجهة هجوم غير نووي لقوة معادية بردٍ نووي، وهناك وضعٌ لإيران (مع كوريا الشمالية) في خانة "الدول المارقة" التي تمثل تهديداً عسكرياً يمكن ان يُردع نووياً، وكذلك "القوى غير الدولتية" مثل تلك "الجهادية" التي عليها أن "تُدرك أنه لا يمكن لهجمات ترتكبها أن تكون مفيدة". وفي هذا كله توسيع لدائرة الاحتمالات، بما يتجاوز "الخطران الأكبران"، الدولتان الروسية والصينية، المتهمتان بالعمل على "إضعاف النظام العالمي" الذي كرس التفوق الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية، وهي بالطبع جريمة لا تُغتفر.
تتجاوز الميزانية الأميركية في حجمها مجمل ما تخصصه الدول التسع في العالم الاكثر إنفاقاً على التسليح. ويتوافق عليها البنتاغون والصناعيون والاطراف الأكثر نفوذاً في "وادي سيليكون" حيث يُعمل على تطوير"التقنية العالية".
في باريس، يجري إلغاء أجزاء هامة من ميزانيات التعليم والصحة العامين بحجة العجز المالي، ما يهدد الشرائح الأكثر فقراً في المجتمع، ويُرفض كذلك استقبال ومساعدة النازحين بحجة العجز.
وفي تقرير نشرت نتائجه صحيفة "الغارديان" في آخر 2017، يقول مقرِّر "الفقر الاقصى وحقوق الانسان" في الامم المتحدة، أن البلد الأغنى في العالم يحوي 41 مليون إنسان تحت خط الفقر، 9 ملايين منهم لا يتلقون أي شكل من أشكال المساعدة: "ولا سنتيم واحد، ولا شيء" يقول الرجل. وهم يعيشون هائمين في شوارع المدن الاميركية الكبرى.
.. ما يعني أن الامر لا يتعلق فقط بتدمير شعوب أخرى ــ بل والحياة برمتها على الارض ــ بل هو، وبشكل ملموس ومباشر، يثير إشكالية الاولويات المختارة في تلك البلدان "القوية" نفسها: العنجهية والسطوة للفئات الحاكمة أم هموم البشر ومستقبلهم؟


اقرأ أيضاً: عصابات


مقالات من العالم

لماذا يهمنا ما يجري في البرازيل؟

في البرازيل (كما في مصر وسواها) مصالح "رنانة" يعمل اصحابها على تسييدها: مجموعات محلية من رجال الاعمال والمقاولات والسمسرة جاهزة لخدمة مصالح الاستثمارات العالمية.. لكن السؤال الكبير يبقى متعلقاً بالاخطاء...

"أصدقاء جدد وحلفاء جدد".. بصدق!

التحدي أمام تركيا وسواها هو بين السلوك الاستجدائي وإنْ مغلفاً بقشرة رقيقة من الكرامة الوطنية المجروحة والتهديدات الجوفاء لرفع معنويات الناس، أو الاتجاه الفعلي لبناء قطب ثانٍ متعدد الرؤوس، يضع...

للكاتب نفسه

اليمن: متى تنتهي الحرب الملعونة؟

اجتماع استوكهولم بين الطرفين اليمنيين المتحاربين – وهما الطرفان الاقل شأناً في تلك الحرب – يمنح أملاً ليس بوقفها الفوري (وهو ما يجب)، بل بضبط تصعيدها وبحل بعض الشؤون الانسانية...

من قتل يارا؟

إليكم العناصر الفعلية لحبكة قصة مقتل يارا، الصبية الفلسطينية من إحدى قرى الجليل.. بغض النظر عن الملابسات المخصوصة لجريمة قتل "عادية" تطال النساء.

خفة ترامب التي لا تُحتمل

البارحة أعلن ترامب أنه "لولا السعودية لكانت إسرائيل في ورطة كبيرة"، ولكنه لم يستطرد في شرح هذا الحكم المقتضَب حتى الآن، والأمل أن يكشف أكثر في مقبِل الأيام.