هل تعرفون سلافة الحجاوي؟

إمرأة في الثالثة والثمانين، ولدت في نابلس ورحلت الى بغداد في النكبة وتعيش اليوم في رام الله. كانت  أول من ترجم أشعار "كفافيس" لقراء اللغة العربية، وترجمتْ "لوركا" كما "ت. س. اليوت"..
2018-01-25

امتياز دياب

كاتبة من فلسطين


شارك
في بغداد سنة 1969..

- مرحبا
- هلا
- ممكن احكي مع سلافة الحجاوي؟
- انت معها حبيبتي
أرغب بزيارة الشاعرة والكاتبة والباحثة والمترجمة، الذي منحها اسمها الشاعر ابراهيم طوقان، وكان شاهداً على عرسها الشاعر العظيم بدر شاكر السياب، وكان أستاذها الروائي جبرا ابراهيم جبرا.
على بعد دقائق قليلة من وسط مدينة رام الله، تسكن سلافة في بيت صغير مكون من غرفة نوم واحدة وصالون يقتطع المطبخ الصغير مساحة منه.
قابلتني بضحكة بجمال سيمفونية، وبقامتها الصغيرة التي تجعلها تستعين بكرسي صغير لتصل يدها الى الرفوف البعيدة.
لا أصدق بأنني أمام الامرأة التي كانت أول من ترجم أشعار الشاعر "قسطنطين كفافيس" لقراء اللغة العربية، في كتاب "التجربة الخلاقة".  
"كنت سأعترض وأذكِّر المثقفين المصريين بأنني أول من عرّفهم على هذا الشاعر اليوناي الأصل، مع أنه ولد وكان يقطن في مدينة الاسكندرية، لكن عزفت عن ذلك، وقلت لنفسي، المهم ان يقرؤوه".. وترجمتْ للشاعر "لوركا" كما لـ"ت.س. اليوت".
أتت من مدينة نابلس التي كانت تركض في أزقتها لتدس قصائدها خفية في يد الشاعرة فدوى طوقان، التي كتبت الشعر بتشجيع من عمة سلافة، فخرية الحجاوي. وتقول فدوى: "فخرية هي التي شجعتني على كتابة الشعر وليس أخي ابراهيم".
انتقلت سلافة الى بغداد مع والديها تحت طلقات الرصاص. عبرت الصحراء، درست الأدب الانجليزي، لم تنشر قصائدها الا في عام 1969، وقيل عنها: ولدت لنا شاعرة عربية، سيكون لها شأن في الشعر.
ترجمت شعراء المقاومة للانجليزية، وهكذا نقلت المعركة الفلسطينية الى الغرب.
كانت ترسم وابدعت ثم توقفت، كتبت الشعر وصفق لها الأدباء والشعراء في مؤتمر إتحاد الادباء العرب في بغداد ثم توقفت، حتى سالت منها مع دموعها، قصيدة "سفن الرحيل" في رثاء زوجها الشاعر العراقي كاظم جواد.
"في يوم من الأيام، دق الباب بدر شاكر السياب ومن وراء الباب قال لي: لا تقولي لكاظم انني اتيت، لكن انا بحاجة الى دينار". "كان لدي فقط دينارين، أعطيته واحد ثم بكيت".
أمام هزيمة 1967 درست العلوم السياسية لتفهم القضية الفلسطينية، وعملت في مكتب الدراسات الفلسطينية، وكتبت تحلل في السياسة.
عاشت في كنف الكبار، في الزمن الجميل، عندما كان المثقف ينكر ذاته من اجل الأدب واللغة والقضية العربية، مسحت دموعهم عندما خرجوا من السجون، وقبل ان يعودوا ثانية الى الزنازين لكلمة حق كتبوها.
سلافة الحجاوي تاريخ، وروح متخلية عن المال والجاه والمناصب، تقول في مدونتها كلمات الحق، وتكتب رأيها بالسيف.
"لم اعد أحب القراءة، كل ما يكتب هؤلاء الشباب ومن شاب منهم، تفاهة مقرفة، بخفة وقلة عقل، ومباهاة لا يحتملها الانسان. يا ربي، من قال لهم انهم شعراء أو كتاب، لا أدري"!
"سجل انا شاعر، هههههه، قل للملأ بأنني كاتب، ههههه".  
حملتُ كتبها العشرة (أو اكثر) لأنسخها في إحدى المطابع، خبأتها في كيس من القطن الخام، بعد ان تركتُ لها هدية كتبي وديوان للشاعر عماد ابو صالح". "كان نائما عندما قامت الثورة"، قالت سلافة،" ظريف جداً، ياه شو حلو". كنت فخورة بأنني انتقيتُ لها وردة من القمامة التي تأنف من لمسها بيديها، كي لا تنقلب معدتها من القرف.
"يختبئ الاولاد الكتّاب حين يرونني في الشارع، لأنني لا احتمل كتاباتهم العاطفية الفارغة على فيسبوك، عملتلهم بلوك، اي والله بلوك، لا اطيق هذه اللزوجة والخفة وحديثهم عن ذواتهم المنفوخة بلايكات المعجبات من البنات، وكأنه لا توجد لديهم أنبل قضية".
"انت لست مثقفا، سواء كنت فلسطينيا أو عربيا أو اجنبيا، اذا لم تنتصر للضعفاء والفقراء. المثقف العربي لديه القضية الفلسطينية، ينبوع العذاب، هو هدية للمبدع العربي والعالمي، ومن لم يتحدث بكلمة حق، فلا يليق به لقب شاعر أو كاتب أو مثقف".
لم تُكرّم سلافة الحجاوي من السلطة الفلسطينية، لم تكرم من الدول العربية، مع أن مثقفيها تعلموا منها عن الكبار والحداثة.
إعترف لها جبرا ابراهيم جبرا، معلمها واستاذها، بانها فاقته دقة بترجمة الشعراء الكبار، اذ حافظت على دقة التعبير والصورة والايقاع في كل قصيدة لمستها بيديها.
ثلاثة وثمانون عاماً، تعيش وحدها مستقلة، مكتفية، ضاحكة، سعيدة بسنوات عمرها المليئة بتجارب لا يحلم احدنا بجزء صغير منها، وعطاء بالقيمة التي تحملها كتبها.

 

"المجد لهؤلاء الرجال الذين يكرسون حياتهم
ويحرسون ترميبولي
الذين لا يحيدون عن واجبهم ابداً
شريفة ومستقيمة أعمالهم
رقيقة قلوبهم وهم رحماء
وهم كرماء ان آثروا، واذا عدموا
فهم كرماء بالأشياء الصغيرة
يمنحون كل معونة يملكون منحها
ولا ينطقون الا بالصدق
بدون مرارة الكذب
المجد الاعظم لهؤلاء الذين يتنبأون
(كثيرون على ذلك قادرون)
أن العملاق سوف ينهض في النهاية
وبأن الفرس في النهاية سوف يمضون".

 

(من قصيدة "ترميبولي" للشاعر كفافيس، ترجمة سلافة الحجاوي)

 

كلمات كفافيس فيها صدق خال من التوتر. هذه القصيدة تشبه سلافة الحجاوي، الشاعرة الفاتنة والكاتبة الصادقة، التي امسكت باللغة العربية والانجليزية من قلبها.
تحية الى سلافة الحجاوي... وتنبيه للمثقف العربي للدرة التي بيننا.

مقالات من فلسطين

أزعجناكم؟ لا اعتذار!

نهلة الشهال | 2018-05-17

قرّر الغَزّيون أن حيواتهم، دمائهم، هي الأداة الوحيدة المتاحة لهم لكسر المعادلة الساحقة التي تُطْبق عليهم، أو هزّها وخمشها في أقل تعديل، ومحاولة جعلها تضطرب أو تتباطأ إن لم تتعرقل...

فلسطين: كيف نستعيد الأمل؟

مجد كيّال | 2018-05-14

من بين نقاط الضوء وسط الكارثة حركة مقاطعة اسرائيل. أهميتها أنها لا تعمل تحت أي إطار تفاوضي ولا يمكن إخضاعها لأي سلطة، وأنها المنفذ الوحيد لليهود لإعلان تنصلهم الفعال من...

المعارضة اليهودية للصهيونية بين مناهضة العنصرية ومناهضة الاستعمار

كوثر قديري | 2018-04-28

هناك حركات يهودية مناهضة للصهيونية منذ نشوئها، لبعضها منطلقات دينية وبعضها الآخر يساري وعلماني. للاتحاد اليهودي الفرنسي للسلام، الذي ادلى اعضاءه بشهاداتهم على امتداد الاسابيع العشرة الماضية، "أجدادٌ" لا يقلون...

للكاتب نفسه

الأميرة الهاربة من الشرق وإليه

امتياز دياب | 2018-03-14

..تصف حياتها في الغرب، والعقلية الغربية والعادات. تتحدث عن صعوبة العيش مع الآخر الذي كوّن فكرة راسخة عن المجتمعات الشرقية، تعبر عن دهشتها لاستغلال عمال المناجم وفقرهم في اوروبا، وبالمقابل...

صباح الخير يا قدس

امتياز دياب | 2017-08-31

حكايات من القدس التي تظلّ تقاوم ومن يوميات أهلها الذين أرغموا الاحتلال على التراجع عن نصب البوابات الالكترونية حول المسجد الأقصى..